الوطن - سميرة الخروصي:

حين ننتبه إلى مشهد رجل متوتر الخطوات, أشيب, ضئيل الجسد, يسحب ظله مقتحما منتصف النهار "وسبحان الذي يغير لا يتغير", ندرك على الفور بأنه "قتادة" جاء ليدق أجراس شقق عماراته طلبا للمال من مستأجريه. ووسط جولاته الشهرية كان هناك مستأجر نادر يعطيه "قتادة" علامة (امتياز) لأنه يدفع الإيجار في موعده كل شهر, وثمة مستأجر عربي لا يدفع كعادته إلا نادرًا, فيمطره صاحبنا بكل دعوات الأرض ويخرج مستاءً كعادته, وهناك من لا يفتح له الباب متعمدًا كبعض عادات العرب التي تنم عن سلوكيات مكتسبة, لأن رصيده من المال قد نفد ولم يتبقَ منه شيء, ولكن هذا السلوك لم يكن تعبيرًا عن فزع من "قتادة" طبعا بل نفورا منه, فقتادة الذي تبدو عليه كل صبغات الدراويش, كان يثرثر كثيرا ويخاف من مستأجريه الوافدين ـ العرب تحديدا ـ الذين يجيدون الحوار إذا لزم الأمر ردا للاعتبار أمام صعلوك مثله!
حاول قتادة إخراجهم مرارا بكل أعذار الدنيا فكان مصيره الطرد ـ يا للمشهد المحزن ـ حتى أن أحدا قال له مرارًا وتكرارًا: "أعلى ما فخيلك اركبه"! بينما رد عليه آخر قبل أن يصفع الباب في وجهه:
"ايه روح يا (..) عاملي حالك عنتر وجايبلي إنذار طرد؟ ودِيني ما رَحْ انسالك ياها وبيني وبينك المحاكم يا خِتيارْ إبليس, كِله كِـرمال كم شهر متأخر؟". ولكْ حلِق.
أما مُواطنهُ فقد كان يرد عليه دائما من خلف الباب: يا الوالد تراك هلكتنا, من هين أجيبلك أبوي؟ قلتلك الشهر الماضي ما عندي وحدي طالب كلية, وأبوي يدفعلي الإيجار.
ولأن "قتادة" كان يخشى من الغرباء ـ عدا ـ الآسيويين ـ طبعا, فقد كان يتقن الصراخ في وجوههم, لذا كان يتفوق عليهم دائمًا, فيخرج منتصرا بكم "ريال". ولم يكن يعلم بأنه ربما من الجانب الإنساني والقانوني أو ـ الماذا ـ نقول كان البعض ينظر إلى هذا الدرويش الأشيب الثري بعين العطف.
قال له أحد المارين حين خيم الظلام, وقد كان يدخل آخر مبلغ إيجار في دشداشته "القديمة" التي تصل جوزة قدمه:
- أيها الوالد, دعني أوصلك إلى الشارع العام فلا توجد سيارات أجرة هنا!
تهلل وجه "قتادة" فرحا, فقد هيمن عليه تعب الركض منذ الصباح في شمس القيظ طلبا للإيجار طيلة النهار, فاندفع دون تردد داخل السيارة قائلا:
- بارك الله فيك, فلو كل شباب الحي يمثلون أخلاقك لكانت الدنيا بخير.
ابتسم الشاب وهو يناوله حزام الأمان قائلا: الدنيا بخير.. بخير لا تقلق.
كان "قتادة يثرثر طيلة الطريق, وفي الغالب لم تكن تتعدى ثرثرته شكواه من مستأجريه الذين يهضمون حقه ويسيئون إليه, ولا يحترمون "شيبته"!!. يستمع إليه الأخير في ملل حتى آخر شكوى فيقول:
- من الواضح ذلك, لكن لماذا ترهق نفسك بمتابعة المستأجرين ولا تترك المهام لمكتب عقاري, فيتولى المهمة, فهم أصحاب اختصاص, ومنها ستستلم الإيجار وأنت في غنى عن مساوئ حروب الشرق التي تصب جل رصاص لعناتها على كاهلك, بصراحة أنت مثير للشفقة!!
يصيح به ملتفتًا: لا بارك الله فيك, فأنت لا تستحق الثناء, هل تريدني أن أتعامل مع هؤلاء المرابين ليأكلوا حقي وأنا "يا غافل", لا يا حبيبي, أنا أستلم حقوقي وأراقب أموالي بنفسي لأكوان على اطلاع بكل شيء.
يهمس له من جديد مبررا: أنت لا تعرف هؤلاء, فهم لا يأخذون النسبة بل يتلاعبون عليك ويهضمون حقك!
يبتسم: لا أرى النعمة بادية عليك!!
يصيح في وجهه غاضبا: أتذلني لأنك...
يقاطعه مهدئا ثورته بابتسامة هادئة: لا بأس اهدأ. عاد "قتادة" إلى وضعيته وراح يفتش في بعض الفواتير, وبنظرة يائسة ينظر إليه الشاب بشفقة فيقول: سمعت بأنك قمت بإقصاء المستأجر الآسيوي المسكين بحجة أنك ستزوج ابنك وستسكنه هناك, ألم تجد غير هذا المسكين لتكذب عليه, فلا أبناء لك على حد علمي, من الواضح أن ثمة مستأجرا سيضاعف لك المبلغ!!
يتأفف قتادة": هل سلطك أحد علي؟ أم أن هذا حسد الحاسدين؟؟؟ هذه طريقتي في تعاملي مع هؤلاء.
يضحك الشاب: بيد أنك تستقبل كل قنابل السباب العنقودية من إخوتك العرب فلا تنتهج سياسة في إخفاقها, وفي المقابل تقف أمامهم مرتجفا كالضحية مع أنك صاحب المال ـ يا للمفارقة!!
يقاطعه مبررا بغضب: أنت لا تعرفني فأنا أسوأ من القنابل العنقودية, هذه مجرد إشاعة لكنني احترمهم لأنهم عرب مثلي وأخشى عليهم من التشرد و..
يسكت الشاب لوهلة, ويعطيه أذنا صماء منتبها إلى الشارع, فأعذاره البلهاء تثير الضحك والحزن معًا.. يااااالقتادة" ومستأجريه و"سبحان الذي يغير لا يتغير".

حين ننتبه إلى مشهد رجل متوتر الخطوات, أشيب, ضئيل الجسد, يسحب ظله مقتحما منتصف النهار "وسبحان الذي يغير لا يتغير", ندرك على الفور بأنه "قتادة" جاء ليدق أجراس شقق عماراته طلبا للمال من مستأجريه. ووسط جولاته الشهرية كان هناك مستأجر نادر يعطيه "قتادة" علامة (امتياز) لأنه يدفع الإيجار في موعده كل شهر, وثمة مستأجر عربي لا يدفع كعادته إلا نادرًا, فيمطره صاحبنا بكل دعوات الأرض ويخرج مستاءً كعادته, وهناك من لا يفتح له الباب متعمدًا كبعض عادات العرب التي تنم عن سلوكيات مكتسبة, لأن رصيده من المال قد نفد ولم يتبقَ منه شيء, ولكن هذا السلوك لم يكن تعبيرًا عن فزع من "قتادة" طبعا بل نفورا منه, فقتادة الذي تبدو عليه كل صبغات الدراويش, كان يثرثر كثيرا ويخاف من مستأجريه الوافدين ـ العرب تحديدا ـ الذين يجيدون الحوار إذا لزم الأمر ردا للاعتبار أمام صعلوك مثله!
حاول قتادة إخراجهم مرارا بكل أعذار الدنيا فكان مصيره الطرد ـ يا للمشهد المحزن ـ حتى أن أحدا قال له مرارًا وتكرارًا: "أعلى ما فخيلك اركبه"! بينما رد عليه آخر قبل أن يصفع الباب في وجهه:
"ايه روح يا (..) عاملي حالك عنتر وجايبلي إنذار طرد؟ ودِيني ما رَحْ انسالك ياها وبيني وبينك المحاكم يا خِتيارْ إبليس, كِله كِـرمال كم شهر متأخر؟". ولكْ حلِق.
أما مُواطنهُ فقد كان يرد عليه دائما من خلف الباب: يا الوالد تراك هلكتنا, من هين أجيبلك أبوي؟ قلتلك الشهر الماضي ما عندي وحدي طالب كلية, وأبوي يدفعلي الإيجار.
ولأن "قتادة" كان يخشى من الغرباء ـ عدا ـ الآسيويين ـ طبعا, فقد كان يتقن الصراخ في وجوههم, لذا كان يتفوق عليهم دائمًا, فيخرج منتصرا بكم "ريال". ولم يكن يعلم بأنه ربما من الجانب الإنساني والقانوني أو ـ الماذا ـ نقول كان البعض ينظر إلى هذا الدرويش الأشيب الثري بعين العطف.
قال له أحد المارين حين خيم الظلام, وقد كان يدخل آخر مبلغ إيجار في دشداشته "القديمة" التي تصل جوزة قدمه:
- أيها الوالد, دعني أوصلك إلى الشارع العام فلا توجد سيارات أجرة هنا!
تهلل وجه "قتادة" فرحا, فقد هيمن عليه تعب الركض منذ الصباح في شمس القيظ طلبا للإيجار طيلة النهار, فاندفع دون تردد داخل السيارة قائلا:
- بارك الله فيك, فلو كل شباب الحي يمثلون أخلاقك لكانت الدنيا بخير.
ابتسم الشاب وهو يناوله حزام الأمان قائلا: الدنيا بخير.. بخير لا تقلق.
كان "قتادة يثرثر طيلة الطريق, وفي الغالب لم تكن تتعدى ثرثرته شكواه من مستأجريه الذين يهضمون حقه ويسيئون إليه, ولا يحترمون "شيبته"!!. يستمع إليه الأخير في ملل حتى آخر شكوى فيقول:
- من الواضح ذلك, لكن لماذا ترهق نفسك بمتابعة المستأجرين ولا تترك المهام لمكتب عقاري, فيتولى المهمة, فهم أصحاب اختصاص, ومنها ستستلم الإيجار وأنت في غنى عن مساوئ حروب الشرق التي تصب جل رصاص لعناتها على كاهلك, بصراحة أنت مثير للشفقة!!
يصيح به ملتفتًا: لا بارك الله فيك, فأنت لا تستحق الثناء, هل تريدني أن أتعامل مع هؤلاء المرابين ليأكلوا حقي وأنا "يا غافل", لا يا حبيبي, أنا أستلم حقوقي وأراقب أموالي بنفسي لأكوان على اطلاع بكل شيء.
يهمس له من جديد مبررا: أنت لا تعرف هؤلاء, فهم لا يأخذون النسبة بل يتلاعبون عليك ويهضمون حقك!
يبتسم: لا أرى النعمة بادية عليك!!
يصيح في وجهه غاضبا: أتذلني لأنك...
يقاطعه مهدئا ثورته بابتسامة هادئة: لا بأس اهدأ. عاد "قتادة" إلى وضعيته وراح يفتش في بعض الفواتير, وبنظرة يائسة ينظر إليه الشاب بشفقة فيقول: سمعت بأنك قمت بإقصاء المستأجر الآسيوي المسكين بحجة أنك ستزوج ابنك وستسكنه هناك, ألم تجد غير هذا المسكين لتكذب عليه, فلا أبناء لك على حد علمي, من الواضح أن ثمة مستأجرا سيضاعف لك المبلغ!!
يتأفف قتادة": هل سلطك أحد علي؟ أم أن هذا حسد الحاسدين؟؟؟ هذه طريقتي في تعاملي مع هؤلاء.
يضحك الشاب: بيد أنك تستقبل كل قنابل السباب العنقودية من إخوتك العرب فلا تنتهج سياسة في إخفاقها, وفي المقابل تقف أمامهم مرتجفا كالضحية مع أنك صاحب المال ـ يا للمفارقة!!
يقاطعه مبررا بغضب: أنت لا تعرفني فأنا أسوأ من القنابل العنقودية, هذه مجرد إشاعة لكنني احترمهم لأنهم عرب مثلي وأخشى عليهم من التشرد و..
يسكت الشاب لوهلة, ويعطيه أذنا صماء منتبها إلى الشارع, فأعذاره البلهاء تثير الضحك والحزن معًا.. يااااالقتادة" ومستأجريه و"سبحان الذي يغير لا يتغير".
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions