اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي وقضية حقوق الإنسان

    • اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي وقضية حقوق الإنسان

      عُمان -*حيدر بن عبدالرضا اللواتي:



      بالرغم من مرور أكثر من عشرين عاما على المفاوضات التي تجريها دول مجلس التعاون الخليجي مع الاتحاد الأوروبي لإنجاز اتفاقية التجارة الحرة التي ستعمل على تعزيز التعاون الاقتصادي والمالي بين الطرفين، إلا أن هذا الحراك يترنح أحيانا ويبقى جامدا لفترات أخرى لأسباب وذرائع يقدمها الاتحاد الأوروبي بين الفينة والأخرى. ومؤخرا كشف مسؤول خليجي أن هذه المفاوضات «لن تتقدم خطوة إلى الأمام» طالما أن مسودة الاتفاقية التي يطرحها الجانب الأوروبي تتضمن بنودا تنتهك سيادة دول مجلس التعاون وتتدخل في الشؤون الداخلية، بالرغم من أن وعودا تلقتها دول المجلس من المسؤولين في الاتحاد الأوروبي بأن الدول الأوروبية في الاتحاد ستتجاوز عن طرح أي بند تنتهك سيادة الدول الخليجية وقضاياه الداخلية.

      والمشكلة المثارة من قبل الاتحاد الأوروبي والتي بموجبها ما زالت المفاوضات معلقة تعود إلى إصرار الطرف الأوروبي على تضمين الاتفاقية الاقتصادية مادة تشير بوضوح إلى أنه في حالة حدوث مخالفات عن حقوق الإنسان في إحدى الدول الموقعة على الاتفاقية، فإنه يجوز لدولة أخرى أن ترفع القضية إلى مجلس الأمن. وهذا مما شك فيه - كما يؤكد عليها المسؤولون في الشؤون الخارجية في دول المجلس- يعني فتح الباب للدول الأوروبية بأن تتدخل بالشؤون الداخلية وبسيادة دول مجلس التعاون في قضايا بعيدة كل البعد عن الاتفاقية الاقتصادية، وكأن الإضرار بحقوق الإنسان يتم فقط في دول المجلس، وكأن الدول الأوروبية وربيبتهم إسرائيل وغيرها من دول العالم الأخرى التي ترتبط بها الاتحاد الأوروبي في اتفاقيات اقتصادية مماثلة، بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية بعيدة كل البعد عن تلك الانتهاكات.

      عند مراجعة التقارير الدولية التي تنتهك حقوق الإنسان وخاصة تقرير منظمة العفو الدولية، فان هناك أسماء عدد من الدول الأوروبية وغيرها تورد في هذا الصدد، وكل منها لها أساليبها الخاصة في هتك حقوق الإنسان. وهذا شأن داخلي لها، ولا يجوز أن ترقى هذه المشاكل إلى خلاف كبير بين دول العالم في ظل وجود المنظمات الدولية التي تستطيع إيصال تلك القضايا إلى المنابر العالمية للبحث فيها.

      وإذا عدنا إلى الوراء قليلا نجد أن دول المجلس أعلنت في ديسمبر 2008 تعليق محادثاتها مع الاتحاد الأوروبي حول اتفاقية التجارة الحرة، ولكن بناء على رغبة الجانب الأوروبي في استئناف هذه المفاوضات فقد تمت إعادة الاتصالات ‏والدعوات. وكانت مسقط العاصمة نقطة انطلاقة هذه المحادثات في العام الماضي، ولكن بعد مرور هذه الفترة أصبح الأمر جليا للكثير بأن الجانب ‏‏الأوروبي يتحمل مسؤولية هذا التأخير والتعطيل ‏وفي ‏إطالة أمد ‏هذه ‏‏‏المفاوضات نظرا لعدم تجاوبه مع المقترحات التي قدمتها ‏دول المجلس ‏لإنهاء مفاوضات ‏الاتفاقية بين الجانبين. إن الجانب الخليجي لم يؤكد في يوم من الأيام بأنه يقفل باب النقاش في أية قضايا سياسية أو اجتماعية أو بيئية، ولكن لا توجد هناك دولة توافق أن تقوم دول أخرى بانتهاك سيادتها والتدخل في شؤونها الداخلية من خلال طرح قضاياها الداخلية. فقضايا حقوق الإنسان يمكن معالجتها وطرحها مع أي مسؤول خليجي، وليس من الداعي بأن تتضمن اتفاقية هدفها إنجاز اتفاقية تجارة حرة بنودا تتعلق بوضع المرأة وحقوق الإنسان وموضوعات سياسية أخرى بعيدة كل البعد عن بنود هذه الاتفاقية. ففي عالم اليوم هناك المئات من المنظمات ومؤسسات المجتمع المدني التي تعنى بحقوق الآخرين، ناهيك عن منظمات الأمم المتحدة التي ترصد كل صغيرة وكبيرة، ويمكن لها أن تثير أي قضية في هذا الإطار. وهنا أرى أن هناك فجوة في فهم الأوروبيين والغرب بصفة عامة في تفهم بعض المفاهيم الاجتماعية السائدة في دول المجلس والعالم أجمعه، الأمر الذي يتطلب تعزيز إدراكهم في هذه القضايا على المستويين الأكاديمي والإعلامي حتى يستطيع الطرفان فهم الآخر. فالمنطقة الخليجية تتحلى بعادات أسمى في مسألة حفظ حقوق الآخرين، وهي نابعة من العادات والتقاليد السائدة والتشريعات والقوانين الإسلامية التي تؤكد دائما على حفظ حقوق الآخرين.

      ويتضح الآن بأن الطرف الأوروبي يحاول بأن يغلب على الحوارات والاتصالات الطابع السياسي أو تغليب السياسة على القضايا الاقتصادية؛ لأنها غير مستعجلة في إنهاء هذا الأمر طالما أن مؤسساتها تستفيد الكثير من المزايا وأهمها دخول مئات السلع والمنتجات الأوروبية إلى الأسواق الخليجية بتعرفات ضئيلة، في حين يفرض الاتحاد الأوروبي الكثير من التعريفات الجمركية والضرائب على المنتجات الخليجية التي تأتي إلى دولها المشتركة، وأن يراعي الاتحاد الأوروبي أن الدول الخليجية تسعى إلى تعزيز وتنويع مصادر دخلها وتخفيف الاعتماد على الإيرادات النفطية من خلال تطوير قطاعاتها الإنتاجية غير النفطية، مشددا على ضرورة إنجاز التوقيع على اتفاقية إقامة منطقة التجارة الحرة بين الجانبين في أسرع وقت ممكن، ما يحقق مزيدا من الاستثمارات والمبادلات التجارية بين الجانبين. كما أن الاتفاقية ستعمل على تغطية كافة المنتجات والخدمات بدون استثناء وتأسيس مؤسسات تعاون ثنائية لتعزيز حقوق الملكية الفكرية بالتوافق مع منظومة الاتفاقيات الدولية الخاصة بهذا الشأن.

      وإذا كان هذا هو الحال فعلى دول المجلس أن تعلن مرة أخرى بتعليق اتصالاتها مع الاتحاد الأوروبي فيما يهم هذا الموضوع المهم، وأن توثق علاقاتها مع مجموعات اقتصادية أخرى في العالم، خاصة، وأنها قطعت شوطا كبيرا في اتصالاتها مع اليابان ونيوزلندا والهند ودول أمريكا اللاتينية وتركيا وغيرها من الدول والمجموعات الأخرى. ولا شك أنه في حالة نجاح هذه المفاوضات واعتمادها على شكل اتفاقيات اقتصادية بين تلك الدول ودول المجلس التعاون الخليجي، فإن الاستثمارات الخليجية الضخمة في الاتحاد الأوروبي، والتي تقدرها بيانات مصرفية بواقع 100 مليار دولار استثمرتها دول المجلس في أوروبا خلال الفترة من 2002 – 2006 من اجمالي 543 مليار دولار في الخارج فإنها سوف تتأثر في حجمها، وليس من البعيد أن تتحرك بعض منها إلى خارج الاتحاد الأوروبي. إن عدم اهتمام الاتحاد الأوروبي بموضوع اتفاقية التجارة الحرة تؤكد عدم رغبتها في بناء شراكة أكبر في المستقبل، وهذا يجب أخذه في الاعتبار من قبل الجميع بألا نلهث وراء السراب


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions