بنات vs الشباب
سوء الفهم / الفهمُ السيء ..
إنَّ الوضعَ الاجتماعيَ الجديدَ في عُمان، المحمول إلى وضعٍ جديد كليَّا، يفرزُ بينُ يومٍ وآخر مجموعة من الظواهر والسلوكيات التي تجعل من التصدي لها واجباً عامَّا، أو شبه عامٍ على الأقل.
ثمَّة أحداثٌ غريبة أو مُختلفة تجعلُ من هذه البلاد ــ بلادنا ــ وخزةَ قلقٍ دائمة مستمرَّة بسببِ غياب فهمٍ عامٍ مقنع من قبل أفراد المجتمع سواءً عن أنفسهم أو عن الوضع الدائر وطبعاً مع غيابٍ خطاب اجتماعي عَميق ومقنع ومؤثر أو ثقافة حوار بين أجيال أو أقران، واكتفاء الجموع الهائلة من البشر بالمشاهدة وانتظار الخلاص من مكانٍ ما، الخلاص الذي طالَ انتظارُه ولا يبدو أن مؤشراتٍ مُقنعة سوف تأتي به.
كنت قد تناولتُ في مَقالين سابقين ما اعتقدتُ ــ وما أجمل ذلك ــ أنَّها مُشاهدات كافية من قلب المجتمع العُماني بشقَّيه الرئيسيين الذين سيصبحان أكثريةَ عُمان، عاجلا أم آجلاً، فئة البنات العُمانيات وفئة الشباب العُمانيين، واعتقدت أنَّ إفراد مَقالين منفصلين عنهما سيكفي لسردِ مُشكلة حسبتُ أنَّها حقيقية ومؤرِّقة.
المقالان والرؤية والأفكار التي بهما ارتطمَت بالواقع ارتطاماً مزعجاً كشف لي جانباً آخرَ من المصيبةِ التي تدور في الأرجاء، جانباً لا يمكن تجاوزه بسهولة أو المرور عليه دون مساءلته مساءلةً شرسةً.
فالفكرة في النهاية، فكرة الكتابة، لا تتجاوزُ هذا الأملَ وهذا الطموحَ الإنسانيَ أن يفعلَ الإنسان شيئا من أجل غيرِه، وأن يقولَ شيئا لعلَّه يكون شمعةً صغيرةً في هذا الظلام الدامس القادم بسرعةٍ هائلة.
&&&
فالأُشِر بدايةً أنَّ ردات الفعل التي ألاقيها ــ والتي كثرت مؤخرا ـ أصبحت نواقلَ عاليةَ الجودة للأفكار التي كنتُ أبحث عنها في الأدمغة التي ألقي عليها بشباكي اللغوية عبر المدوَّنة، وحتى لا تفهموني خطأً وتعتبرون هذه الاستعارةَ بياناً استعلائياً سأشرحُ لكم فكرتي عن الموضوع التي تتلخص فيما يلي:
" يقول المرء ما لديه من أفكار ويكتبها في مدوَّنة في النت. يقرأ أناسٌ هذه الأفكار وتكون لديهم آراء حولَها، آراء بطبيعة الحال ناتجة عن أفكار موجودة لديهم سلفاً، اللغة التي حَمَلت الفكرة الأولى التي طرحتُها هي نفسها ستكون الوسيط الذي سيحمل التغذية الراجعة [feed back] والتي ستؤكِّد لي قوَّة ارتطام ما طرحتُه في المدوَّنة بعقول القرَّاء، وكذلك تنفي بعضَ ما اعتقدتُ سابقاً، ولا يخفى عليكم أن للخبرة والمران والسن والتجربة والوعي الذي يتكوَّن مع الوقت دور كبيرٌ في توقع ردَّات الفعل، دور لا أعتقد أنني أمسكت بزمامِه قدر ما أتمنى ذلك مع الوقت"
&&&
حسناً اربطوا الأحزمة، ها قد جاء الكلام الكَبير:
قبل أن أدخلَ في حديث خاصٍّ عن المرأة والرجل في عُمان، أو تحديدا البنات والشباب؛ تخصيصاً لفئة عُمرية واضحة. دعوني أهيسكم معي في فكرة عامَّة عن المرأة والرجل بشكلٍ عام. فمن وجهة نظر كَبيرة، أو من مستوى دارويني كما يقول بعض الضالعين في الداروينية، إنَّ العلاقة بين الرجل والمرأة لا تخرج عن سنَّة الكائنات الحيَّة في اجتذابِ الجنسِ الآخر من أجل حفظِ النوع، ومن أجلِ ذلكَ فإنَّ المرأةَ والرجل في نهايةِ المَطاف يمارسان لعبة ليسا هما المقررين لها وإنما لعبة الجينات الكُبرى التي تقودُها وتسوسُها وهُما منفذان على هيئة أجساد لهذا التناسل، كما يقول محمود درويش [والخلود هو التناسلُ في الوجودِ].
إنَّ هذا التفسير موجودٌ إلى حدٍّ ما في عُمان، ولكنَّه ــ مع قلَّته الشديدة ــ الأكثر ممارسةً.
ثمَّة إذعان واضحٌ عندما يتعلَّق الأمر [بمصير الذكور والإناث] إذعانٌ عُماني لسنَّة المجتمع التي قررت أن الزواج هو المصير النهائي لكلِّ مخلوقٍ حيِّ طبيعي قابل للتناسل في عُمان.
ومع أنني لا أحبُّ هذا الكلام الكَبير والذي يتجه إلى أن يكون كلام مفكرين كِبار أو محللين عَميقين إلا أنَّ هذه الرؤية التي تلقي باللائمة علي الجينات [التي لا نعرفها جيدا] تبدو حسنةً للغاية، حسنةً لأنَّها تسمحُ لنا أن نكتفي بالمشاهدة والاتكاء على هذا الغيب العلمي [الجينات] معتقدين أنَّه ما دامت الطبيعة نجحت في حفظِ نوعِها طوال هذه السنين فإننا في النهاية ــ كمجتمع أو كمليونين ضمن ستة مليارات إنسان ــ سنؤول للصفرِ أمام الحركة الكونية. وكما هو آسر ورائع هذا الشعور ويعطي لشاعرِه نوعاً من الفهم الفوقي على البشر، يبقى في النهاية [كلاماً كَبيراً] جدير بأن يُقال ويردد هُنا وهُناك، أما عندما ننزل قليلا إلى المستويات الأخرى فإنَّ الأفكار والأحداث تتشابكُ وتصبح أكثر تعقيداً، تعقيد يجعلنا بحاجة إلى علومٍ واسعة للتصدي للمشكلات التي نفعلها نحن بني الإنسان جيلاً بعد جيل.
المستوى الثاني:
حسناً هُنا سأقفز إلى المستوى الشائع والعام في عُمان، والعلاقات بين الرجل والمرأة في عُمان ــ عدا الاستثناءات ــ تأخذ سيرَها الإسلامي المُعتاد في هذه البقعة الأباضية العَتيدة. وحسبما أرى فإنَّ العلاقة بين الرجل والمرأة [حسبَ ما يطرحه الغرب في إعلامِه] تأخذُ عدَّة مراحل، تبدأ عادةً بالانجذاب الجسدي ثمَّ التعارف والتأكد من تواؤم الطرفين، ومرحلة المُوالمَة في حال اتجهت العلاقة إلى أن تكون جادَّة ومن ثمَّ تفعيل العلاقة جنسياً، وأخيرا تنتهي بالمُساكنة.
هُنا في عُمان لا نأخذ الأمر بهذه التجزئة ونظراً لعدم إمكانية ممارسة الجنس قبل مرحلة المُساكنة [1] فإننا في عُمان نفعلُ الزواجَ كلَّه دفعةً واحدة، وما عدا نماذج اجتماعية مثل [الخطوبة لدى اللواتيا ــ فكرة الخطبة في الباطنة] فإنَّ الفاصل بين تفعيل العلاقة دينياً [عقد القران] وتفعيل العلاقة جسديا[ الزفَّة] لا يكون طويلاً في العادة، وتخرجُ بعض النماذج هُنا وهُناك التي تفعل الزواج[2] بطريقة مختلفة إلا أنَّ الأصل في عُمان واحد، الزواج هو بداياتٌ كثيرة لأشياء متشابكة ومختلفة، فهو قبلَ أن يكونَ لقاءً كلاسيكيا بين رجل وامرأة، هو أيضا مرحلة جديدة يخرجُ وينسلخُ فيها الإنسان من جلودِه السابقة إلى جلدٍ جَديد.
&&&
قد يقولُ قائلٌ: إنني أستغرب منك يا معاوية، كلَّ يوم وفي الآونة الأخيرة بالذات صرت تطلع علينا بقضية النساء والمرأة والزواج، والمجتمع كما نراه يعيش حياتَه بالطول والعرض وأنت تحاول إقناعَنا أن هناك مشكلة بينما نحن بخير؟
حسناً سأحترم من يقول هذا الكلام وسأقول له بسرور: إنَّ الوضعَ الجديد اختلفَ من جهةِ الرجل اختلافاً جذرياً. في الثمانينات والتسعينات كان من ممكنِ الرجل اجتماعياً أن يكون له الخيرة من أمرِه، أي أن يحدد أن نمط حياة سوف يمشي عليه في زواجِه، والمرأة العالقة في شباك البيئة الذكورية ونقص التعليم والتثقيف لم يكن لها الخيار، كان عليها أن تقبلَ وأن تذعنَ لسوق الزواج.
الرجال الموجودون آنذاك كانوا موظفين ــ معظمهم في الدولة ــ وكانت الخيارات التي تحقق الاستقرار العُماني [البيت الزوجة السيارة] موجودة بسهولة بالغة.
إنَّ الزواجَ القديم ــ كما نراه الآن في الأربعينيين ــ كان يعتمدُ على الرجل اعتماداً كلياً، فهو رجل البيت وجالب الطعام، وحتى مع وجود نماذج شراكة قائمة في المجتمع فإنَّهم لا يرعوون أن يرفعوا تهديداتٍ أو ينفذوا تهديداتِهم بالزواج من أخرى الأمر الذي يعتبر [لجوءا إلى خيار آخر]، المسألة في تعدد الخيارات واختلافِها واضطرار النساء آنذاك إلى تقبِّل الرجال كما هم. لذلك ترى آلاف العُمانيين سنوياً في الطريق إلى تايلاند فُرادى، والزوجات وحتى العاملات منهن يقرن في بيوتهن منتظرات الزوج كي يعود من علاجه الوهمي في حاناتِ بتايا.
تعدد الشخصيات العُمانية:
يأخذني هذا إلى فكرةٍ كان من المفترض أن أكتبَ عنها من قبل؛ فكرة ستمنعني فوضاي في الكتابة وعدم ترتيب النصوص بطريقة علمية فضلا عن نقص خبرتي؛ في نهاية المَطاف أنا واحد لديه شهادة الثانوية العامَّ ويدوِّن بإفراط، ولكن بعيداً عن هذه الذاتية التي قفزت فجأة يمكنني أن أقول أننا في عُمان أساتذة كِبار في تعدد الشخصيات، وليس من المنطقي أبداً أن يمارس المرء حقيقتَه، يفعلُ حقيقتَه كما يقول حسين العبري مع الجَميع.
فعلُ الحقيقة يعني ببساطة الدخول في دوَّامة مرعبة من التنميط والمجابهة الاجتماعية وهذه المجابهات أقوى من قدرة أي إنسانٍ على الاحتمال، وربما لشخصية السلطان قابوس الرائعة والمتعددة دورٌ في تشكيل الجيل الجديد بهذه الطريقة إلا أن هذا مبحث صعب الخوض فيه لأنني لا أريد أن أبلي نفسي وأقولُ كلاماً قد يمسُّ جلالته بسوء ولذلك لن أدخل من هذا الباب.
الباب الذي سأدخلُ منه هو أنَّ الوضع الاقتصادي الجديد قد بدأ بفرضِ حزمة أقل من الخيارات أمام البنات والشباب، فبينما الفرص من أجل تعليم وحياة كريمة مستقلة ووظيفة مستحقة للبنات قليلة سلفاً، فإنَّ التنافسَ الهائل وقيام الدولة بالتفريق المجحف بين الذكر والأنثى جعلَ من البنت المثالية القادرة على دخول المجتمع من باب [المرأة العاملة] ودخلت أو لم تدخل فإنَّ هذا لا يمنعُ أن يكونَ الرجل الأقوى في المُعادلة، فالخيارات مفتوحةٌ أمامَه من قبل وإن كانت تضيق في الوقتِ الحاليِّ فإنَّ أيضا المعروض في سوق البنات قد بدأ بحلِّ مشكلتِه الجنسية على الأقل مما أوقع ما يسميه المجتمع بــ[الشريفات] في أزمةٍ أخرى. فالفتاة حتى وإن أرادت فرضَ شروطِها فهي لا تستطيع تقديم ما تقدِّمه [غير الشريفة] وفق تعريف المجتمع.
ويمكنني أن أقول أن هذا يفسِّر مشاهدات مثل:
الباحثات عن زوج: وهو عدد غير قليل من الفتيات اللواتي اعتقدنَ أن وعودَ الأب والأخِ [حرَّاس بكارتها] سوف تثمر عن زواجٍ قريب، لتجد أن السنين تمرَّ وأن الأخ يتزوَّج والأب يتزوَّج بأخرى وهي عالقةٌ في المنزلِ ترى أخاها الأصغرَ يدرسَ ربما على حسابِ أختِها الكبرى المتزوجة من ابن عمهما الذي يقضي إجازة الصيف في مصر مع زملائه.
الباحثات عن مال: وهي مجموعة تكبر من البنات العُمانيات اللواتي أصبحنَ موجودات بشدَّة في سوق المرغدة، وربما كثيرات قد أصبحن ناشطات جنسياً أو وجدن أن قيمتهن الحقيقية [العذرية] قد اختفت مما يجعلُ خوضهن في مائة علاقة أو عشر علاقات أمراً من قبيل العادة والتعوُّد وربما تعبيرا عن يأسهن من هذا المجتمع الذي يسحقُ المستسلمات لنداء أجسادهن سحقاً [حتى لو كان الإسلام يقول مائة جلدة].
من أجل هذا وذاك: الآن يمكنك أن ترى عددا من العُمانيات في عرضٍ دائمٍ هلعٍ للزواج، جاهزاتٍ ومستعدات لتقديم مختلف التنازلات أمامِ وعدٍ من ذكرٍ مُلائم أن يسترَ عليها في نهايةِ اليوم المظلم.
وتتباينُ الحالاتُ هُنا، يمكنك أن ترى الطبيبة التي تقترنُ بفردٍ في الجيش [مع أنَّ المجتمعَ هذا يستغرب هذه الزيجة ولكن أليس دائما ثمة شيء وراء الأكمة؟؟] وترى مجموعةً من الموظفات يصرفنَ على شابٍ يصغرهن ليتعلمَ ويعملَ ويخطفهن، الفكرة تكمنُ أنها مستمسكة بالحلمِ القديمِ ولا تُريدُ تغييرَه، تُريد الزواج كما يفهم المجتمع، وكما يفهم الناس، يجب أن يكونَ زواجا كاملا متكاملاً وإلَّا فإنَّ على جَميع الأطراف الصبر، الصبر حتى لو طرقت الثلاثين الباب وأصبحت الفتاة عانساً، حينئذ لا مانعَ أن تكون زوجةً ثانية لموظف عسكري يبلغ الأربعين، الفكرةُ هي تحقيق الحلم المُتكامل.
أوه ! يبدو لي أنني خرجتُ عن الفكرة التي كنت أتحدث فيه:
تعدد الشخصيات العُماني، إلى كيلٍ إضافي عن المرأة العُمانية التي أنا ساخط عليها كلَّ السخط بسبب تغلويجتها واستمرارِها في اجترار الحزن والشقاء دون أن تتحرَّك بشكلٍ فاعل لتقفَ في وجه سجَّانيها بلا مبرر.
إنَّني أمشي الآن في حقلِ ألغام صعب للغاية، حقل ليس من السهل المشي فيه والكتابة عنه ليست نزهة من نزهات بعد العَشاء. الشخصية العُمانية أكثر تعقيداً مما يتوقَّع المرء، والبشر الذين يستطيعون بنجاحٍ بالغ العيش في الوضع الحالي وتمرير الهفوات التي تُمارس عليهم من قبل كلِّ الطغاة المجازيين الذين حولَهم، وفوقَ ذلك لا يرعوون أن يكونوا هم أسلحة للتبرير ولمجابهة النقد ويتعاملون مع أن نموذج اجتماعي أو فكري جديد بحذر بالغ متكئين على شعورٍ خاوٍ بالأملِ أنَّ كلَّ شيء سيكون بخير وأنَّ [فئة ما ــ أحدا ما ــ قوة ما ــ فكرة ما] سوف تتدخل إن ساء الوضع. فلم نعش نحن ــ الجيل الجديد ــ عصر الجوع والفاقة وموت المئات أو الآلاف من الناس ولعلَّ بعضنا ينطح الخامسة والثلاثين الآن وهو لم يرَ جثَّة غير تلك الممزقة بسبب حادث في الشارع، ولم يعرف عن الموت سوى فقدانِه لأخيه الذي توفي بفقر الدم المنجلي أو بسرطان الكبد.
استطعنا وبذكاءٍ بالغٍ أن نوقف الدائرة على عقولِنا وأن نمارس هذا الفصام الاجتماعي الكَبير واصلين إلى الترداد الأزلي للمشيئة والفكرة، فالفكرة تبرر المشيئة والمشيئة تبرر الفكرة وهلمَّ جرَّا، نفعل ذلك وكأنَّه شيء طبيعي للغاية.
وإن كنت أحاول استخدامَ هذا الفهم الذي أحد تجلياتِه فقط الفصام في علاقة الرجل بالمرأة في عُمان، فإنني سأفترض أنَّ باقي النسيج [قول ما استعارة غاوية هذي[3]] الذي عليه أن يكونَ أبيضَ وواضح وخالٍ من الثقوب سوف يكتملُ مع الوقت إن أتاح العُمر وأخذت الكتابة بشكل أكثر جدية ومسؤولية. عموماً ليس هذا الموضوع ..
&&&
تعدد الشخصيات:
لا شيء أسهلَ في عُمان من أن تكون لك مجموعة هائلة من الأقنعة، وإن حاولَ البعض تبرير ذلك بأنَّ [كل العالم كده] فسوف أقول له [ليس كما يحدث في عُمان. هُنا نستطيع وببراعة منقطعة النظير أن نكونَ مختلفينَ للغاية وأن يكون اختلافَنا اختلافاً جذرياً فادحاً، ففي عُمان يمكنك أن تجد العسكري الموظف الكبير في جهة مهمة للغاية وشيخ القبيلة وربما حتى التاجر الكَبير صاحب الأموال خنيثا يلاحق الصغيرين في آخر الليل، وهو صباحاً صاحبُ الأمر والنهي في شركةٍ كَبيرة[4]. على مستوى الكبار والصغار وكل أطياف المجتمع.
في عُمان يمكنك أن تجدَ مثلا الرجل المثقفَ الرائع الذكي الطموح المتعلِّم الذي يحكي الجَميعُ عنه لتعودَ إلى بيتِه ليكونَ الخليلي في تُقاه، وعندما يخرج من بيتِه إلى الحانة تراه أبو نواس في فجورِه. كل هذه التعددات التي يوقع تداخل دوائرها الاجتماعية صاحبَها في ورطة كَبيرة موجودة وقائمة في عُمان. ويمكنني أن أضرب أمثلة حتى غداً صباحاً على ذلك، نحن في عُمان نشرب الخمر ولكن أمهاتنا لا يعرفن ذلك، ونضاجع النساء ويعرف إخواننا الذكور ذلك ولا تعرف النساء، وإخواننا الصغار لا يعرفون أننا نشرب الخمرَ ولكنهم يعرفون أننا [نتعرف هاتفياً] على النساء أما الأخوات فنقول لهنَّ، إن كنَّ متزوجات فقط، أننا نعرف بنت [كمشروع زواج] ونقول للأمِّ أننا نعرفها من العَمل والكلية وهلمَّ جرَّا.
الأمر يشبه القاعدة الاستخباراتية [المعرفة قدر الحاجة] هُنا في عُمان المعرف قدر ما يكفيك لكي لا تحكمَ عليَّ، أنا أحاولُ أن أتملصَ من قيامِك بالحكم عليَّ وعلى سلوكي بإخفاء معظمي عنكَ لأنني في نهاية المَطاف أدرك أنَّك حتى لو كنت تفعل الشيء نفسَه فإنَّ عليك لعنَه ومُحاربة الداعين إليه أو حتى من يسمحون لأنفسهم بالحديث عنه. كذلك الزوجات النائمات في البيوت عندما يشتبهن في خيانةِ أزواجهن لهن جنسياً مع عاهرةٍ عابرة، [5] يستكنَ وما دام الأمر [غير مثار] والغبار موجود على الأرض لم يتسخ به أحد فلا يوجد داع للحديث، سيصمتنَ لأن الخيارات محدودة جداً، والخيارات هذه التي تحتاج إلى دراسة من أحدهم [ولا يبدو أحدهم سوف يفعلها] كذلكَ نحن نفعلُ ويبدو أن انقساما معلوماتياً هائلا يحيط بالمرأة ويجعلُ من قدرتِها على دراسة خُطاها [نعم نعم أعرف أعرف، أعرف استعارة ميِّتة] وحساب ما ستفعله بحياتِها دراسةً غير دقيقة، فإن كنَّ النساء حتى هذه اللحظة يجهلنَ أبسطَ الأشياء عن الذكور هُنا في هذه البلاد، ولأكون أكثر تحديدا النساء يجهلنَ ما نفعله نحن، ونحن لا نريد الخوض في حيواتِهن لأنَّها مملة ومغلقة، ونوهمَ أنفسَنا أننا سنشكِّل البنات بعد الزواج منهن لأنَّ [حكمة المجتمع] تقتضي ذلك. ذلك الذي يبدو لي سيفرزُ المصيبة الكَبيرة التي نتجه إليه بخطى واثقة، المصيبة التي ينتظرُ الجَميع أن تقرصه في يده أو تخطفَ منه ابناً أو ابنتين اثنتين كي يتحركَ بعدما يقع فأسُه في رأسه حينَها سوف يهلع كعادتِه ويعود إلى غرفتِه أو مسجدِه أو خمرِه بعدما فشل وعيه في مواجه هذه المشيئة الاجتماعية المُحزنة، حينَها سيفعل العُماني الأمر المُعتاد سوف يسلّم بالأمر ويقضي العمرَ عيشاً في شيء من الانهزام الذي يثير الغيظ والحزن. فإما يقضيه في تجارة ولهوٍ أو في تطوِّعٍ وعبادة أو يقضي الليل في لعب الورقة والنهار في القهوةِ مع الأصدقاء، سيجد وسيلة يقتل بها العمر دون مشروعٍ أو فكرة يخدمها.
&&&
ضعتُ كالعادة وأضعتكم معي في هذا السرد ربما أنني ارتطمتُ بعد آخر مقَالين لي برؤى النساء الموجودات في المجتمع، البنات والشباب على حدِّ السواء الذين كانا في حالة [قلق] تجاه المكتوب. ومع وجود اتفاق ضمني يمكنني أن أقول عنه [مُرضٍ] إلا أنَّ تجليا للفصامِ بين الفريقين جعَلني في حالةٍ من حالات الاختناق.
لا يبدو أن البنات يعرفنَ ما نفعلُ أو أنِّ أشياء وسلوكيات نمارسُها [شائعة] بطريقة جعلتنا نتجاوزُها منذ فترة من الزمن، البنات اللواتي كما يبدو يستقين معلوماتهن من الأمهات اللواتي كما يبدو يستقين معلوماتهن من الأربعينيين الذين هم الممارسين الحقيقيين للفصام الاجتماعي لعُمان الجديدة بين من ربَّوهم الشياب وبين من ربَّوهم أبناء فورة النفط.
الفهمُ السيء:
يخرجُ الأمر ــ في رأيي ــ من كونه سوء فهم إلى فهمٍ سيء للغاية، فهمٍ يجب محاربته والتصدي له بمختلف الأشكال حتى لو بإنارة شمعة صغيرة جدَّا وانتظارٍ ممضي أن تضيء ظلاماً صغيراً، يخرجُ إلى أن يصبح تغريرا مقصوداً وكذباً صراحاً على البشر وحشرٍ لهم [بخياراتهم ورغباتهم] في زاوية معلوماتية بسيطة جداً، إننا نشعرُ أنَّ ما نفعله مع أمهاتِنا طبيعي، لا نريد أن نقول لهنَّ أن لنا [خليلة] منذ أربع سنوات، أو أن نقول لأخواتِنا [اللواتي ينظرن للذكر ربما من خلالِنا] أننا [كلاب] وأنذال ونكذب على المرأة لكي نضاجعها، وأننا نحترف مشاهدة الأفلام الإباحية وأن الكلمات التي يعتبرنَها [بذاءة] هي من الأنساق اللغوية المتعارف عليها بيننا، الأنساق اللغوية التي تكمن وراءها أنساق سلوكية وذهنية أوووووه تذكرت شيئا عن هذه الفكرة.
تضارب الأنساق:
لدينا أفكار وسلوك، حسنا معي أنتم؟ الأفكار تؤدي إلى سلوك والسلوك اختبارُ هذه الأفكار واقعاً يعني إلى حدٍ ما تحوِّلها من مشيئة إلى فعل ودعوا عنكم كلامَ الفلاسفة.
السلوك والأفكار متداخلان بطريقة تجعلني أقف حولَهما وأكتفي بتشبيههما بدائرة لا منتهية، ثمانية نائمة، أما اللغة فهي كما يبدو التعبير النهائي لتفاعلهما، يبدو لي الأمر كذلك.
لا يهمني من هذا الكلام البحث عن فكرة فلسفية، وإنما تطبيقه في واقعنا العُماني، تطبيقه بحيث نقول أنَّ الرجلَ أقام حاجزاً حولَ نفسه، حاجز سلوكي وفكري لا تدركه المرأة جيداً، ولذلك يتجلى هذا الحاجز في الأنساق اللغوية المستخدمة من قبل الرجل والمرأة، وقد يمكن لناقد أن يتقصى هذه الفكرة في نصوص المثقفات العُمانيات، أو المثقفين العُمانيين ولكنهم ليسوا بالضرورة الممثلين الحقيقيين لهذا المجتمع، المجتمع هو نحن الناس العاديون الذين يعيشون ويستلفون من البنك ويعودون تائقين إلى بلادٍ جديدةٍ تُراعي حاجاتِهم غير مكتفين بالاستلام والتذمر.
لا يبدو أن الفتيات يفهمنَ الذي يدور، أو ربما يفهمنَه جيدا ويردن إقناعنا أنَّهن [لسنَ كما نتوقع]، لست أدري إلى أي فهمٍ سأذهب فالأمران محتملان حسب الفتاة وتعليمِها وثقافتها وتجربتِها. ما يحدث أن هذه الممارسة موجودة بشكلٍ كَبير من قبل المُجتمع، استخدام نسق لغوي مختلف لا حرصاً على مشاعر الأطفال وعدم تعريضهم إلى صدمات تخدش طفولتهم وإنما إخفاء للحقائق المحتومة التي سيعرفونَها ذاتَ يوم.
البنات لا يعرفن لغتنا، وبالتالي لا يعرفن سلوكَنا. مثلا لا يعرفنَ أننا عندما نعرف إحداهن [ننشح] بها الدنيا ولا نبقي صديقاً لنا إلا وأخبرناه، ولا يعرفنَ مثلا أننا نعرف معلومات عن الحارة التي نعيش بها تكفي لهدم عشر أسر وقتل عشر فتيات من قبل آباء سُكارى لا يدركون أن بناتهم يضاجعن سائق التنكر، ونعرفُ أنَّ [سين ــ صاد ــ باء ــ تاء ــ خــ] كنَّ خليلاتٍ لأصدقاء تزوجوا بعضهن لاحقاً أو تزوجنَ آخرين [خُدِعوا بهنَّ] وبالدماء التي سالت منهن في اليومِ الموعود، هنَّ لا يعرفنَ لأنَّ أحدا لا يعرفُ لأنَّ ما نمارسُه في النهاية نمارسه بشكل لا أخلاقي، نمارسُ ما نمارسُه لأن القيم التي يفترض بعض الفلاسفة أن المجتمعات يجب أن تبنى عليها غير معروفة أصلا، قيما مثل الصدق أو الوضوح، لا نعرف أصلا أنَّ هذه [قيم] ولا ندرك المفردة أصلا سوى من القسم بالله أننا بالأمس لم نكن مع الخليلة، أو لم نشرب الخمرَ مع الشلَّة.
بصدق يا أصدقاء أصابُ بالخرسِ أمام هذا الغياب لأبسط البديهيات، غياب أبسط مفردات الحوار وفهمِ الآخر. الغياب الذي إن بحشَ المرء سيجدُ أسبابَه الكُبرى ربما، ولكنَّ إن بقيَ هُنا عليه أن يفعلَ شيئا، عليه ما دامَ عالقاً هُنا ويريد على الأقل أن يفعلَ شيئا من أجل هذه البلاد ــ بلادِنا ــ التي لم تعد ولن تعودَ كما كانت. لدينا ألفُ مشكلة اجتماعية، والعيون الحمقاء تترقبُ ببلاهة نهاية عصر السلطان قابوس ــ الذي أسأل الله أن يمدَّ في عمرِه ــ وتدرسُ القوى الموجودة [بني عمر ــ وبني أم الصروم ـ والشيعة والسنة والبلوش ــ وأية لعنة طائفة أو جهوية أو قبلية، بينما يغرق الشباب في هذا المجتمع في مآسٍ نسوا هم ــ في خضمِّ شعورِهم بالظفر والنصر ــ أنَّهم سيدفعون الثمن باهضاً، ثمن هذه الأخطاء التي في نهاية المَطاف لن يدفعها غير العُمانيين غير أبنائهم الذين نسوهم تماماً وهم يرضعون سنواتٍ طويلة من ثديِّ الدولة التي لم تعد ضعيفة كي يتركوا ثديها لينفجر فيها، والتي اختارت منهم من تحمي به نفسها جيدا.
&&&
الفكرة مفزعة جداً من هذه الزاوية، عندما تتحولُ إلى [لجلٍ] يمكن مشاهدته من جانبِه المخروم أو من جانبه المتعفِّن، أو من جانبِه الذي يفيض بالدود. ونعم هي استعارات قَديمة، واستعاراتٌ لا تختلف عن استعاراتٍ أخرى، وهي لا تزال في هذا الإطار البسيط من النور والظلام، ولكنَّ هذه القلوب بما تحملُه من الحبِّ عاجزة عن التفكير، هي تُريد وترغبُ في أن ترى كلَّ شيء بخير حتى لو كان ذلك بسلوكِ ما سلكَ من قبل وبالصراخ العلني المتفجِّع دون فائدة تذكر على ما يبدو.
لسنا صادقين مع أنفسنا أصلا ولا مع غيرِنا، والتجربة الطفلةُ التي تخلقها هذه البلاد بدأبٍ تتحول إلى شيء جديد لا أحد يعرفُ أين سينتهي، نجلس في عُمان على قمَّة بركان، ننادي بقضايا كَبيرة للغاية بينما هذا المجتمع المشحون دينيا وقبليا ومذهبا وفكريا وجنسيا وعلميا وشبابيا يفكِّر بشكل آخر تماماً.
بركانٍ هائل الحجم لا نعرفُ متى سيتعرض إلى صدمة قد تكشف قوَّته إلى أو إلى أزمة قد تكشف هشاشته كلُّ شيء راكدٌ تحت هذا السكون المرعب راكد الذي يدوِّدُ ويقيحُ ويزداد سوءاً، وفوق كل ذلك يزايد المزايدون على أشياء أخرى، أشياء تعتبر ترفاً هائلا أمامَ هذا التأزُّم الكَبير، هل ستقولون مجنون؟؟ حسنا سوف أذاكركم بعد سنوات.
[1] - آمل أن يلاحظ القارئ الكريم أنني لا أدعو هنا للجنس قبل الزواج، وإنما للجنس قبل المُساكنة، أن يشرع الأزواج في علاقتهم قبل الوصول إلى مستوى المُساكنة كنوع من تخفيف ضغوطات الزواج في العصر الحالي بسبب الوضع الاقتصادي المختلف.
[2] - فعل كذا: من الأنساق اللغوية للروائي حسين العبري.
[3] - ضمن مشاغبات صداقة مع يوسف آل عامر جعل الله بيتَه عامرا بالإيمان.
[4] - المثال عشوائ جداً .. وإن شابَه الواقع فهذا من باب الصدفة ..
[5] - الرائعة بسمة مبارك سعيد كتبت مقالا اسمه [لا عزاء لخائنة] يتناول فكرة سماح المرأة لنفسها أن تخون بنات جنسها.
المصدر : مدونة معاوية الرواحي
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions