أنين عُماني جداً بدأ يصاب باليأس - جديد معاوية الرواحي

    • أنين عُماني جداً بدأ يصاب باليأس - جديد معاوية الرواحي


      تأملات في حال عُمان الحالية وعُمان الجديدة ..

      ماذا سيحدث لنا بعد السلطان قابوس؟؟؟؟؟؟؟





      اليد الضاربة بدأت تمدُّ نفسَها قليلاً ولا يفسِّر ذلك إلا الاستجابة للمطالب الشعبية القوية التي بدأت تطفو للسطح مؤخراً. المطالب التي أصبحت حديث المجالس والتي فتحت المجال لسوق الإشاعات الكَبير كي يعمل عملَه في هذا المجتمع الذي خلق هلوعا.


      كلُّ عُمان تقريباً تتداولُ قصةَ المليون ريال الذي سُرقَ من بلدية مسقط، ركِّزوا مَعي، هم يتداولون [قصة مليون ريال سُرقَ] ولا يتناولون [قصة موظَّفٍ سرقَ مليون ريال] والفارق فادحٌ في الحالتين. والحكاية أن أجهزة الأمن كشفت أحدهم يسرق من الحكومة وبلغت قيمة المسروق مليون ريال عُماني !!


      يقولون لنا في الجرائد أن الأجهزة الأمنية هي التي انتبهت إلى هذا السارق، حسناً نريد أن نعرفَ أية أجهزة أمنية !! أعني القسم الخاص في الشرطة أليس جهازاً أمنياً؟ والمكتب السلطاني وجهاز الأمن الداخلي جهازا أمن، فأيُّ الأجهزة التي اكتشفت هذا السارق؟


      &&&





      الطوفان الهائل من المؤمنين بوجود الفساد لديهم استعداد هائل لمحاربته، أعني لا يمكنني أن أرجعَ ذلك إلا إلى ما يمكن تسميته [بالطبيعة العُمانية الطيِّبة] هذه الطبيعة التي سمحت لأحدهم باستغلالِها بشكل فاحشٍ وتمرير تقارير سنوية لعدد من الموظفين دون أن ينتبهَ أحدهم إلى خطأ ماليٍّ فاحشٍ للغاية، وثمَّة لوم هائل من قبل نساء ورجال الشارع للحكومة التي لم تفعل الكثير لكي تحارب الفساد والمفسدين، ربما لأن من الشعب كثيرين غاصوا فيه حتى النخاع فلم يعد يمكن التمييز بين الخبيث والطيِّب.


      أعتقد أن الفساد الحقيقي يكمنُ في السياسات وعدم قدرة الدولة على حماية المواطنين من السماسرة وتجار العقار، والفساد الحقيقي يكمنُ في التلاعب بأساسيات العيش في عُمان، أسعار الغذاء وأسعار الحديد والإسمنت وأسعار الخدمات الصحية، وكذلك يكمن في الرضى بأن تتحول عُمان خلال السنوات القادمة إلى دولة قبلية عنصرية لكي يتحوَّل إنجاز دولة قابوس ويعود إلى النقطة التي بدأ منها، الدولة المؤججة المتهيِّجة والمستعدة للعودة إلى المذاهب والقبائل والتحالفات فيما بينهما.


      نحن كمواطنين عُمانيين نرى ما يحدث ونشعر بالأسى والغيظ من المجتمع الساكن من جهة والراضي بهذا الموت الذي يحيق به واللعب الذي يحدث بمصير ومصير أبنائه وتبريره الدائم لهذه الحكومة وأخطائها دون أن يطالبَ بشيء على الإطلاق، دونَ أن يتحركَ من أجل نفسِه أو حريته أو رغبته على الأقل في معرفة الحقائق، نحن نرى تَماماً ما يفعله الكبار في الدولة ونعرف عبر شبكات اجتماعية صغيرة جدا [كحال البلد] ماذا يفعل الكبار في اتحاداتهم ولم يزوجون بناتهم ومن الذي يشكلون الفريق المثالي الذي يخدمُ النظام القائم، نرى كلَّ ذلك ولكنَّ احتمالَ التغيير والإصلاح ضئيل أمام الواجب الاجتماعي الكبير بالتصدي للأنساق الذهنية الموجودة في هذا المجتمع، الأنساق المميتة والسكونية والهامدة والراكدة والتي يمارسُ المتأثرون بها أبشع السلوكيات في الدفاع عنها مدافعين عن موتِهم وعن أجسادهم المثخنة في هذا الدوران المريض، والبالوعة المتعفنة التي بدأت تنزُّ وتفضي بمكنونات قلبِها على هيئة مرتشين وفاسدين ولصوص وجموع هائلة لغوياً تنتظر الفتك بأحدهم، ولعلها مفارقة أن يسلك العُمانيون الحديث النبوي معكوساً، أن يبدأ التغيير بقلوبِهم ومن ثم بلسانِهم وربما بعد سنوات طويلة سوف يطلبون التغيير بأيديهم، إنَّهم في عُمان يقرنون بين قابوس والبلاد، ويقولون لنا أننا سنضيع بعد قابوس ويحاولون أن يقنعونا أنا السلطان ما دام موجودا فنحن بخير وها هي كل المشاهدات تقول لنا أن قابوس موجود ولكننا لسنا بخير، وأنَّ الخير موجود ولكننا لسنا بخير، وأنَّنا نسينا أن الفساد موجود من يوم أن خلقت الدنيا ولا يوجد ملائكة في الحكومة ولكننا نعتقدُ أن المال موجود ولكنه مسروق، دون أن ندري ربما أنَّ الدولة التي وضعت نفسها في وعودٍ هائل بدأت تتجاوز عن بعضِها، وبدأت تقبلُ بإخلال موازين العدالة وبين أن تكون قد أرضت الجَميع في سنوات القحط فها هي الآن في عصر الفورة النفطية تفشلُ في السيطرة على أبسط حاجات الآلاف من المواطنين، وأضحت ترفع لنا شعارات بلهاء، شعارات بلهاء بعدما ارتضينا أن كون مواطنين غير مؤثرين وبلا قيمة مدنية حقيقية لسنوات طويلة فوجئنا بالدولة وقوشتِها يرفعون هذه الشعارات في وجوهِنا ويقولون لنا: حسنا لا بأس تريدون أن نرضيكم، ها هي عمارة نقشعها في الشارع العام هل يكفيكم ذلك؟ ها هو وزير نقيله من منصبه هل يكفيكم ذلك؟ ويالحال هذا الشعب حتى قشع عمارة لم تكفِه لقد ارتفع السقف الذي يطالب به وأصبح اليوم يقسِّم الدولة إلى أمنيين، وإلى اقتصاديين وإلى دينيين وإلى غيرِهم، ولا ينجو أحدٌ من هذا التقسيم الجاهز والفادح والمجحف وغير المنطقي أو المنهجي أصلا، لا ينجو أحد لأنَّ الفكرة أن أحداً فوق هذه التجمعات، ومثلما نحن في المجتمع نتجمَّع ونبتكرُ شللاً فلم لا يفعل الكبار ذلك؟


      إننا نسقط تفكيرنا الاجتماعي على الدولة، والدولة تسقط تفكيرها الاجتماعي على المجتمع، وبين هذا الاحتدام وذاك يولد آلاف العُمانيين سنوياً، ويخرج آلاف العُمانيين من الدولة إلى مستقبل غير واضح وهم يكثرون عدَّا وعديداً. نعتقد أو نتوهم أن القدرة على السيطرة سوف تبقى كما هي عليه، وربما يفرحنا أن خدمات الأمن موجودة وتنتشرُ في عُمان بشكل مطِّرد وهذا الوهم المخدر يتموضع فوق قنبلة مؤقتة تتكتك ببطء شديد.
      &&&



      الفكرة ليست أن هذه الجموع الهائلة التي تتابع أخبار الفساد تهتمُّ بما يحدث، الوطن لا يمثِّل إلا نقطةً في رداء المصلحة الخاصَّة والفكرة العُمانية الخطرة هي التي تسود أن تسلم ناقتي فليس علي من رباعتي، أن أسلمَ أنا وأستطيع أن أفعل شيئا لنفسي ولأحفادي، وليست السعادة سوى جمعَ المال الكثير أياً كانت الطريقة.


      أعني لا يفرحكم هذا السخط العلني العارم من قبل من اعتدنا منهم الخوف من الجواني الوهمية، أو من قبل الناس الذين اكتشفوا بين ليلة وضحاها أن لهم [هم وطني مؤرق]، ليست المسألة أبداً كذلك كل ما في الأمر أنَّ التصرفات التي يقوم بها القائمون على الشؤون العامة العُمانية أصبحت اليوم تصل إلى بيوتِهم وتقرصهم في أيديهم وربما تركلهم في مؤخراتِهم. لذلك قرروا بين ليلةٍ وضحاها أن يكونوا حراباً مسمومة في صدر الفساد والمفسدين، حراباً هلعة مصابة ببارانويا ونظرية مؤامرة وتربية حقيقة إما لخطابات أهل الدين المؤدلج والمعمَّن والمسلطن، أو خطابات الأمَّة العربية التي ننتظر خبر موتِها، أو خطابات الماما أمريكا وهوليود التي انغرست في كلِّ بيتٍ عربيّ بفضل مليارات بلاد الحرمين وأمير آل سعود صاحب الرؤية التحررية. لا يفرحنك فعل هؤلاء وتعتقد أنّهم [استيقظوا] بعد أمَّةٍ، إنها صحوةُ من قرصته نملة صغيرة يغمغم وهو نصف نائمٍ بكلام غير مفهوم ثمَّ سيعود إلى نومِه إن ذهب النمل إلى مكانٍ آخر.


      تأجيل السؤال المحتوم:


      إنَّ عُمان اليوم لا تعيش أبهى عصورِها ولا أجمل زينتِها، الوضع المَعيشي متأثر للغاية منذ أن عصفت موجة الغلاء بالبشر قبل أربع سنوات، والأسعار التي كانت في حدود المعقول أصبحت اليوم تعد بمشكلات اجتماعية عديدة وخلل في البنى التي تكوِّن المجتمع، وأصبح الحلم العُماني مهدداً في أبسط مكوِّناتِها، الحلم الذي اعتقدَ الجميع أن الحكومة سوف تضطلع بتحقيقه لكافة المواطنين وها هي اليوم تفشلُ إلا في تقريب [خياراتِها] من الذين رضوا وارتضوا ما يحدث وصمتوا مضطرين أو مجبرين أو راغبين على ما يحدث.


      عُمان لا تعيش أبهى عصورِها ولا أجمل زينتها لأن السؤال الحقيقي مؤجل وهو [ماذا سيحدث لنا بعد وفاة السلطان قابوس؟] ومن الذي سوف يحلُّ محلَّه وماذا سيحدثُ لنا به؟ كل هذه الأسئلة والتكهنات تدور خالقة حالة من الهلع، الهلع لدى الصغير والكَبير والبعيد من الحكومة والقريب منها وربما القريب من السلطان والبعيد عنه، لا يريد أحدهم أن يقتربَ من هذه المنطقة الحسَّاسة للغاية، ولا يريد أحدهم أن يشوِّه لفظة [العهد الزاهر] لأنَّ مشيئة محددي الوطنية تقتضي ألا يلمسَ أحدهم هذه اللوحة إلا بالخير والمديح، ومع إيماني أنها تستحق الكثير منه، إلا أن ضربات الريشة الأخيرة قد لا تكون كما شئنا وكما يشاء الكثيرون منا من المواطنين، ليست كما نتوقَّع وليست كما نريد في ظلِّ غيابٍ فادح للوطن في القلوب وبقاءٍ للشخصانية والفردانية والرغبة في الفلات منفردين من الجحيم وكأننا في مصيدة من مصائد الفئران وجبنة واحدة تمنح الطريق للخلاص.
      &&&



      أتخيل لو كان الجيل القادم بعدنا إنسانا وماذا كان سيفعل سيرى هذا الاحتدام ويضحكُ كثيراً. يقرأ مقالات كتاب الجرائد ولا يفهم منها شيئا فهي لا تعنيه ولا تخاطبه ولا تمثله، ويسمع كلام وزير الإعلام في الجرائد وكلام والديه ولا يفهم لماذا يقولان ذلك !!


      إنَّه متمترسٌ وراء ثقافة عالمية عاليةِ الجودة قوية التأثير قريبة من رغبات الإنسان العادي ولا سيما الشاب، وواضحة في تسربها وفي انتشارِها ولا يمكن إيقافها لأنها موجودة في كلِّ مكان.


      ووراءه عدد هائل من الذين يتدخلون في تربيتِه، فلا البيت يمكنه أن يفعلَ شيئا له ولا والده الذي يطلب الرزقَ بعدما تورطَ به وجلبه للحياة، ولا المدرسة التي وضعته مع أربعين طالبٍ آخر وأستاذٍ منهك لا يستطيع متابع الحياة بسبب ضغط الحصص مع نظام تعليمي يتغير بين الليلة وضحاها.


      إنَّنا نحن الذين نصغر عن الثلاثين أقلَّ شراً وخطراً وفداحةً وشراسةً من هؤلاء القادمين بعدَنا، وإننا لنعتقد ــ واهمين ــ أن الشرارة ستنطلق من أيدينا، وأننا بحكم عدم استطاعتنا أن نجعل الوضع والدولة تنتبه إلى مشاكلنا وقضايانا، نتوهمُ أن هذا سيحدث من أجلنا لاحقاً بعد سنواتٍ من المطالبة والسيطرة على الوظائف الحكومية وانتهاء الحرس القديم ذي العقليات النخرة بالموت أو بالتقاعد أو بالفصل من الوظيفة في حالات استثنائية بسيطة، إننا نحن الذين لم نصل الثلاثين نتوهم ذلك، نتوهمُ أنا أكبر خطر يمكن أن نشكله على الذين من حولِنا هي الألسنة الحداد التي نسلقُ بها من يقرص وجودَنا، ونحن الذين لم نصل الثلاثين بنا بقايا من الثقافة الاجتماعية القبلية العنصرية الدينية القائمة على عدم غرس أية مسؤولية اجتماعية في المرء واعتبار الطائفة والقبيلة والجهة والمذهب انتماءات رئيسية يقع الوطن في آخر قائمتها، نحن الذين نعتقد أننا سنغشرها لن نفعلَ شيئا أمام القادمين الآن من أرحام زوجاتِنا، الجيل المتكئ على ثقافة عالمية سائدة يربيه إعلامٌ موجَّه يحدد ويؤطر عقلَه ويجعلَه آلة وأداة في خدمة أفكار أكبر من رؤاه ومعتقداته، آلةً ستثقب وتخرق هذا الساتر الكثيف من السلام والذي يعيشه العُمانيون لكي يتحوَّلون إلى جَماعات متناحرة باللغة والسطوة ولعلهم يعودون إلى جَماعات متناحرةٍ بالسلاح والسيوف وسكاكين المطابخ.


      لن يعني هذا الولد الصغير أي شيء يحدث في عُمان، إنَّ الوضع الاجتماعي الجديد وتغير موازين القوى واختلال العيش سوف يفتح الباب للمصائب لتدخل عُمان من أوسع الأبواب، وإن لم تصدقوا ذلك الآن حسنا، سنتذاكر بعد خمس سنوات، وعندما يضطرون إلى الإعلان في الصحف عن [المركز العُماني لعلاج مدمني المخدرات الأقل عن عشرين سنة] فسوف نتذاكر.




      &&&



      لا أخفيكم إنني أفكِّر الآن في موضوع العريضة التعاقدية من جانبٍ آخر، وأقول ماذا لو؟


      لا زلت على قناعتي أنَّ شخصانية محمد اليحيائي وتمريرِه بعض المشاكل الذاتية هي التي أتلفت المشروع، وأنَّ إصرارَه على جعل الوثيقة وثيقته من جهة، وانشغاله من جانب آخر بقضايا شخصية بائدة هما السببان الرئيسيان في جعلِ هذه الوثيق موضع شك، منذ متى يثق العُمانيون بالقادمين من أمريكا؟


      كان على اليحيائي أن يتراجع من أجل هذه الوثيقة لكي تكون فعلا باسم عُمان، وباسم العُمانيين، طبعا أفكِّر بها كخيار. كخيار يعتبرُ أن العُمانيين جاهزون لاستقبال هذا الدور، وعندما أتذكر انتخابات مجلس الشورى أصاب بالرغبة في الانتحار وأقول [هي منتحسة من كلِّ جانبٍ].




      ماذا لو بعدَ هذه التنازلات المصيرية الهائلة في حقوقنا كمواطنين، التنازلات التي أجبرنا عليها لظروف تاريخية واقتصادية قد أصبحت الآن همَّا مؤرقاً، ماذا لو أدركنا بعد هذه السنوات أن الذين وثقنا فيهم لكي يفعلوا شيئا من أجل الوطن ومن أجل البلاد يورثون أولادَهم مناصبهم، ويتزوج كل منهم ويتزاوج كشيخ قبيلة بدويٍّ لا يزال يعيش في خيمة مع زوجاته الثلاث، يفعلون ذلك أمام أعيننا، هذا يعطي ابنه امتيازَ فندق، وذلك يهيئ ابنَه لوراثة منصبٍ أمنيِّ وذاك يجعل من الوزارة ميراثاً معلوماً. أعني نحن لا نملك أية قيمة في صناعة القرار في عُمان إلا بما يقرره السلطان، والسلطان له اختياراتُه من الذين يتولون الشؤون العامة، اختيارات في نهاية المطاف يتضح أن بعضها تحوَّلت بفعل المنظومة الذهنية القائمة إلى مُمَكِّناتٍ للولد وللقبيلة كي يكون له دورٌ في عُمان الجديدة، عُمان ما بعدَ قابوس. الإدراك والتلاحق والتسابق من أجل إنهاء الأجندات القائمة بدأ يظهر، يظهر على هيئة هلعٍ ومُباشرةٍ ووضوحٍ وبجاحة وفجاجةٍ حتى في بناء العَمارات على الشارع العام، فجاجة ووقاحة منقطعة النظير أن تقشع عِمارةٍ لكي تنقضَ لنا واحدة جديدة بجوارِها ويقولون لنا [نحن سنضرب على الفساد بيدٍ من حديد] وقاحة منقطعة النظير أنَّ الذي يدور في الأروقة المخملية أصبحَ حديث سخرية من قبل المجتمع الساخط، المجتمع الساكن الهامد الذي يكاد يعلن خبرَ وفاته، أصبح الموتى يسخرونَ من هذا التخبط، وأصبحوا يسخطون على الحال ويرفضونَ ما يحدث لهم بمقاتلة بعضهم البعض، وبالخوض في معارك تافهة عن القبيلة والمذهب ناسين أنَّ هذا الوطن مجهول المصير لا يعرفُ أحدٌ أينَ يذهب من بعدِه.


      &&&



      ستقولون لي: هل جننت؟ هل تعترض على مشيئة السلطان قابوس؟


      أقول: لن يعترض أحد على مشيئة السلطان قابوس، يكفينا جَميعا أن هذا الرجل هو الرمز المقنع الوحيد في عُمان، هو رمز الوحدة الوطني [الفعلي] وهو الفاعل الحقيقي الذي أقنعنا على الأقل أنَّها يفعل شيئا من أجلِ عُمان، صحيح مرَّة أخرى أقول لكم لا يوجد ملائكة في نظام الحكم، ولا يوجد ملائكة من الذين يجلبهم النظام الحاكم، وآل سعيد هؤلاء الذين ارتضيناهم حكاما منذ سنواتٍ طويلة للغاية والسلطان قابوس ثامن سلاطينهم ليسوا ملائكة، لن يمكن التغلب على هذا التاريخ الهائل من الأبوية والواحدية لجلالة السلطان قابوس ببساطة، وإنَّ الذين الآن يحفظون العرشَ انشغلوا كثيراً بغرس أبنائهم ليكون لهم دورٌ في النظام الجديد، في الدولة الجديدة دولةِ ما بعد قابوس، يفعلون ذلك جهاراً دون أن يكلِّف أحد نفسَه أن يحاول مداراة ذلك على الأقلِّ بالقليل من الحكمة.


      نحن كمواطنين أيضا لم نرعوِ ولم نستفد من الدرس، ولا زلنا في حالتِنا المتطلبة منذ الأزل، إنَّ الدولة الآن [تعايرنا] في الإعلام [وتسامعنا] بشكلٍّ فجِّ وممجوج بالحقوق التي منحنا إياها من الدولة، الإعلام العُماني بكل فجاجة وحتى هذه اللحظة والضالعون في هذا الخطاب من مقبلي الرؤوس لا يرعوون أن يقولوا ذلك على ملأ وعلى أمَّة من الناس، هم الذين يعتقدون أنَّهم يغرسون حبَّ قابوس في قلوب العباد يفعلون عكسَ ما يتمنون، نحن وغيرنا لم نرعوِ ولم نقرر أبداً أن يكون لنا موقف أخلاقي نمرره لأبنائنا، وإنما نصمتُ ونحاول جاهدين أن نحلَّ الأمور ــ بطريقتنا ــ والتي ما أن تفشلَ فإننا ننسحب من المشهد الاجتماعي إلى منازلنا التي بنيناها في عصر النهضة وسنرفع الأسوار وسننتظر مخلصاً جديداً.


      نحن الذين نعيش الآن عصر المطالبة بالتغيير [بألسنتنا] هل سنكون مختلفين عن الذين يحاولون تحرير فلسطين بألسنتهم منذ نصف قرن أو يزيد؟ هل سنختلف عنهم ؟؟
      &&&



      المؤشرات كما يلي، وها هو الوضع الجديد في عُمان:


      - سوف يتم استغلال الأرض الإستراتيجية العُمانية في مشاريع اقتصادية طويلة المدى تعود بالنفع على ميزانية الدولة، ولا مانع أن تدخل الإمارات صاحبة الصندوق السيادي المرعب كشريك استراتيجي في هذه المشاريع.


      - سيزيد عدد العُمانيين بحيث تكون الحكومة غير قادرة على توفير الخدمات الصحية والتعليم بشكل نوعي مما سيخلق انقساماً واضحا في الجودة، وسوف يكون الناجون من الموظفين في الشركات الكبيرة وموظفي المخابرات والأجهزة السيادية هم أصحاب القدرة على الوصول إلى خدمات جيدة، وحينها سيغرق الفقير في فقرِه وجهله، وسوف يهنأ الغني بعصوبة في حالِه إن استطاع حماية نفسه من السطو المسلح ومن سرقة السيارات.


      - عدد الشباب سيزداد ازديادا مهولاً، ولن تقوم الدولة بشغلهم باتحادات كرة أو بنشاطات أو برياضة أو بنداء قومي أو بتجنيد إجباري وإنما ستزيد من عدة وعتاد الشرطة والدفاع المدني، وكل ما ستقوم به هو حفظ النظام بالمعنى الحرفي للكلمة. وربما ستنجح كما نجحت مصر بعض الشيء، أو ربما ستفشل كما فشلت البحرين في بعض الحالات.


      - نظراً لاختلاط العالم الكبير، ونظراً لاختلاف الوضع عن السابق فإنَّ احتمالية هجرة العقول العُمانية إلى الخارج أصبحَ مطروحاً بشدَّة، وإنَّ بقاء المتردية والنطيحة [والقلة القادرين على الرحيل ولكنهم من المؤمنين بخدمة الدولة] في السلك الحكومي بعدما بدأت الشركات تمتصَّ أفضل الكفاءات سيخلق حالةَ ربكة أخرى في الموارد البشرية الحكومية مما يعني العودة للخلف وتراجع مشروع المجتمع وعلو صوت الفرد الناجي، ولا أستبعد أنَّ خللاً هائلا في العقول المكوِّنة للحكومة العُمانية سوف يؤدي إلى خيرٍ عَميم وإنما إلى انتشار السرقات والرشاوي والفساد.


      - سينتهي النفط وربما سندخل عصر المفاعل النووي السلمي وسوف تقسَّم الكهرباء بحصص صغيرة وغالية، وسينشط البحث عن المعادن والثروات الطبيعية، وسوف يكثر الهرج والمرج في البحث عن مصادر للدخل، ونعود إلى بيع سيارات الغاز في السعودية والبحرين إن كانت ستتسع لنا، ولا أحد يدري إن كانت كلمة [اتركوا شيئا لأبنائكم] سوف تعني شيئا أمام الجيل من أولاد الجيل الحالي [أبناء الحرس القديم] الذين لن يكون طموحهم بسيطا كآبائهم.


      - سينشط الخطاب الجهوي والديني والقبلي وتضعف سلطة الحكومة المركزية أمام قوة هذا الخطاب وسيكون دور السيطرة في يد الشيوخ الذين سيعودون إلى قوِّتهم وإلى سلطتِهم بعدما طبعا ينشط الخطاب الديني الرجعي المُطالب بالزهد في الحياة والقاتل للطموح ولرغبات الإنسان.


      &&&



      لا تقلقوا أنفسكم تجاه هذه الصورة المأساوية، فربما لن يتحقق منها إلا [40%] وهي نسبة فادحة أيضاً.


      أنتم وغيركم تمارسون لعبة النرد مع الدولة التي تمارسها أيضا مع الزمن والتاريخ والمجتمع الدولي. لا أحد يعرف ما الذي يحدث في عُمان، وعامل [النفط] الذي كان مؤثراً وسيظل إلى فترةٍ من الزمن آخذ في الزوال والانتهاء، وليس واضحاً تَماماً ما سوف يحدث، أعني ألا ترون كم هي مضحكة الخطط والتغطيات التي تحدث على مصائركم ومصائر أبنائكم؟ وأنتم فرحون تبررون كل ما يحدث وكأنَّ فهمَه هو الذي استغلقَ لا [فعلاً] يجب أن يكون وطنيا وخالصاً يجب أن يبدأ به أحد.


      الذين يعملون الآن وقد نالوا نصيباً من التعليم لن يبقيهم في عُمان سبب وعندما نبدأ في خسارة العقول سوف تبدأ الخسارة من فوق وسيغادرنا الأكاديميين واحداً بعدَ الآخر، وكذلك أصحاب الخبرات العسكرية الكبيرة، من الذي سيدع هذه العقول تمر مرور الكرام ومن الذي سيرفض استغلالها؟


      وحينها سيكون الوضع أكثر صعوبة سننظر إلى السلطان الجديد الذي لن يكون في يديه نفط السلطان السابق وسوف نقع في ورطة هائلة وليس يدري أحد من أين سيبدأ حجر الدومينو بلعب لعبته، من إيران مع الشيعة؟؟ أم في الشرقية مع السنة؟ أم في الداخلية مع الأباضية؟ أم في ظفار مع الجنوبيين؟ لا أحد يدري ولكن إن تأجج الوضع بما فيه الكفاية فإن طاقة الوضع السكوني ستجد وسيلة لتخرج ومن تلك الشرارة تنطلق الحريق الكبرى التي لا نعلم إن كنا سنكون أحياء يومَها.




      هذه العقول على قلتها في عُمان فهي مؤثرة جدا على الأقل في صنع القرار في الأروقة الحكومية. هل سنعيشها قريبا ــ فترة هجرة العقول ــ أم بعد عشر سنوات، في الحالتين لا يستبعد المرء أنَّ نراهم يغادرون واحداً تلوَ الآخر وقد سئموا تَماماً من قيامِ حياةً في هذه البلاد لا يقوم أهم الناس بها بتوريث أبنائهم الأحلام والأوهام كما نفعل كلنا في هذه البلاد العجائبية التي اسمها عُمان.


      نهايةً:


      لا أعرف يا أصدقاء لم أكتبُ لكم هذا الكلام، أعني لم أشعر أن عبئا نفسياً هائلا يسكنني لأقول ذلك.


      أقولُه رغم أنني وعدت نفسي ألا أكون محبطا أو انهزامياً ولكن لا يبدو أنَّ الحال مبهج ويثير الفرح. كلنا ننتظر النقلةَ الأخيرة بفارغ الصبر وقلوبنا مشحونةً وتنتظرُ مملوءة بالأمل، ننتظر النقلةَ الأخيرة على شفى جرف هارٍ من الهلع والخوف من وعلى كلِّ شيء، ننتظرها ولا يبدو أنَّها ستأتي إلا بعد أن يفوتَ الأوان.








      المصدر : مدونة معاوية الرواحي


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions