وظائف / ادعاء / قانون / اختلاسات / عِمارات
في طريقي إلى العَمل اليوم، تمام السادسة وعشر دقائق تقريباً مرَّت بجواري سيَّارة حكومية فارهة استطعتُ بصعوبة تبيَّن ملامح صاحبها بعدما تجاورتُ معَه بالقربِّ من دوَّارٍ من الدوَّارات التي أقطعُها كلَّ يوم في طريقي الأزليِّ إلى العَمل. السيَّارة الألمانية الرائعة والنظيفة ذات اللمعان الصقيل لم تخلُ من [خزْقةٍ] لحمامةٍ مُشاغبةٍ كما يبدو، وقد انشغلتُ بهذه الخزقةِ كثيراً وأنا أتذكر مقطعاً فيديواً عن التطوّر وكيف أنَّ الطيور لا مثانةَ لها من أجل توفير المساحة والحجم لطيرانٍ أفضل.
مع مشاهدتي للخزقة تراءت لي عُمان وهي طائر كبير الحجم يشبه الرخَّ في حكاية السندباد، طائرٌ كبير له ريش هائل الحجم، الريشة بحجمِ عِمارةٍ على الشارعِ العام، وعندما جاء عقلي على تشبيه حجم الريشة بالعِمارات على الشارع العام انقدحت في عقلي مجموعةٌ من الأسماء.
[عبد الله عباس رئيس البلدية السابق ــ جمعة آل جمعة وزير القوى العاملة السابق ــ الوزير اليوسف ــ أحمد سويدان ــ خميس العلوي] وطفقتُ أستعيدُ الكلام الطَويل الذي يُقال عنهم في جنبات المجتمع، الكلام الذي تسلل ذاتَ يومٍ إلى منتدياتٍ ومدوَّناتٍ بعضها سلكَ مسلكاً شخصياً وطفق ينتقدُ السلوكيات الشخصية التي يمكن الوصول إليها عن طريق الشبكات الاجتماعية المتداخلة، والبعض الآخر يسند وقائع من باب [من أين لك هذا؟] أو بالعماني [من حالَك هاوَه؟].
كنتُ في حالةٍ تأمِّل عَميقة أنستني الوزير اللطيف الذي كان يقرأ الجرائد بجانب سائقه الملتزم جدا بقوانين المرور.
نسيتُ، وأنا في حالتي تلك، أن أشعرَ بالانتصار الخفيف وأنا أتجاوزُ سيَّارته من اليمين، وأسبقه إلى الدوَّار الذي قطعت ثلاثة أرباعه شاحنةُ نقلٍ لم يرعوِ سائقها أن يفرض سلطته على الجَميع، دون أن يبدي انتباها صغيراً أو ضئيلاً للمنبهات التي صنَّت ورنَّت لتقول له أن الأولوية ليست لكَ.
&&&
أعيد وأزيد التفكير في العِمارة المقشوعة، كما أفكِّر في العِمارة التي نَقَضت بجانبِها وأقول يا سبحانك يا رب، ويا سبحان خالق هذه الدولة، أيقشعون عِمارةً وتقول لنا الإشاعات أن السبب مخالفة الارتفاع، وإذا بأخرى ترتفع مناطحة السماء بجانبِها؟ سيقول الضالعون في الهندسة كلاماً كثيراً، كلاماً لن يكفي لي كمواطن عُماني جدَّا أن أقتنعَ مرَّة أخرى بسلاحِ الإشاعة الذي طفق يضرب في الفاضي مؤخراً، أصدِّق من وأكذِّب من؟ ليتَنا ما فرحنا بعمارة انقشعت لتظهر ألف عِمارة فوق رؤوسنا.
اليومَ عُمان تقول في الجرائد أنَّ موظفاً ما قد اختلسَ ما يفوق المليون ريال، ويخرجُ لنا من يصرِّح ويؤكد لنا أن تجربتنا الطفلة في محاربة الفساد يجب عليها أن تنتقل إلى الطور الآخر. بالتوازي مع تصريحات الجرائد، تخرجُ لنا المدوَّنات والمنتديات بحكايةٍ عن رسالة تزكيةٍ من المدعي العام إلى رئيس البلدية بشأن تعيين أحد القانونيين في البلدية [لرغبته الشديدة في العَمل هُناك]، وأقول في نفسي: هذا إجراءٌ عاديٌّ جدَّاً !!
فوجئت بأن الضالعين في القانون يختلفون في القراءة، والقانون واحدُ. يختلفون في معرفة المعلومة، وفي الطريقة التي تتعامل بها الحكومة مع الإعلام العام والإعلام الخاص، وفي الطريقة التي يتعامل بها الإعلاميون أصلاً مع الأخبار، وفي الطريقة التي يتناول بها المدونون الأخبار، وإذا بي أشعر بدوارٍ هائل، يا جماعة الخير نصدِّق من ونكذِّب من؟
&&&
سيقول لك قائل: يا صاحبي إنَّ هذا اختلاف في وجهات النظر !! سأتهم هذا الشخص بالغباء، كيف يكون اختلاف وجهات النظر بين الأبيض والأسود؟ الأبيض أبيض والأسود أسود ولا مجال لأن نقول أن بينهما فارق بسيط. نعم فارق في وجهات النظر أن يقول أحدهم عمارة قشعت للارتفاع، وآخر يقول للتزوير، تسقط نظرية الارتفاع بأن تنقضَ عمارة جانب المقشوعة، وستسقط نظرية التزوير بوجود دليل مادي يقول لك أن التصريحَ صحيح، وقد اتكأ كثيرون يومَها على فكرة الارتفاع، وعلى ما يصلُ من هُنا وهُناك من إشاعات، والإجراء هو الإجراء، مجموعة من البلدوزرات تسوي بالعِمارةِ الأرض وتنسفُ بصاحبِها وباسمِه وبسمعتِه في الأرض، ومن أجل ماذا؟؟ من أجل الارتفاع؟ أم من أجل التزوير؟ أم من أجل غياب التصاريح؟ أم من أجل من لا حولَ له ولا قوَّة ولا يمكنه أن يقولَ لا في وجه المشيئة الكبرى التي لا يعرفُ ولا يملك أحدٌ فكرةً عن دورِها في الأمر، لا أحد يعرف شيئاً الآن كل شيء مشوَّه ومائع وضبابيٍّ وغير واضحٍ أمام هذه الخبطات المنطقية التي تصيب كل تكئة نعتقد أنها أوصلتنا إلى فكرة عامَّة عن الوضع في عُمان.
&&&
ما هو الفساد أصلا؟
أعني عندما يكون للمرء صلاحية بحكم القانون فهل نحاسبه إن استخدمَها؟ أم نحاسب القانون الذي أعطاه صلاحيات مشحوطة من الجانبين؟ اللعنة لا يبدو الأمر واضحاً أبداً، أعني عندما يحقُّ لإنسان بحكمِ القانون أن يعطي من يشاء وأعطى من شاء، فهل هو المخطئ أم القانون؟
هل نسقط نحن نسقنا الأخلاقي على المؤسسات؟ أم نسقط أشياء أخرى؟ أعني هُنا سندخلُ في مُناقشة صلاحيات المشرِّع، وهذا هو الباب الذي يصمتُ فيه الكلام المباح، من الذي سيجرؤ على مُناقشة الصلاحيات التي يمنحها السلطان قابوس لوزرائه؟ إذن نناقش الوزير في أفعالِه بهذه الصلاحية نقاشاً مبنيا على إسقاطات من الأخلاق العامَّة، ومن المتعارف قانونيا عليه في الأنظمة المؤسسة التي لا يمكن لرؤسائها الاستثناء.
جيناك يا عبد المعين لَتعين.
رسالة التزكية تسرَّبت بشكل أو بآخر من أروقة المكاتب، لتتلقفها أيدي المدونين وكتاب الإنترنت. بالنسبة لموظف في الحكومة هذه الرسائل هي [تحصيل حاصل] وتسكيتةً لمن طلبَ المُساعدة، بالنسبة للآخرين القراءة تختلف جذرياً، ولا يمكن لومَهم على ذلك. نقول أن الهلالي يريد مساعدة مواطن من المواطنين للحصول على عَمل !!
الهلالي من؟ المدعي العام، والربط تلقائيا يكون بين العَدالة والقانون، والعَدالة والقانون تقتضي ممارسة ذلك في أضيق النطاقات الشخصية، حسنا إذن يا أستاذ هلالي سوف نحاسبك على رسالة تزكية.
ولكن هل التزكية ممنوعة؟ يقول بعضهم: التزكية ليست ملزمة لأنها ــ شفاعة حسنة ــ ويضرب المثل بشفاعات أحمد الخليلي المفتي العام [وكأن الخليلي لا يخطئ] ويقول آخر إنها استغلال للوظيفة من أجل منافع شخصية، فالتزكية لها قيمة اعتبارية، وربما يذهب البعض إلى حفظ المال العام بذكر مصاريف الأوراق والأختام الرسمية، وحتى هذا الذي يناقش الأوراق والأختام غير مَلوم، أليست البيسات من ضمن المال العام؟
لا أعتقد أن تزكية الأستاذ الهلالي تندرج تحت تعريف الفساد. إنَّ بها شوائب اجتماعية وإسقاطات أخلاقية من الفرد على المؤسسة، لا يعني ذلك أنها ليست سقطة موجعة من قبل المدعي العام، فهو اليوم لم يعد محمياً من أن [تنشحَ] الأوراق [غير السرية] على الملأ لتناقشَ بشفافية.
هل سيقول لنا أحد وكلاء الادعاء أنَّ هذه الرسالة تندرج تحت قانون الوثائق المحمية؟ ربما سيقول ذلك، وإن قال فهل كلامه صحيح؟ اللعنة لا شيء واضح، كل شيء قابل للتلاعب، والفكرة ليست أصلا في المدعي، ولا في الخليلي ولا في المزكى من أجلِه. الفكرة هي أن الكبت الاجتماعي اليوم والشعور بالضيم والظلم وغياب العدالة يجعل من مجموعة من المواطنين العاديين كائنات شرسة تضرب بقوَّة عندما تشمُّ خبراً صغيراً عن احتمالات [واسطة] تذهب ــ بدون وجه حق ــ إلى من لا يستحق.
والمضحك أنَِّ جَماعة السبلة انشغلوا بمحاربة عمار المعمري صاحب القراءة القانونية وكأنَّه [أجرمَ] عندما قال له عقله القانوني أنَّ الفعل الذي فعلَه الهلالي قابل للتأويل وللتكييف قانونياً من جهةِ [الادعاء على المدعي العام] وكم تبدو العبارة مضحكة وسخيفة وغريبة ومستحيلةً وخياليةً وفجَّة لغوياً.
الادعاء على الادعاء ..
هذه الشراسة في التناول، كما هو حال شراسة وثائق التعليم العالي، كما هي شراسة كل من يشعر أن مظلوم ومنتهك، تبدو لي شراسة غير أصيلة وغير صادقة في أحايين كثيرة، تبدو لي شراسةً من قبل هؤلاء الذي [يشعرون] ولكنهم [لا يفكرون]، من قبل الذين ينتظرون قشع العِمارة، ولا ينتظرون قانوناً واضحا، من الذين ينتظرونَ فعلَ القوة المباشر ولا ينتظرون أن تتحرك أشكالها التنظيمية بعدل. شراسة منقطعة النظير من قبل مجتمع يمكن تشخيصه أنَّه مصاب بالهلع.
لا تعتقدوا أنني أدافع عن الهلالي هُنا، الهلالي كتب رسالة التزكية ويتحمل ثمنَ الغبار الذي سيثور في وجهه بعدما تصلُ الرسالة إلى المنتديات، وستصل ولا ريب إلى عامَّة الشعب، وربما هذا الشاب الذي زكَّاه الهلالي كان مستحقاً للوظيفة [دون داعٍ للتزكية] سيخسرُها بسبب اللغط والجدل الدائر حول درجة ماليةً كان ينبغي أن يكون شغرها أكثر هدوءا من هذا الخبال الدائر، أحدهم يسرق مليون ريال، والآخر تقشع عمارته، وثالث نعتمد عليه لتطبيق القانون، ورابع يقول لنا أن القانون نفسه غير واضح تَماما، وسادس يقول لك أن القانون واضح ولكننا أغبياء، وسابع يقول لنا أنَّ الفساد غير موجود، وثامن يقول لنا أن الفساد موجود، والسلطان في مجلس عمان يشير للفساد، والجرائد تقول ولا تشير.
&&&
مثل مجموعة من الضباع أصبحنا كمجتمعٍ نتشمشمُ أخبار الجثث والضحايا، لا ننطلقُ من منهجٍ حقيقي في مكافحة الفساد، مكافحة [الفكرة] قبل كل شيء. نبحثُ عمَّا يؤيِّد رغبتنا الجنونية في سماعِ صوت السيف يقعُ على الرقبة وينتشرُ الدمُّ في النطع الإلكتروني واسعاً، فلا السيَّاف يشعر بالرقبة، ولا السيف يشعر، ولا نحن إلا بقدر ما يروي ذلك ظمأنا لحينٍ، وبعدَها تسقط المزيد من الرقاب تلبية لتلك الرغبة البدائية في رؤية الموت.
قرروا قبل أن تكونوا ضباعاً:
يمكنني أن أقول بوضوحٍ تام أن قصة رسالة الهلالي كلها تافهة ولا مجال لها أصلاً من الإعراب إنها رسالة خارجة عن الحكمة خرجت من مكتبه، وربما قام بإعدادها أحد الطباعين أو المنسقين الذين نسخوا من رسائل سابقة وأضافوا بعضَ الكلام الخفيف هُنا وهُناك، هذا شيء متوقَّع.
غير المتوقَّع ما ستمثله هذه الرسالة من صدمة للشارع العُماني الزائر للمنتديات، وما تظهره من اختلاف هائل لوجهات نظر حول حادثة طفيفة، اختلاف أوصلَ المتناقشين إلى التناحر وأوصلَ الإداريين في المنتديات إلى التدخل السافر من أجل تغليب جانب دون آخر.
خاتمة:
لا زلت أفكر في الخزقة التي التقصت وجفَّت في الزجاجة الخلفية لسيَّارة الوزير، وتمام السادسة وخمسة وأربعين كنت أراهُ يخرجُ من السيارة ويشحط دشداشته عن مؤخرته ويدخلُ بوقارٍ هائل، غير شاعرٍ مثلا، أن أحد العُمانيين جدا كان يتأملُ الخزقةَ التي التقصت بسيارته، ويشعر أن هذه الخزقة أكثر أهميةً من رسالة التزكية التي لم يعد لها ولغيرها من الأحداث والأشخاص قيمة تبقى غير الغبار والكثير منه.
المصدر : مدونة معاوية الرواحي
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions