يحدثُ أنَّ: هلوسات عُمانية ..
يحدثُ أن تسأمَ من نفسِك وحياتِك وكلِّ شيء له علاقة بذاتِك. يجب أن يفهمَ المرء أنَّه ليس محور الكون، كما أن مشاكلَه ليست أهمَّ شيء في العَالم، وأنَّ أي مخلوقٍ كان ــ مهما كان مؤثراً ــ يمكن للعالمِ أن يسيرَ بدونِه. ويحدثُ أن يقوى هذا الضجرُ وهذا السأم فيطالُ ملامح الحياةِ اليومية، وينذر باكتئابٍ حادٍّ يجعل من المضاد الحيوي للروح [الفلوكستين] المنقذ الوحيد قبلَ أن يتردى كلُّ شيء. ذلك ليس حدثاً فارقاً أو مهمَّا أو استثنائياً إلا ضمن سياقِك الفرديِّ الخاص، لأنَّك أنتَ في النهاية من يفعلُ ما حولَه ويجعله قابلا على التأثير عليك، وليس ذلك بعيداً عن الإنسان في تجلياتِه المُعتادة، الإنسان العادي البسيط الذي يجعل من حبِّه قباب هائلة الحجم.
&&&
يحدثُ أن تتعبَ ــ ببساطة بالغة ــ وتقررُ التوقف عن الالتزام المُرهق بالعالم. العودة إلى عالمك الداخلي لائذا بفوضاك.
تقررُ عدمَ الذهاب للنادي الرياضي، وعدم الالتفات إلى ملفات الوورد الكثيرة التي عليك إنجازَها، وتجاهل موعدك مع صديقين أو ثلاثة، تفعل ذلك عامداً متعمِّداً بعدما تطيل نومةَ العصر ساعتين وتذهب لتعميها مع أصدقائك في مكانٍ تملؤه الخضرة، مكانٍ ليس مقبرةً إلا للوقتِ الذي أصبح العملةَ البائدة والعلامة الرئيسية للعيش في مسقط، مسقط هذه المدينة التي تبشِّر بالموت وبالبواليع وبالاستغلال الفاحش للإنسان من قبل أخيه الإنسان.
&&&
أنتَ تضيعُ عقلَك بالتفكيرِ في كلِّ شيء. كلُّ ما حولك مشروع مشكلةٍ كما يصف عقلُك الأمرُ لك، جلسة الخمرِ بالنسبةِ لك عالمٌ أوسعُ من استهلاكِ المادَّة ولكن الذين حولَك لا يفعلون ذلك، لا يشربون الخمرَ محترمينَ طقوسها الأزلية، أو مستعيدين الإرثَ القديم، يفعلون الخمرَ لأنَّها الخمر، ولأنَّ مسقط مدينة طاردة لا تتسع لعاشقين سترمي بك بدون رأفة لأقرب حانة كي تسفح لياليها المتكررة دون ملل أو سأم فمسقط لا تقرِّب البشرَ من بعضهم البعض، ولأنَّ المكان موبوء بالبشر الذين يكادون يفترسون بعضهم البعض. تضيع عقلَك ومتعتك بأن ترثي لكل هؤلاء وأن تتأملَهم وأن تحاول قول شيء علَّه يغير من ذلك، ولكنكَ في داخلك، مهما عَميتَها تعرفُ أنَّ هذا عبثٌ حقيقي، عبثٌ لن تبقى منه سوى الكِتابة، أمَّا الفعلُ فسيكون دائما بعدَ فواتِ الأوان. في مثل هذه الحالة عليكَ أن تثقَ بالتاريخ، وأن تستعيده بشكٍّ واطمئنان، شكِّ في دوافع كاتبيه، واطمئنان تجاه تكرره الأزليٍّ الذي لا يخيب، ولن يخيبَ في أمَّة استطاعت خلال أربعين عاماً أن تبدأ مرتين، في الثانية بدأت النهاية.
&&&
يحدثُ أن تحبَّ فتاةً تتعبك وترهقك وتؤدبك خير أدب. إنَّك لا تعرف كم أصبحتَ تشبه إنساناً لم تتوقَّع أن تكونَه حتى مع نفسك. يحدث أن تؤدَّبك امرأةٌ خير تأديب، وتجعلك دودةً في تربةٍ طينية، ضائعٌ ولا تعرف أين رأسِك وأين رجلاك، وأين أنت من هذه الأرض. دودة تتلوى باستمرار باحثة عن الهواء والماء والغذاء لائذة من صهيد الأرض بظلامِ الطين.
تنتقمُ منها ومن نفسكِ في عقلك فتضاجعها كحيوان هائج، ويكون لكما خوارٌ يهزُّ مسقطً هزَّا فتتشقق العِمارات ويخرجُ الناس سكارى وما هم بسكارى وأنتما في فراشٍ واحد تصخبانِ وتخوران وتصرخان كما لو لم يكن في الأرض غيركما. تنتقم بهذه الأحلامِ منها ومن نفسِك، ولكنك لا تستطيع الصبر وتنكسر أكثر فأكثر، فالمكانُ ليس مكاناً للحب، والحب ليس إلا مَهربٌ كبير من المصائب الأخرى، يجب عليه أن يكون هرباً دائماً من شيء ما، من كلِّ شيء، عليه أن يكون هرباً لا لقاءً محتوماً.
&&&
كلُّ شيء يمكنه أن يدهشكَ في عُمان. يدهشك الناسُ هُنا بعيشِهم الهانئ الذي يدفعك للتساؤل، هل هم فعلا في مشكلةٍ ما؟ أعني أهذا طبيعي؟ كلُّهم يتجاهلون القشرةَ التي يجلسون عليها؟ أم هم كآبائهم ينتظرونَ انهيارِ هذه الفورةَ ليعودوا إلى نخيلِهم، ويلوذونَ من مسقطِ بقراهم التي لن تبخلَ عليهم بزاويةٍ صغيرةٍ يظللها جبلٌ هائل الحجم. يدهشك تفاني الناس في الدفاع عن جلَّاديهم، في الدفاع عن أعرافهم التي يلعنونَها ليلاً بعدما يمارسونَها نهاراً، يدهشك دفاعهم عن المصرِّ الذي يكاد يخنق رؤوسَهم، ويدهشك كم يتباين اثنان عاشا في منزلٍ واحدٍ يتشابهان في كلِّ شيء إلا في الفعل والفهم والقول. يدهشك كل شيء في عُمان لأن عُمان بلد الإدهاش والغرابة، بلدٌ يمكنك أن تجدَ فيه أيَّ شيء وكلَّ شيء من أنواع البشر.
&&&
رغمَ استيقاظك المبكِّر، تقررُ من بابِ [اللعانة] العودة للفراش. لم تنم متأخراً، ولم تقض الليل مع فتاةٍ حسناء، ولم تفعل ما يمكنه أن يسمحَ لكَ بذلك، إلا أنَّك في إجازةٍ من نفسك ومن العالم وقد سئمتَ كلَّ شيء. سئمتَ أن تطرقَ بابَ مستعبديك السادسة والنصف كل صباح، سئمتَ الهربَ من زحام البشرِ بالتضحية بالنوم، وسئمتَ فعلاً أن تقوم خمسَ مرَّات لتسلمَ على نصف عُمان التي تقرر عدم تركك مكانِك في الكرسي، عُمان التي تصافحك وهي تتنقنقُ على عدم قيامِك، وتربط ذلك بسوء أخلاقٍ فيك يجب عليك تغييره، تتنقنقُ أنتَ من الوضع، وتتساءلُ ما الذي يدفعهم لفعل ذلك كل يوم، ألا يكفي سلام واحد في الأسبوع؟
&&&
كلُّ شيء يعد بهشاشة مطلقة، والإنسان أكثر هشاشةً من الصخر هذه حقيقة علمية لا يمكن دحضها. تتخابث على الزحام بالمضي بسيارتك الصغيرة عبر شارعِ مسقط السريع، الشارع الذي يكاد يقتلكَ بسبب سرحانِك الدائم، يكاد يقتلك خمس مرات في اليوم ولكنك لا ترعوي.
تتحدث في الهاتف، وتأكل ساندوتشاً بشع الطعم وتشرب لبن الخمائل وأنت غاضبٌ من هذه الفروطيةِ الغذائية الإجبارية.
تخططُ لضربِ صحنِ عيش محترمٍ لاحقاً، تخطط لذلك لأنَّك تريد أن تنتقمَ من التزامِك بالعيش أربعة أشهر كاملة، تريد أن تنتقمَ من نفسك شرَّ انتقام، فحتى مضادات الروح الحيوية لن تحول دون انتقامِك من نفسك لثلاثة أيام انقضى منها يومٌ واحد.
تفكِّر في صديقٍ لكَ عاتبٌ على عدم حضورِك عقد قرانِه، وتطفشُ من هذا الضغط الاجتماعي الإلزامي، وتنقعُ في داخلك نقيعاً، وتتنقنقُ مراتٍ عديدة، وأنت مستسلمٌ تَماما وتعرف جيدا أنَّك ستعودُ ذاتَ يوم إلى برمجتك الأولى التي ستجعل منك قاتلا للوقت بموت الآخرين وبزواجهم من أخريات.
&&&
تمرُّ في نهايةِ نصفِ يومِك على القرمِ، على مرتفعاتِها وتنتبه إلى فداحة الصدفة. الجبال ناريةٌ في عُمان، ناريةٌ وصلبة ولا تحتاج أن تكون جيولوجيا جيدا لتعرفَ الجبل الرسوبي.
مرتفعات القرم، تلك المنطقة الغارقة في الخصوصية والمليئة بأثرياء عُمان. بها كلُّ تناقضات المكانِ والزمان والخلطة الفكرية المذهبية الفعلية العُمانية. هُناك يربي رجال عُمان بناتِهم وأولادِهم، وهُناك ينشأُ منزل رجاله لحى ونساؤه سحى، كما ينشأ منزل رجالُه عسكر ونساؤه ربَّات بيوت، أو ينشأ منزلٌ غارقٌ في العزلة شبيه ببريطانيا العظمى تقود مربية إنجليزيةٌ مسيرته التربوية.
هُناك يمكنك أن ترى رجالَ عُمان، وتستعيد ما فعلوا بعُمان وما فعلت بهم عُمان. منهم من أساء لها، ومنهم من أساءت له، منهم من ظلمها ومنهم من ظلمته، منهم من فشلَ في فعل شيء جيِّد لها، ومنهم من فشلت في فعلِ شيء جيِّد له، مئات التناقضات والصورةُ الكلية لا تتجاوزُ المدينة الكبيرةَ في القرم القائمة على جبلٍ رسوبيٍّ هشٍّ قابل للانهيار جيولوجيا في أي لحظةٍ. ترقعكُ الفكرة في رأسك وتتذكر صديقك يوسف المسافرَ، تتذكر رسالته التي تقتلك غيظا، [مسافر سأعود بعد أسبوعين] وتتذكر كم تحقد على الذين يسافرون، تحقد عليهم لأنَّ السفر أسهل الصعب في عُمان.
&&&
يحدثُ في عُمان أن يفقد أحدهم البوصلة لبعض الوقت، وأن يتوه كثيراً، أن يتوقَّف عن الشعور وأن ينهاسَ في عقلِه. يحدثُ ذلك كثيراً، ولا يعني هذا نهايةَ العالم وإنما بداية حياةٍ جديدة، وفكرة جديدة، وأملٍ جديد، وطموحٍ جديد، ورغبات جديدة، والتزامٍ جديدٍ بالعيش في تجليه الحقيقي.
المصدر : مدونة معاوية الرواحي
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions