أفغنستان.........

    • أفغنستان.........

      كتب أشرف البربري
      على الرغم من أن الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك أكبر قوة عسكرية في العالم منذ
      خروجها منتصرة على رأس الحلفاء في الحرب العالمية الثانية إلا أن النصف الثاني من
      القرن العشرين شهد اخفاقات عديدة للقوة العسكرية الأمريكية الجبارة خاصة عندما خاضت
      مواجهات مع شعوب وهو والأمر الذي تفجر بصورة واضحة في المستنقع الفيتنامي الذي أورث
      الأمريكيين عقدة عسكرية مازالت تلازمهم حتى الآن كلما خرج جندي أمريكي من الأراضي
      الأمريكية للقتال في أي أرض خارجية.

      كشفت العمليات العسكرية للقوات الأمريكية خلال النصف الثاني من القرن العشرين عن
      قدرة القوة اِلأمريكية على كسب الحروب الجوية ما دام الجندي الأمريكي لا يلتقي
      بعدوه وجها لوجه كما كان الحال في الحرب ضد العراق حيث شنت القوات الجوية الأمريكية
      ومعها قوات التحالف الدولي أعنف ضربات جوية في التاريخ ضد الأهداف العراقية
      العسكرية منها والمدنية على مدى أكثر من ثلاثة أسابيع وتمكنت من تحييد القوات
      العراقية على الأرض في الكويت. ورغم ذلك لم تشارك القوات البرية الأمريكية في
      العمليات البرية ضد الجيش العراقي في الكويت لإخراجه من الكويت وتركت هذه المهمة
      للقوات العربية المشاركة في التحالف.

      وتكرر نفس السيناريو في حرب البلقان ضد يوغسلافيا حيث اقتصرت الحرب الأمريكية على
      القصف الجوي العنيف.
      ومع مطلع النصف الثاني من القرن العشرين تلقت القوات الأمريكية أول لطمة لها عندما
      حاولت غزو كوبا متخفية في صفوف مجموعة من الكوبيين الفارين من حكم الرئيس الكوبي
      فيدل كاسترو فيما عرف بعملية خليج الخنازير عام 19961.يقول الأمريكيون أنفسهم عن
      هذه أنها كانت أسوأ عملية تقوم بها القوات الخاصة والمخابرات الأمريكية. وقد تمثلت
      بهبوط 1500 مهاجر كوبي دربتهم وكالة المخابرات المركزية في خليج الخنازير تحت إسم
      الكتيبة 2506 ، تهدف الى اشعال نيران ثورة في الجزيرة ضد الزعيم الشيوعي فيدل
      كاسترو.ولكن الكتيبة 2506 كان مقدرا لها الفشل الذريع، بسبب أخطاء المخابرات ورفض
      الرئيس الاميركي آنذاك جون كنيدي توفير غطاء جوي اميركي، وهو ما كانت تعتزمه ادارة
      الرئيس السابق له دوايت ايزنهاور.

      قنبلة امريكية من مخلفات حرب فيتنام
      ويقول باحثون ان الكوبيين الذين قامت وكالة المخابرات المركزية بتدريبهم انضموا في
      ما بعد الى جماعات متطرفة مثل اوميجا 7 والفا 66 التي شاركت في مئات الهجمات بقنابل
      على اهداف كوبية في الولايات المتحدة واميركا اللاتينية. وأطلقوا صواريخ على
      مقاتلين سوفيات وفجروا ديناميت بشركة طيران سوفياتية ومكاتب تجارية، وتآمروا ضد
      دبلوماسيين كوبيين وتضامنوا مع أنظمة عسكرية يمينية متطرفة باميركا الجنوبية وقادوا
      مسيرة الإرهاب في الفناء الخلفي للولايات المتحدة الأمريكية.

      وفي نفس العام تقريبا أي 1961 بدأت الأقدام الأمريكية تغوص في المستنقع القيتنامي
      من خلال إرسال مجموعات من قواتها الخاصة لمساندة الحكومة الفيتنامية في مواجهة
      التمرد الشعبي.
      وقد بدأ تورط الولايات المتحدة الأمريكية في فيتنام بعدة مئات من عناصر القوات
      الخاصة. وبحلول نوفمبر عام 1963 كانت الولايات المتحدة قد أرسلت ما يزيد عن 16.000
      جندي أميركي إلى فيتنام، كما عملت الحكومة والمخابرات الأميركية على الإطاحة
      بالرئيس الفيتنامي الجنوبي دين ديام (نوفمبر 1963) لمعارضته التدخلات الأميركية
      ورغبته في اقتصار الأميركيين على مساعدة القوات الفيتنامية الجنوبية لتتولى الأمر
      بنفسها.

      وبلغ عدد القوات الأمريكية في فيتنام قبيل انسحابها حوالي ربع مليون جندي في حين
      بلغت خسائر أمريكا أكثر من 58 ألف جندي بين قتيل ومفقود. بل إن قضية الجنود
      الأمريكيين المفقودين في فيتنام مازالت حية حتى الأن ومازالت عقدة فيتنام حاضرة في
      الذاكرة الاجتماعية بل والعسكرية للمجتمع الأمريكي.

      كاسترو نجح في إذلال الامريكيين

      وتلقت القوات الخاصة الأمريكية اللطمة التالية لها بعد أقل من عشر سنوات تقريبا على
      خروجها من فيتنام عندما حاولت هذه القوات تحرير الرهائن الأمريكيين الـ 53 الذين
      احتجزهم الطلبة الإيرانيون داخل السفارة الأمريكية في طهران والتي كان الإيرانيون
      يطلقون عليها اسم عش الجواسيس بسبب اتخاذها مقرا لعمليات المخابرات الأمريكية في
      منطقة الخليج وأسيا الصغري أيام حكم الشاه رضا بهلوي.
      جرت العملية الفاشلة يوم 24 ابريل عام 1980 لاطلاق سراح الرهائن الامريكيين الثلاثة
      والخمسين الذين احتجزهم الطلاب الايرانيون في السفارة الامريكية في طهران خلال
      الاشهر الخمسة السابقة وقال كارتر ان المهمة فشلت وذكر ان قرار القيام بالمحاولة
      كان قراره هو وانه هو الذي قرر وقفها عندما تطورت المشكلات، واقر كارتر بأن
      المسئولية الكاملة تقع على عاتقه هو.
      كانت العملية تحمل اسم «ديزرت-1»، والتي اشتركت فيها ثماني طائرات هليكوبتر تابعة
      للبحرية الامريكية من طراز آر.اتش53. وست طائرات نقل هيركيوليز سي-130، مع قوة من
      الكوماندوز من الاسلحة الاربعة بالقوات المسلحة الامريكية كان معظمهم من رجال
      المظلات التابعين للجيش الامريكي وقد توجهت القوة الى صحراء طبس الايرانية وكانت
      الخطة تقضي بأن تحلق الطائرات واحدة وراء الاخرى لتستقر في منطقة قريبة من طهران
      وكان مقرراً ان يقوم عملاء للولايات المتحدة في ايران بتحضير عدد من سيارات النقل
      لنقل الكوماندوز من طائرات الهليكوبتر الى السفارة الامريكية حيث يقومون بمداهمة
      الحراس وكان على طائرات الهليكوبتر ان تطير من مخابئها وتهبط في مجمع مباني السفارة
      لالتقاط الرهائن بعد تحريرهم واخذهم حيث تربض طائرات النقل في مطار قريب تم
      الاستيلاء عليه وكان واضعو الخطط قد قدروا ان العملية تحتاج الى ثماني طائرات
      هليكوبتر على الأقل، ولكن سقطت منها طائرتان قبل الموعد في الصحراء واصاب خلل
      هيدروليكي طائرة ثالثة عند وصولها وعندما وصلت تلك الانباء الى الرئيس كارتر امر
      بوقف العملية.
      حزب الله اجبر الامريكيين على الانسحاب من بيروت

      وعلى الرغم من الفشل التقني لم يكن شيء قد أعلن عن تلك المهانة والمأساة الانسانية،
      بل ما تلا ذلك كان ادهى وامر فبينما كانت احدى الطائرات تناور لتأخذ وضع تزويدها
      بالوقود من اجل رحلة العودة اصطدمت مراوحها بجسم طائرة نقل طراز سي-130 وشبت
      النيران في كلتا الطائرتين وانفجرت الذخيرة فيهما ولقي ثمانية رجال مصرعهم على
      الفور واصيب اربعة آخرون بحروق جسيمة.
      ويبدي كولن باول رأيه الخاص في هذه العملية العسكرية الفاشلة فيقول: «ان لدي خبرة
      كافية في عمليات الهليكوبتر نتيجة اشتراكي في الحرب في فيتنام وكوريا والفرقة 101
      المحمولة جواً وتنتابني الدهشة من الطريقة التي تم بها التخطيط لهذه العملية
      وادارتها، ومعروف ان طائرات الهليكوبتر طائرات متقلبة الاحوال، وكان يجب تخصيص عدد
      منها اكبر بكثير من ثماني طائرات لعملية من هذا النوع حتى يمكن التأكد من بقاء ست
      منها صالحة للقيام بالمرحلة الثانية من المهمة. والخطأ الآخر في عملية «ديزرت -1»
      يكمن في التقاط بضعة رجال من كل سلاح من الاسلحة الاربعة للقوات المسلحة وتكوين
      فريق منهم لهذه العملية التي كان بعض رجالها من سلاح ما يقود طائرات الهليكوبتر
      التابعة لسلاح آخر، فضلاً عن ضعف تسلسل القيادة والاتصالات والتنبؤات الجوية
      والاعتبارات الأمنية مما ساهم في ذلك الفشل.
      ولم تمضي أكثر من ثلاث سنوات على اللطمة الإيرانية حتى تلقت القوات الأمريكية التي
      وضعت أقدامها على الأراضي اللبنانية لتنفيذ اتفاق 17 مايو عام 1983 الذي فرضته
      إسرائيل على الشعب اللبناني بعد اجتياحها لبيروت عام 1982.
      مقاتلو البحرية الامريكية " المارينز "

      جاءت قوات المارينز الأمريكية لتشترك مع القوات الفرنسية والإيطالية في رعاية هذا
      الاتفاق الذي رفضته القوى الوطنية اللبنانية.بدأت القوى اللبنانية الوطنية في توجيه
      ضربات خفيفة للجنود الأمريكيين أسفرت عن مقتل اثنين من الجنود لقيا مصرعهما بنيران
      الهاون «الاسلامية» هكذا يسميها الأمريكيون وذلك في الثالث من شهر سبتمبر عام 1983،
      ثم قتل اثنان آخران يوم 16 اكتوبر ثم اثنان آخران.
      فقامت المدمرة الامريكية نيوجرسي بتوجيه ضربات بطلقات مدافعها من عيار 16 بوصة الى
      الجبال المطلة على بيروت، على طريقة الحرب العالمية الثانية وكأنها نقوم بمسح شواطئ
      احدى جزر المحيط الهادي تمهيداً لغزوها وعندما بدأت القذائف تسقط على «القوات
      الشيعية» افترضت تلك القوات ان «الحكم الامريكي» بدأ ينحاز ضدهم، وما داموا لا
      يستطيعون ان ينالوا المدمرة فقد وجدوا في قوات المارينز في المطار هدفاً أسهل
      منالاً.
      وفي في يوم 23 اكتوبر 1983 تلقت القيادة العسكرية مكالمة هاتفية في منتصف الليل من
      مركز القيادة العسكرية القومية، تخبرها بانفجار شاحنة ملغومة في ثكنات مشاة البحرية
      الامريكية في مطار بيروت بلبنان، وبدأت الانباء تأتي قطرة فأخرى فيضطر الى نقلها
      الى الوزير الذي يعلم باول جيداً انه يكره اخبار الموت وقد وصل عدد الضحايا في
      النهاية 241 من جنود المارينز كما وقع هجوم متزامن في الوقت نفسه تقريباً على ثكنة
      في قلب مدينة بيروت، مما ادى الى مصرع سبعة وسبعين جندياً فرنسياً.
      ويذكر ان وزير الدفاع الأمريكي في ذلك الوقت كاسبر واينبرجر عارض تورط المارينز في
      لبنان منذ بداية الامر ولكن وجهة نظر ماكفارلين مستشار الامن القومي وجورج شولتز
      وزير الخارجية آنذاك انتصرت في النهاية وفي رأيه ان امريكا ارسلت قوات المارينز الى
      لبنان لمجرد فكرة مشوشة هي تحقيق «وجود» لها هناك وهو يضع كلمة «وجود» بين قوسين في
      كتابه.
      وظلت عقدة تحول دون إرسال أي جندي أمريكي للقتال خارج الأراضي الأمريكية حتى جاء
      الغزو العراقي للكويت وتهددت المصالح البترولية لأمريكا بشكل مباشر كما كان الغزو
      فرصة للولايات المتحدة الأمريكية لكي تفرض هيمنتها على أكثر من 75% من احتياطي
      البترول في العالم من خلال إقامة قواعد عسكرية ثابتة لها في منطقة الخليج العربي.
      قتلى البحرية الامريكية في حادث تفجير كول

      وقد نجحت القيادة الأمريكية في إمساك العصا من المنتصف فقادت تحالفا دوليا واسعا
      لحرب العراق وإخراجه من الكويت بحيث تتولى الولايات المتحدة المعارك الجوية وتقوم
      القوات الحليفة الأخرى بالمعارك الأرضية.
      ولكن نشوة النصر الذي حققته الولايات المتحدة في العراق دفعها إلى تناسي عقدة
      فيتنام فقادت تحالفا دوليا محدودا لغزو الصومال تحت دعوى إعادة الاستقرار للصومال
      وإنهاء الحرب الأهلية التي انفجرت بعد انهيار نظام الديكتاتور محمد سياد بري.
      تحت ظل النظام الدولي الجديد قرر جورج بوش الرئيس الاميركي السابق ارسال 21 الف
      جندي اميركي إلى مقديشو في الصومال في التاسع من كانون الاول عام 1992 تحت شعار رفع
      المجاعة في الصومال «اعادة الامل».. وما ان حلت القوات الاميركية واستمرت في عهد
      كلينتون، حتى بدأت المعارك التي اشتدت بمرور الايام. وتمكنت الولايات المتحدة من
      توريط الامم المتحدة «قرار مجلس الامن رقم 824 في 26/3/93» وكذلك 28 دولة التي
      ارسلت قواتها لحفظ الامن في الصومال. وقد استخدم البند السابع من ميثاق الامم
      المتحدة لتخويل قوات الدول التدخل في شؤون الصومال الداخلية باستخدام القوة
      العسكرية التي بلغت 28 الف عسكري و2800 مدني.. وقد منيت القوات الاميركية بخسائر
      متعددة مما اجبرها للاعلان عن انسحابها في مارس عام 1994. وفي نفس الوقت بدأت دول
      الـ 28 بالانسحاب التدريجي من الصومال.
      ان هذه التجربة اثبتت فشلها، حيث عقدّت الحالة الداخلية في الصومال وأدت إلى سقوط
      مئات الضحايا قتلى، وبالتالي تدخل الولايات المتحدة وبقية الدول في شؤون السيادة
      الصومالية وشؤون البلاد الخاصة.. والجدير بالذكر ان الولايات المتحدة كشفت عن
      نواياها الخفية عندما تحولت العمليات العسكرية بمرور الايام للقبض على محمد فارح
      عيديد بتهمة ان قواته قتلت 24 جندياً باكستانياً وجرح 54 اخرين
      وخصص الادميرال هاو رئيس القوات الاميركية في 23 يونيو 93 مكافأة مالية قيمتها 53
      الف دولار لمن يستطيع القبض عليه واعتقاله.. وبعد سلسلة من العمليات الانتقامية بين
      قوات عيديد والقوات الاميركية، وفي الثالث من اكتوبر 1993 قتل 18 جندياً اميركياً
      وجرح 78 آخر، كما اسر جندي أميركي ثالث واسقطت طائرتان هليكوبتر عسكريتان،. هذه
      العملية جعلت الرئيس كلينتون يتخذ قراره بعد اربعة ايام وتحديد 31 مارس 1993 لسحب
      جميع القوات الاميركية.
      وتعترف الولايات المتحدة نفسها ان المجاهدين الذين تولى اسامة بن لادن وتنظيم
      القاعدة تدريبهم وتسليحهم هم الذين نفذوا عملية الثالث من اكتوبر عام 1993 التي
      دفعت الرئيس كلينتون إلى اتخاذ قراره في السابع من نوفمبر بسحب القوات الأمريكية من
      الصومال.
      احدى حاملات الطائرات الامريكية

      والأن تقف القيادة العسكرية الأمريكية مترددة أمام إرسال قوات برية إلى أفغانستان
      لتنفيذ الهدف الرئيسي للعمليات العسكرية التي تقوم بها هناك حاليا هو اعتقال او
      تصفية أسامة بن لادن وقادة تنظيم القاعدة الذي تتهمه الولايات المتحدة بالوقوف وراء
      هجمات نيويورك وواشنطن.
      فعلى الرغم من إجماع الخبراء العسكريين من مختلف المدارس العسكرية على عدم جدوى
      الضربات الجوية في تحقيق الأهداف المعلنة للحملة الأمريكية وأن العمليات البرية
      مهما كانت خسائرها لابد منها فإن القيادة العسكرية بكل ما تملك من حشود عسكرية
      وقدرات تكنولوجية رهيبة تجعلها على رأس العالم تقف مترددة أمام هذا القرار. حيث
      تحول دون اتخاذه حقيقتان على درجة كبيرة من الخطورة، الأولى أن القوات الأمريكية لم
      تحقق أي انتصار في أي مواجهة برية خلال النصف الثاني من القرن العشرين تقريبا وأن
      وجود القوات الأمريكية على الأرض يجعل منها هدفا سهلا لنيران العدو.
      الحقيقة الثانية أن أفغانستان على وجه التحديد لم تهزم أمام أية قوة غازية طوال
      تاريخها وانها خلال التاريخ الحديث قهرت الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها
      الشمس كما قهرت الإمبراطورية السوفيتية أيضا.
      حتى أن وكالة رويترز للأنباء بثت تحقيقا تاريخيا ذكرت فيه أن الأسكندر المقدوني هو
      أخر قائد غربي استطاع هزيمة الأفغان والسيطرة على أفغنستان.