روائح / سجائر ..
أن تكونَ لك ذاكرة روائح هو أمرٌ من حقوقك الإنسانية البديهية، فمن حقِّك على المكانِ أن تدخلَه لتجدَ بيئة من الروائح الطبيعية. تدخلُ مكتبَك لتجد رائحة الورق الجديد، ورائحة الاحتراق الخفيف من آلة الطباعة، ورائحة عطر زميلتك المتغيِّر يوميَّا. تدخل الروائح في ذوقِك، وفي وعيِك وتتداخلُ معك رابطةً نفسها، وأنتَ معَها، لتشكِّل ذاكرةً من الروائح. ولنا في مسقط ذاكرةٌ من سجائر في الأماكن العامَّة، ليس لأنَّ الكلَّ يدخن، ولكن لأنَّ الدخان بطبيعته أقوى من غيرِه.
تتكونُ يدٌ وهميةٌ لخيوطِ السجائر في الأماكن العامَّة في مسقط، يدٌ من النوع الثقيل الذي يلطمُك على مجسَّات الرائحة في أنفِك. ذلك الخليط الكثيف من النوعيات المختلفة للسجائر، مع وجودِ هؤلاء الذين يصرون على تدخين السيجار في الأماكن المكشوفة. روائح احتراق، وإطارات ودخان متماوج مختلف الشكل والقوام بعضه ناتج عن سجائر ذات مستوى عالٍ من القطران، والآخر من سجائر رفيعة يقولون لكَ في الإعلانات أنَّها [صحية !! أكثر من غيرِها]. ولا يخفى ذلك على المدخنين.
المدخِّن أكثر البشر إدراكاً لحقيقة السجائر وفعلِها السام بجسدِه، يدركُ أنَّه في اللحظةِ التي يدخل فيها أكثر من ألفي مادَّة سامَّة في الرشفة الواحدة، يدخلها في صدرِه أنَّ خيار التدخين أكثر من مجرد خيار عادي، من العادات المُعتادة وإنما هو قرار من قرارات الوجود.
أنتَ تقررُ، أو تتجاهل عامدا متعمداً أن تلعبَ لعبةً الغميضة مع الموت، وتلعب قِمارا مع جيناتك التي لا تعرفُ إن كانت تحمل قابلية لنشوء سرطانات مختلفة الأنواع والأشكال، تبدأ من اللسان وتنتهي بالمستقيم، والمدخن لا يرعوي أن يلعبَ هذه اللعبة مع نفسِه لأنَّه يجد مساحةً لذلك، له أسبابُه الخاصَّة وبالطبعِ حريتُه الشخصية التي قد نؤمن أجمعين أن عليها ألا تتجاوزَ حريَّة الآخرين.
منع تدخين السجائر في الأماكن المغلقة قرار حكيمٌ ولا ريب، أعني لا يمكن أن نصفَ قرار يمنع البشر من قتل أنفسِهم علناً إلا بالحكمة. يتداخل هذا بشكل طفيف مع الهامشِ الشخصي للأفراد الذين يجدون متعةً في التدخين، والعذرُ الموجود أن حماية الآخرين من التدخين السلبي يشرعنُ هذا الفعل، فعل المنع. على عكسِ الكحوليات مثلا، ضررُ التدخين السلبي من الحقائق البديهية أيضا، والتي لم يتوقف الإعلام الغربي في تذكير الناس بها طوال فترة الثمانينات والتسعينات، ضربٌ متواصل من مختلفِ المؤسسات جعلت من المدخن منتحراً وحاصرته في دخانِه حتى ضاق ذرعا به.
&&&
أكثر ملاحظةٍ يقلق المرء حيالَها في هذا الموضوع هي العدالة التجارية التي ستختلُّ قليلاً، فمسقط بحاناتِها ومطاعمِها تحفل بخياراتٍ عديدة ستجعلُ من انزياح الجموع الهائلة من البشر تجاه المناطق الأخيرة المسموح فيها بالانتحار العلني تدخيناً أمراً متوقعاً.
يسفرُ ذلك عن حدوث نقص في عدد الزبائن، نقص قد يكون مؤقتا، أو كلياً، نقص نتفهم سبب حدوثه لأنَّ مثل هذا القرار لا يمسُّ سلوكاً عادياً يمكن التخلي عنه بسهولة بل يخص وباء فعلياً ونفسياً يمارسه آلافٌ وقد قرفوا منه، ومع ذلك يلوكون ويكررون فشلَ محاولاتهم عن الإقلاع سنةً تلو الأخرى، الأمر بالنسبة لهم يتجاوزُ كونَه مجرَّد رائحة جَميلة أو غير جَميلة، إنَّها حالاتٌ يومية يمرُّ بها ويعيشها منذ سنين وقراره بهجر المكان الذي لا يسمح له بالتدخين متوقَّع جدَّاً.
توقعتُ أن يترافقَ مع منع التدخين حملاتٌ من قبل المؤسسات الخاصة والعامَّة لتسهيل الإقلاع عن التدخين، على الأقلِّ فعل شيء تجاه ملصقات النيكوتين التي يصل الواحدة منها إلى ريالٍ واحد تقريباً، بينما متوسط سعر علبة السجائر 600 بيسة !!
توقعتُ أن يفعل غير المدخنين شيئا من أجل مساعدة المدخنين على الإقلاع غير الوعود في اللوحات الإرشادية، والتهديد المبطن أن الذي يدخن سوف نطرده من المكان، يفعلون شيئاً مثل تقديم نصيحة سريعة يعرفها المدخن سلفاً، أو أن تشنَّ وزارة الصحة حملةً قوية لإيقاف الانتحار بالتدخين، والتي أعرف جيدا ــ كمدخن سابق ــ أنَّ الأمر أبداً ليس بالسهولة التي يريد البعض تصويرَها، الانقطاع عن التدخين صعبٌ ومتعب ويلزم المرء بالتضحية بعدة أشهر من حياتِه وتركيزه وربما علاقاته مع الآخرين لكي يستطيعَ أن يعيشَ يومَه برائحة محايدة.
المدخنون ليسوا هم الشرُّ أو العدوُّ هُنا، إنهم الضحايا. ضحية من؟ يختلفُ الأمر من شخص لآخر، وإن كنا على المستوى الحسي المُباشر نعتقدُ جازمين أنَّهم [مجرمون] يفعلون ما أرادوا، فإنَّ منع التدخين في الأماكن المغلقة والمجمعات التجارية ليس فرصة للتشفي منهم، وإنما فرصة لمدِّ يد العون والمساعدة لهؤلاء الذين سيضطرون للتدخين في سياراتهم ربما مع أولادِهم، وسيضطرون للهرب كثيراً والوقوف في الشمسِ الحارقة، وهم سيخلون بميزان التجارة بهربهم التلقائي لمقاهي الشيشة التي لن تجدَ حرجاً في السماح للمدخنين بالمجيء، وستقرر الحاناتُ ذلكَ قريباً دافعة ضريبةَ الشيشة جالبة إياها، مستفيدة من بقايا الطقس الجَميل في الشتاء المسقطي السريع.
الفكرة ليست في الروائح الجَميلة فقط، وأضرار التدخين السلبي، ولكنها أيضا في هؤلاء الذين تورطوا وأصبحوا مدخنين، بدأوا وهم مراهقون لا يدركون أنَّهم في يوم من الأيام سيعلقون في خيارهم الوجودي الصحي هذا، وسيحاولون الهروب والخروج منها دون أن يجدوا من المجتمع إلا نظرات الازدراء والتحقير وأحكامٍ شرسة لن تساعده ــ فعلا ــ على الإقلاع بسهولة.
المصدر : مدونة معاوية الرواحي
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions