لخبط لخابيط :.. - جديد معاوية الرواحي

    • لخبط لخابيط :.. - جديد معاوية الرواحي


      حسبَ الحالة الفيزيائية ..





      يمكنني أن أجدِّف هُنا كما شئت، ولا أقصد بالتجديف التعدي على الذات الإلهية فهذا أمر لا يفعله العقلاء ولا سيما هؤلاء القادمون من ثقافة عُمانية، سمائلية، أباضية، إسلامية.
      التجديف الذي أقصده أن أكونَ في بحرٍ من البحارِ، وأن أمشي فيها بقاربي الصغير وأنا أدركُ أنني لن أستطيع المشيَ بعيداً جداً عن الشاطئ، أعني وفق هذا التشبيه فإنَّ الإنسان وعملَه وجهدَه كالقارب في بحر، كل شيء أكبر منه، ولكي يستطيعَ المرور على البحر كاملاً فعليه أن يعيش مائة ألف سنة، وبما أنَّ الجينات قد نزعت منَّا هذا الترف، أصبحنا مضطرين لصناعة محركات الديزل والغواصات التي تعمل بالطاقة النووية لنتمكن من خوض البحر فعلاً. خوض البحر مجازاً، لا يعني خوض شيء سائل، فالمثل [كمن يغرف في البحر] يظهر الحالة السائلة للبحر، إضافة إلى الصفة الأكثر ظهوراً عند استخدامنا البحر في التشبيه، البحر هُنا هو الكبير واللانهائي، وهو الذي ناجاه الشاعر إيليا أبو ماضي في قصيدته الطلاسم والتي قمتُ أنا بتغيير بعض تشبيهاتها ومجازاتها عن قصد في ترجمتي لها، الترجمة التي لا يريد أحدٌ أن يصدَّق أنها كانت جادة للغاية ولغاية في نفسي وليست مجرَّد حالة فراغ.


      &&&



      الحالات الفيزيائية لأي مادة لا تخرج عن [الصلب ــ السائل ــ الغازي] ومع اختلاف الوحدات ندخلُ في لعبةٍ صعبةٍ للغاية، فالرمل ليس صلباً، ولكن حبَّة الرمل ليست سائلة أو غازية، ولهذا فهي صلبة، إلا أن الواقع وتجربتنا الشخصية تجعلنا ندرك أن رملَ البحر ليس صلباً. الرمل شبه سائل، ولكنه لا يسيل ولا يبلل شيئا، كما أن الزئبق وهو معدن سائل ولا يمكن أن يتبخر، قد يتكون بخار الزئبق من مركبات كيميائية، ولكن الزئبق في حالته الطبيعية [الحرة] لا يمكنه أن يكون غير سائل، مع أن التجربة والشكل الفلزي له يوحي لنا بصلابة ما.


      مع ذلك نستخدمُ الرمل في وصف الكثرة، والزئبق لأنها [ينزلطُ] نستخدمه في وصف المتحايل مثلا من البشر والأفكار، تكون الفكرة زئبقية عندما يكون وجه التشبيه الانزلاط، ولكن الثقل واللمعان لا يدخلُ في استخدامنا للزئبق، استخدامنا الواعي. أعني من مثلا سوف يشبه كتابا مهما بالزئبق، كميته صغيرة ولكنه ثقيل للغاية، كتاب مثل رسالة إلى روائي شاب يعتبر كتاباً زئبقياً، ولكن لا يمكنك أن تصف الكتاب بأنه زئبقي لأن ذلك سيوقع المتلقي في أزمة كبيرة لأن الشيوع والوصف الذائع للأشياء الزئبقية، هو أن تكون منزلطة ومتحايلة مثلا.


      &&&



      الخشب ليس صلباً، ولكن العلم يقول لك أن الخشب من الأشياء الصلبة. أنت لستَ علمياً عندما تمسك ورقة وتقر أنها من الأشياء الصلبة، العلم صارم في هذه المسألة، الورق صلب يعني صلب، ولا يمكنك أن تقول غير ذلك. ومع أنك درست الفيزياء والكيمياء والأحياء في المدرسة وقام المدرس بتحدي وعيِك في الامتحان وسألك في أسئلة الاختيار المتعدد إن كان الورق مادة صلبة وأجبتَ أنت بأنه ليس كذلك فأنت لست المخطئ، هو المخطئ عندما وضع تجربتك الشخصية ومشاهداتك أمام قرارات العلماء، وما أدراه أنَّك ذات يوم لن تكبر وتكون عالم فيزياء قوي النمط، يمكن لوصفه للأشياء أن يشيع وتتغير كلمة [الصلب] إلى آبد الآبدين. تقسم المواد كما تقسم النباتات مثلا، آلاف التقسيمات، الصلب الهش، والهش، والمائي، والصلب المائي، والمعدني الهش، وأسماء أخرى ستدخل في وعينا بعد سنين طويلة. الورقة في النهاية هي ما نستخدمه في عبارة [أبطال من ورق] يمكنك أن تشرخَ الورقةَ بسهولة، لأنَّ الورقة ليست صلبة، أنت توقع نفسك في مأزق لغوي عندما تتعامل مع الورق كمنتجات صلبة، العلم يجبرك أن تقول أنها صلبة وأنها من الخشب ولكنها ليست مربَّعة يمكنك أن تلفقَ بها رأس أخيك، إنها ورقة، ورقة يمكنك أن تشرخها بسهولة وإن لم يعجبك اشرخ شيئا آخر.


      &&&



      لديك مثلا، المطَّاط. المطاط مادَّة صلبسائلة. طبعا هذا المصطلح من عندي حسب ما أعرف ربما استخدمه أحدهم ذات يوم. يقولون كن مرناً، وهذا يعني أن تكون المرونة جيدة، ولكن البالون مرن، والبالون المنفوخ يفرقع. نلعب في الأشياء غير السائلة والمتصلة ببعضها لعبةً أكثر تعقيدا، فنحن نأخذ كلمة [من حيث] عندما أقول لك كن مطاطياً بعض الشيء، يعني لا أطلب منك أن تكون مطاطيا مثل البالونة لأن أحداً ما يمكنه أن يفتقك. كن مطاطيا مثل الربلة أو الواقي الذكري. المرونة جيدة، ولكن لها سياق محدد، المرونة هي الخيار عندما تتضاد الأشياء الصلبة، عندما تلتقي طابوقة فكرية مع خشبة فكرية، لا بد حينئذ من وضع مطاط على الخشبة أو الطابوقة حتى لا يحدث تصادم، مثل السيارات في الحديثة، السيارات الكهربائية التي تتداعمُ دون رقابة، يجب أن يكون المطاط حاضرا وإلا تهشم الأطفال الصغار، والأطفال لا يتهشمون ولكن عظامهم تفعل، إلا أن الصلابة التي نتوهمها فيهم تجعلنا نتخيلهم [جلصان ماء] تتهشم لو تداعمت. حسنا ما الذي أفعله الآن؟ أفعل شيئا ما وهو ليس حكيماً.


      &&&



      أخيرا الغاز، وهو الشيء الذي لا بد وأن يكون سائلاً لكي يسيطر عليه. هل تتخيلون علبة الفليت لو لم تكن مضغوطة؟ الغاز الذي بداخل العلبة يمكنه أن يملأ بيتاً كاملا إن احتفظنا به غير مضغوط. لا يمكن أن تكون الأفكار مضغوطة هكذا، يمكنك أن تصف الكتاب الجيد بأنه مثل علبة الفليت، ينفشُّ فور أن تقرأه في عقلك، وحينها ستلعب التجربة الشخصية دوراً كبيراً في جعلك تقتنع أن الفليت يفوق حجمه، بينما هو في الحقيقة مضغوط. نستخدم التشبيه عندما ينبزج فؤاد أحدهم، فالأفكار التي بداخله انضغطت، وهو يريد أن ينبزج، وإذا انبزج فؤاده يقوم [بفشِّ] غلّه في أحدهم، هذا تشبيه أكثر دقة للفليت، فالحالة السائلة التي عليها الفليت تحولت إلى غاز، وهذا الذي انبزجَ تحول إلى ضوضاء منتشرة، نأخذها من حيث الانتشار فقط، ولكن هذا الأخذ ليس دقيقاً أيضا، ولذلك هو شائع وذائع ويستخدمه الجَميع مثل العاهرة المهتوكة التي يضاجعها كل من لديه خمسة ريالات. إذ يمكنك أن تكون جيباً هوائياً في بركان، وسيدخل في تشبيه [الجيب] عامل الزمن، إذ الجيب الهوائي حبيس منذ الأزل، وإذا انبزج فلظرف خارجي مثل الذي يكون بخير ثم تموت زوجته وفجأة يصبح قاتلا متسلسلا، أو مريضاَ مثاليا بالوسواس القهري. هنا لم يفعل كالفليت، ولا الجيب الهوائي، لا بد أن الهواء كان منغرساً بداخله، فلنقل كما أن من يأكل الغلقاء تظهر في يهابها !!! لا بد من مصدر للهواء لأن المادة لا تفنى ولا تستحدث من العدم. إذن ثمة إشكالية كبيرة هُنا، ودخلت عالماً متشابكاً ولم أستطع الخروج منها، هي نخرج من الغازات، ولا أقول هيَّا نُخرج، وإنما هيَّا نَخرج، لأن سمطها الحاوي لها نأيت فاسمع وعِ الدرسَ كما وعيتُ.
      &&&



      كل هذا الدوار الفيزيائي الذي حولَنا، له علاقة مباشرة باللغة. وهذه العلاقة تظهر في ما نستعيره من المادَّة ونضعه في اللغة، اللعبة قد تبدو غير مهمَّة في بدايةِ الأمر ولكنها تأخذ أهميتها لاحقاً عندما يعود البشر إلى مقاربتهم الرئيسية في رؤية العالم، وبعض هذه المقاربات تسمح بإحراق الخشب والورق، أو تسمح بأن يقع الحديد على العظم، أو تسمحَ بأن تدخل النار والحرارة والبرودة أجساد البشر ومنها. دوار فيزيائي يتحول لاحقاً إلى فعلٍ مادي. حسناً منذ فترة وأنا دائر رأسي كثيراً، سعيد أنني استطعت اليوم أن أحزمَ حزمةَ القت في رأسي في مقالٍ ما سأعود وأقرؤه وأشخص الجنون الذي سيفتك بعقلي لا محالة.






      المصدر : مدونة معاوية الرواحي


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions