أتمنى لكم قراءة ممتعة
نشرت القصة في ملحق أشرعة جريدة الوطن
نبذته الجذور والفصول والحدود?،? عدا علبة السيجارة التي تعرف عليها في صباه، وحملها في صدره كوسام يلف بها العالم مغتربا، وباحثا عمن يُقدر صنعته. لم يجد المقام الذي لهث إليه بأحلامه قبل أن يصدفه في بلاد ليست من ثوبه، فعقد العزم على نسيان الماضي والبدء بصفحة جديدة في عالم الخبز الذي لن يقدر ثمنه إلا من عرف فقدانه.
****
بدأ بمخبز بسيط على قدر تحويشة العمر التي هرب بها من جشع تجار بلدته، والذين ساء لهم صنيعه عندما رفض رفع اسعار الخبز، فكادوا له مع أقرب المقربين وهو شريكه الذي أصر عليه بالامتثال لنصائح الكبار وغلق المخبز، أو الدخول إلى السجن بقضيه غش أو تزوير جاهزه لامثاله.
****
هكذا أبلغوني حرفياً بأن آمرك وإلا أقاموا عليك السجن بما يملكون من الكلمات. فجميع المناقشات الدائرة في مخبزنا مسجله لديهم بصوتك. فهم يعرفون الشاردة والواردة عنك. ولكن رأفةً بحالي كشريك في المخبز كون العقد لدى دائرة التجارة موقع بإسمي، منحونا فرص إغلاق المخبز نهائياً بالمعروف، لدواعي سفرك للخارج، وتقديراً منهم لخدمات أخي الصغير في تسجيل حديثك!
****
لم أستطع التحمل بعد هذا التضيق على الكلمات قبل الرزق، وكان لسان حالي يردد "أرض الله واسعـة...". أقمت مخبزي في زاوية لا يقطنها إلا من أنهكتهم الحياة من أمثالي. ووضعتُ لنفسي شعاراً " بالخبز نعود للأوطان ولو بعد حين"، وتعهدت على نفسي بأن أعمل ليل نهار إلى أن أُتِمَ عامي العشرين وأتقاعد.
****
يبدأ يومه في رحلته المخبزية بإشعال الفرن، ليجد المساعدين أنفسهم أمام ساعات عملٍ كاملة، وبنظام الأولوية الذي تعلمه في هذه المهنة، ومن هذه البلد التي يكون فيها الصف والأحقية لمن حضر أولاً. كان هو أول من يغمس جبينه ليخرج الخبزة الأولى التي لا يمنحها إلا لفمه متذوقاً طعمها ليضع العيب الأول لنفسه قبل أن يقدمه لزبائنه، فكثيراً ما تعارك مع المساعدين للوصول لأجود ما في صنعته، حتى أنه عندما كان يتعب او يعترضهُ ظرفٌ شديد يصر عليهم بالإبقاء على الخبزة الأولى التي يسميها خبزة الوطن ليتذوقها بنفسه ولو بعد حين. وصل صيته كل شارع في المقاطعة، وكُرم لأعوام عديدة من أعلى القيادات الوظيفية والشعبية على مهنته التي تخرج من تحت يديه أمهر الخبازين، فلقب بسيد الخبازين.
****
ختم في هذا اليوم عامه العشرين. وجد الكثيرين من زبائنه يحملون له أزهاراً، ويهنئونه باكتمال شعاره، الذي أمسى مدرسة تناولتها العديد من الجرائد والمجلات بكل اللغات عدا لغته. وهو بدوره علق عبارة على واجهة المخبز كتب فيها "هنا عاش خباز أحبكم". انتقل في رحلة مخبزه من أفقر زاوية إلى أغلى زاوية في قلب المدينة. كانت الفرحة مع الدمعة تخالج عينيه فهو سيترك مهنة أسعدته ومكاناً حمل منه صيته "الخباز العربي" .
****
جاء المشتري في موعده ليتسلم مفاتيح كل شي، والخباز بدوره قد منح كل حقوق العاملين معه، والمتعهدين لديه، فقد أغلق كل شيء عدا حقائبه التي تركها مفتوحة ليملأها بالمزيد من الهدايا لأولاد اصدقائه الذين رحلوا منذ زمن وهو وفيٌ لهم بوصالهم، وليدخل صندوق السجائر الخاص به، أو كما كان يسميه الملعون الصغير الذي لم يفارقه طوال رحلته العشرينية.
****
غادر كرسيه في المخبز غير نادمٍ على قراره في العودة للوطن الحلم، والقبر كما كان يصر أن يسميه في أحيانا كثيرة. خرج بخطوات مثقله من المخبز، وترجل ماشياً في اتجاه النهر على غير عادته التي يستقل فيها الباص. عيون جميع من في المخبز ترقبه، وتودعه مع كل خطوه يترك فيها دفئ مكانه. أشعل السيجارة ونفث الدخان بكثرة وراءه ثم أخذ يسعل بصوت عالي، فتوقف فجأة في نصف الطريق واستند على جذع شجرة لدقائق وأدار رأسه باتجاه المخبز ثم طالع السماء فسقط كومة على الأرض. اهتز كل ما في المخبز، وأطلق الجميع أقدامهم باتجاه الخباز. قطع الضوء الأزرق وصوت سيارة الإسعاف المكان لنقل الخباز -كما كان يحلم في العودة- محمولاً على ظهر سفينة تجوب به البحار باتجاه وطنه، إلا أن حدسه خاب في الاتجاه هذه المرة، ولم يتوقع أحد بأن تكون نهايته في المستشفى الكبير الذي يطل على مخبزه. لم يفلح المسعفين بمده بالأكسجين النظيف لصدره لأن سبب الوفاة كما ختم في تقريره النهائي كان العامل الرئيس فيه الدخان الذي كان يشربه بشراهة. عاد الخباز محمولاً على الأكتاف رغم أنه لم يكن فاتحاً ولا منتصراً بل مغترباً. أراد أن يكون وصوله في صمت إلى وطنه خوفاً من بقايا تسجيل الكلمات، فكان له ما أراد فلم يكن هناك لدى وصوله إلى القبر سوى سبعة شباب من بقايا أولاد الأصدقاء الذين رحلو في وطنهم منذ زمن ليس بقليل.
سعيد محمد السيابي

المصدر : مدونة سعيد السيابي
نشرت القصة في ملحق أشرعة جريدة الوطن
العودة للأرض
نبذته الجذور والفصول والحدود?،? عدا علبة السيجارة التي تعرف عليها في صباه، وحملها في صدره كوسام يلف بها العالم مغتربا، وباحثا عمن يُقدر صنعته. لم يجد المقام الذي لهث إليه بأحلامه قبل أن يصدفه في بلاد ليست من ثوبه، فعقد العزم على نسيان الماضي والبدء بصفحة جديدة في عالم الخبز الذي لن يقدر ثمنه إلا من عرف فقدانه.
****
بدأ بمخبز بسيط على قدر تحويشة العمر التي هرب بها من جشع تجار بلدته، والذين ساء لهم صنيعه عندما رفض رفع اسعار الخبز، فكادوا له مع أقرب المقربين وهو شريكه الذي أصر عليه بالامتثال لنصائح الكبار وغلق المخبز، أو الدخول إلى السجن بقضيه غش أو تزوير جاهزه لامثاله.
****
هكذا أبلغوني حرفياً بأن آمرك وإلا أقاموا عليك السجن بما يملكون من الكلمات. فجميع المناقشات الدائرة في مخبزنا مسجله لديهم بصوتك. فهم يعرفون الشاردة والواردة عنك. ولكن رأفةً بحالي كشريك في المخبز كون العقد لدى دائرة التجارة موقع بإسمي، منحونا فرص إغلاق المخبز نهائياً بالمعروف، لدواعي سفرك للخارج، وتقديراً منهم لخدمات أخي الصغير في تسجيل حديثك!
****
لم أستطع التحمل بعد هذا التضيق على الكلمات قبل الرزق، وكان لسان حالي يردد "أرض الله واسعـة...". أقمت مخبزي في زاوية لا يقطنها إلا من أنهكتهم الحياة من أمثالي. ووضعتُ لنفسي شعاراً " بالخبز نعود للأوطان ولو بعد حين"، وتعهدت على نفسي بأن أعمل ليل نهار إلى أن أُتِمَ عامي العشرين وأتقاعد.
****
يبدأ يومه في رحلته المخبزية بإشعال الفرن، ليجد المساعدين أنفسهم أمام ساعات عملٍ كاملة، وبنظام الأولوية الذي تعلمه في هذه المهنة، ومن هذه البلد التي يكون فيها الصف والأحقية لمن حضر أولاً. كان هو أول من يغمس جبينه ليخرج الخبزة الأولى التي لا يمنحها إلا لفمه متذوقاً طعمها ليضع العيب الأول لنفسه قبل أن يقدمه لزبائنه، فكثيراً ما تعارك مع المساعدين للوصول لأجود ما في صنعته، حتى أنه عندما كان يتعب او يعترضهُ ظرفٌ شديد يصر عليهم بالإبقاء على الخبزة الأولى التي يسميها خبزة الوطن ليتذوقها بنفسه ولو بعد حين. وصل صيته كل شارع في المقاطعة، وكُرم لأعوام عديدة من أعلى القيادات الوظيفية والشعبية على مهنته التي تخرج من تحت يديه أمهر الخبازين، فلقب بسيد الخبازين.
****
ختم في هذا اليوم عامه العشرين. وجد الكثيرين من زبائنه يحملون له أزهاراً، ويهنئونه باكتمال شعاره، الذي أمسى مدرسة تناولتها العديد من الجرائد والمجلات بكل اللغات عدا لغته. وهو بدوره علق عبارة على واجهة المخبز كتب فيها "هنا عاش خباز أحبكم". انتقل في رحلة مخبزه من أفقر زاوية إلى أغلى زاوية في قلب المدينة. كانت الفرحة مع الدمعة تخالج عينيه فهو سيترك مهنة أسعدته ومكاناً حمل منه صيته "الخباز العربي" .
****
جاء المشتري في موعده ليتسلم مفاتيح كل شي، والخباز بدوره قد منح كل حقوق العاملين معه، والمتعهدين لديه، فقد أغلق كل شيء عدا حقائبه التي تركها مفتوحة ليملأها بالمزيد من الهدايا لأولاد اصدقائه الذين رحلوا منذ زمن وهو وفيٌ لهم بوصالهم، وليدخل صندوق السجائر الخاص به، أو كما كان يسميه الملعون الصغير الذي لم يفارقه طوال رحلته العشرينية.
****
غادر كرسيه في المخبز غير نادمٍ على قراره في العودة للوطن الحلم، والقبر كما كان يصر أن يسميه في أحيانا كثيرة. خرج بخطوات مثقله من المخبز، وترجل ماشياً في اتجاه النهر على غير عادته التي يستقل فيها الباص. عيون جميع من في المخبز ترقبه، وتودعه مع كل خطوه يترك فيها دفئ مكانه. أشعل السيجارة ونفث الدخان بكثرة وراءه ثم أخذ يسعل بصوت عالي، فتوقف فجأة في نصف الطريق واستند على جذع شجرة لدقائق وأدار رأسه باتجاه المخبز ثم طالع السماء فسقط كومة على الأرض. اهتز كل ما في المخبز، وأطلق الجميع أقدامهم باتجاه الخباز. قطع الضوء الأزرق وصوت سيارة الإسعاف المكان لنقل الخباز -كما كان يحلم في العودة- محمولاً على ظهر سفينة تجوب به البحار باتجاه وطنه، إلا أن حدسه خاب في الاتجاه هذه المرة، ولم يتوقع أحد بأن تكون نهايته في المستشفى الكبير الذي يطل على مخبزه. لم يفلح المسعفين بمده بالأكسجين النظيف لصدره لأن سبب الوفاة كما ختم في تقريره النهائي كان العامل الرئيس فيه الدخان الذي كان يشربه بشراهة. عاد الخباز محمولاً على الأكتاف رغم أنه لم يكن فاتحاً ولا منتصراً بل مغترباً. أراد أن يكون وصوله في صمت إلى وطنه خوفاً من بقايا تسجيل الكلمات، فكان له ما أراد فلم يكن هناك لدى وصوله إلى القبر سوى سبعة شباب من بقايا أولاد الأصدقاء الذين رحلو في وطنهم منذ زمن ليس بقليل.
سعيد محمد السيابي
المصدر : مدونة سعيد السيابي
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions