نحن والبيئة
تبدو كلماتٍ مثلَ (هذا خيارٌ بيئي) أو (منتج صديق للبيئة)، عندما تستخدم في عُمان كلماتٍ غريبة وفجَّة وخارجة عن المألوف، ولا ينجو مستخدم هذه الكلمات أو الجمل من تنميط بشعٍ جداً يمارس عليه، فكلمة [البيئة أولاً] ليست كلمة شائعة ومتداولة من قبل نساء ورجال الشارع العُماني.
ليس من المنطقي أبدا أن تناقش أحد الشيَّاب في البيئة التي يؤمن هو تَماماً أنه يعرفها أكثر منكَ، ليس منطقياً طبعاً لأنه بداهة يعرف الأرض أكثر مما نعرف نحن، ولم تكن الأخطار الكثيرة التي هي اليوم بيننا موجودة في زمانِه. لا ألوم أحداً هُنا، فلم يكن للعجوز الثمانيني الآن أن يعرف المواد الملوثة واحدة واحدة، كان يمضي في الزراعة دون أسمدة فوسفاتية أو نيتروجينية، أو بوتاسية. وإنما بزوغها بشكل مفاجئ في عصور لاحقة بعدما تعوَّدنا جَميعاً على البيئة العُمانية في مجتمع لم يكن ذا كثافة سكَّانية مذكورة قبل أربعين عاماً. الصورة المأخوذة عن الدعاة إلى حفظ البيئة صورة يولِّدها المجتمع ويعيد توليدَها كما يفعل غالباً حيال دعوات أو رؤى يختلفُ معَها، لتصبحَ ضرباً من ضروبِ التأثِّر بالغرب أو الفروطيةِ التي لا ينبغي إتيانَها أو جلبِها إلى حديث عاقلٍ بين أولاد الناس !!
إن جئنا لتواصِلنا مع البيئة يخرجُ الأمر عن يدِنا إلى السيوح الهائلة التي تمتلئ بها عُمان وحتى مع اقتناع البعض أن مناطقَ مأهولة جداً بالسكان مثل مسقط تحتاج إلى تعاملٍ بيئي خاصٍّ فإنَّ الفراغ الشاسع والصحاري الواسعة التي تحاصرنا تجعلنا نشعرُ كم الأمر أحياناً غير مجد، غير مجد أن تستبدل الكيس البلاستيكي الذي يضمن لك بقاء علبة الشامبو التي اشتريتَها مكانَها بكيس قُماشي عليه شعار برَّاق، لا يمكننا أن نشعر بما يمكنني أن أسميه [نقص البيئة] أمام هذه المساحات الشاسعة غير المستغلة من سيوح عمان.
ليس لأنَّ البيئة لا تستحقُّ ولكن لأننا لا نرى الأثر المُباشر على البيئة علينا، أعني من الذي سيدرس أثر تلوِّث كيماوي مثلا بالقرب من منشأة كَبيرة ويقرنُه بأعداد المصابين بالسرطان والتشوهات الخلقية؟
من هذا الذي سوف يفرغ وقتاً وجهداً ويستخدم الشبكات الاجتماعية الموجودة للوصول إلى هذا الربط بين منشأة ما وخلل بيئي خَطير. الفكرة غير مطروحة بشكلِها العِلمي المُقنع، وإنما بالتكهنات والقلق حيال الغوامض والشعور أن الجسد منتهك من قبل كيمياء الأرض كلَّها.
كذلك الأمر عندما نتحدث عن الصرفِ الصحي. الفكرة برمِّتها تبدو جديدة فحتى مع قناعتنا المبدئية أنَّ مثل هذا المشروع ضروري ومهم للغاية ثمَّة قناعة مترسخة بداخلنا أننا عشنا الطفولة وجزء من سنوات الشباب دون اللجوء إلى نظام صرف صحي متكامل، لا يبدو الأمر مقلقاً أو مربكا وحتى مع وجود مشاهدات هُنا وهُناك للتجمعات السكنية التي بدأت تطفح بمجاريها على السكَّان فإنَّ شعوراً ما بالرضى يكتنفنا، شعور يجعلنا ننزعج من العمَّال الذي يشقُّون الأرض بدأب لتوصيل أنابيب التخلص من الركام البشري المزعج، شعور يجعلنا نقدِّم أنانيتنا ورغبتنا في نوم الظهر دون معدَّات تحفر الأرض دون أن ندرك الأثر البيئي بعيد المدى لمشروع مهم للغاية مثل مشروع الصرف الصحي.
كعُمانيٍّ متصل إلى حدٍّ ما بالمجتمع أجد أنَّ التعامل مع مشاريع بيئة مهمَّة للغاية لا يخرجُ عن التنميط المعتاد الذي يُمارس تجاه المطالبين بالتغيير كما هو الحال مع الذين ينظرون إلى مجلس الشورى كما لو كان فكرة مترفة وليس شأنا جوهرياً يمارس فيه المرء حقوق المواطنة التي أقرها النظام الأساسي للدولة.
إنه ذلك الشعور الممض أننا بخير وأنَّه لا يوجد خطر محدق هو الذي ولَّد حزمةً من السلبية تجاه حاملي المشاريع البيئية، فبينما نرى بعض الشركات والحَملات تنطلق لتنظيف الشوارع يبقى عدد كَبير على جانبي الطريق مستغربين، والذي تجمَّل وتلطَّف ولم يلق تعليقا ساخراً مُحرجاً فإنَّها سيكتفي بالاستغراب أن يخرج مجموعة من البالغين في ثياب زاهية معَهم الكاميرات والفكرة فقط تنظيف شاطئ ما من أكياس البلاستيك.
علينا أن نعترف أننا لا نعرف الكثير عن البيئة في عُمان، ولا نعرفُ الكثير عن الآثار المرعبة للمشاريع الهائلة التي يزيد عددها حالياً، لا يعنينا أن نجلسَ أسفلَ برج اتصالات أو ننصتَ إلى أسوأ تلوِّث ضوضائي في عُمان، أو تطفح البالوعة قليلاً من مائها، فمنذ كنا أطفالا ونحن بخير ونعيش ولم تكن البيئة ضمن مصادر القلق الذي علينا أن نعيشه.
وعلى البيئة إن أردنا أن نهتمَّ بها أن تأتي إلينا وتقرصنا في يدِنا قرصة موجعة لكي ننتبه فجأة إلى أنَّ شأنا حيويا للغاية اسمَه البيئة نسينا أن نغرسَه في أبنائنا والذين سيوف يأتون بعدَنا، وكما فعلَ الذين سبقونا فإننا في بعض الأحيان نفكِّر مثلهم، نعتقد أن عُمان ستظلُّ دائما تلك البلد ذات الكثافة السكانية البسيطة والتي ستظلُّ مليئة بالسيوح الواسعة التي لن تضيق عن الناس الذين يريدون الاستقرار بها، حسنا ها هي المعادلة تنقلب قليلا، ويمكنني أن أقول أن الأمر بدأ من مسقط، بدأ عندما بدأت الكثافة السكانية تتسع وأصبحت الحاجة للاعتناء بالبيئة ومُشاركة المجتمع كونَه المؤثر والمتأثر بها ملحة وضرورية.
أجزمُ أنَّ حمل خطاب شعبي من أجل البيئة لن يكونَ فقط بالحمل الإيجابي للخطاب، لن يكون بالإغراء والشرح العلمي والأفلام الوثائقية عالية الجودة. ثمَّة إخافة يجب أن تُمارس [إهابة] كما يقول المصطلح الدائم في الصحف، يجب أن يهابَ المرء ما يفعله بالبيئة لأنَّها ستعود وتقرصه قرصة موجعة في يديه. يجب استحضار كل المُخيفات في الأرض لكي تنغرس الفكرة عَميقاً، ولعل الحملات الاجتماعية والحكومية التي تُمارس الآن من أجل إيقاف مذابح حوادث المرور تفيدُ بعض الشيء من أجل التوقف عن القتل غير الرحيم للبيئة.
نسينا كما نسيَ آخرون قضيةَ البيئة في ظلِّ تطلعات كَبيرة لواقعٍ مُختلف اقتصاديا، والذين كانوا في يومٍ من الأيَّام مؤيدين كباراً للوضع أصبحوا اليوم في شكِّ من أمرهم يقولون: ها هي الآية تنقلب فماذا نحن فاعلون؟؟
المصدر : مدونة معاوية الرواحي
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions