العداء .. نتيجة لانتفاء الحوار ..
سرد خالص الحب عن عُمان والعُمانيين ...
ثمَّة شيء اسمه [التقبُّل]. وهذا الشيء لا يعني بالضرورة [القبول] وأتكلم هنا عن المعاني المتعارف عليها للكلمتين.
كما أفهم فإنَّه يمكنك أن تتقبَّلَ حقيقةً صعبةً عليك، مثلَ أن تقبل امرأة ما الزواج من رجلٍ مدخِّنٍ، هي في حقيقةِ الأمر [تتقبَّلُ] كونها مدخناً لتنازلاتٍ معيَّنة هي ملزمة بها، مقارنةً بأشياء هذا الرجل يمكنه أن يوفرها، لعل أهمها الاستقرار والوعد بالإخلاص، والأهم حزمة لاحقة من الحيوانات المنوية تؤسس عائلةً.
إن عدنا إلى جوهر وصميم المرأة الفكري سنجدُ أنَّها من المستحيل أن تقبل حقيقةَ أنَّ [تتزوج برجل سوف يموت بسبب السجائر] وتتغاضى عنها لحقيقةٍ أخرى هي [ليس بالضرورة أن يصاب بالمرض، وربما سأقنعه بتركها]، بل ربما يصل بها أملُها إلى أن يصيبه التهاب حاد في الصدر يدفعه لترك السجائر، بالطبع التهاب غير قاتل، فتأخذ هي بذلك بقاعدة: الضرر القليل يدفع به الضرر الكبير.
&&&
إن خرجنا [وكأننا دخلنا من قبل في شيء] [1] من الثنائية، أو العلاقة بين رجلٍ وامرأة إلى العلاقات الإنسانية بشكلٍ عامٍ، فإنَّ بعض الأشياء ستسقطُ من المثال السابق [وكأن بعض الأشياء في الأصل عالقة بالمثال]، ستسقطُ على اعتبار أن الشروط في العلاقات الإنسانية مختلفة عن تلك التي تكون بين رجلٍ وامرأة. وهُنا سأتحدث عن الحوار الإنساني بين الناس الموجودين في مجتمعٍ واحدٍ، ولأخصص، في مجتمع مثل المجتمع العُماني. يجب أن نتفق في البداية على قاعدة نسير عليها، وهي أنَّ الناس مختلفون، ولعلكم أنتم من أكثر من يستخدمون هذه العِبارة " أصابعك ليست واحدة " مع أن الأصابع مختلف فقط في الطول، والطول مستخدم في العادة في التفاوت بين [المستويات] فهذا رجل [عالٍ المقام] وهذا رجل [وضيع] فالجيد يكون فوق، والسيئ يكون تحت وهذا خلل في التشبيه، خلل لعله يقود إلى خللٍ في الفكرة، ولكن ليس بالضرورة سيعبر الناس عن أفكاره بتشبيهات دقيقة، لذلك سنتجاوز نقد التشبيه هُنا، وننطلقُ إلى الفكرة نفسها.
يدرك الجميع في عُمان أن أطيافاً فكرية متعددة تسكنُ في هذه البلد وتتفاعل مع الأطياف الأخرى، هذه حقيقة بديهية [يتقبل الجَميع وجودها]، ولأننا حالياً، ولا سيما كجيل شاب ليس لدينا خبرة سياسية، وليست لدينا أحزاب أو أي شكل سياسي سوى حزب القبيلة، فإنَّ المرجعية الذهنية التي نستخدمه هي مرجعية [الأصلي ـــ غير الأصلي] أي نفترض أنَّ القبيلة هي مرجع أخلاقي وقيمي وعاداتيّ يمكنُ أن نستخدمه كمصدر لنحدد ماهية السلوك، والعادات والأفعال التي سنقوم بها.
الشخص الذي تجرَّع فكرة العروبة حتى النخاع، والذي انغرست فيه مفاهيم مثل [اللون ــ الأصل] سوف يجيِّر البلاد تلقائياً لتكون بلاد عربية النزعة، بيضاء اللون [مع أننا في الأصل ملونون وفق التعريف العالم] ولو كان إباضياً مثلا لزادَ في غلوائه لكي يعتبرَ عُمان بلاداً أباضية، قبلية، يسكنها أولاد العرب والخدَّام والبياسر بالنسبةِ له مجرَّد إضافات [يتقبَّل وجودها] بصعوبة بالغة. والخطاب الذي يرسِّخ هذا المفهوم هو خطاب ثقافة اجتماعية، فمن الناحية السياسية النظام السياسي الوحيد الموجود في عُمان [الدولة] يحاولُ جاهدا أن يتعايش مع هذا المأزق الفكري الموجود في المجتمع، ولذلك فإنَّ مسائل معيَّنة مثل الأبيض والأسود لا تدخل في خطاب الدولة، مثلا عندما يتم تعيين رجل أسود اللون، أو تقديم امرأة أو رجل من الفئة سوداء اللون، أو فلأسميها هُنا [الأكثر تلوناً] فإنَّ الحديث لا يمكنه أن يدخلَ في القيمة السلالية لهما، فالقيمة السلالية وفق التعريف الاجتماعي ضعيفة للغاية، ويتم استبدال القيمة السلالية بالقيمة السياسية. مثلا لو كان لدينا في عُمان وزير خادم، فإنَّ المجتمع تلقائيا سيتجاهل هذه الحقيقة [ويبلع] الأمر على اعتبار أنَّ القيمة السياسية للسلطان قابوس أكبر بكثير من هذه الثقافة، بالطبع ثمة مستويات للقبول، لو كان هذا الخادم عقيداً في الشرطة ربما ينفجرُ في وجهه أحد القبليين، ولكنه سيعاني من مشاكل جمَّة أمام القانون. وبسبب هذا المأزق الفكري، والاجتماعي، لا نجد أن سود البشرة في عُمان يمارسون ثقافة سوداء، أعني هم يحاولون الاندماج في المجتمع كأحرار، وهذا ضرب من ضروب التقبّل، التقبل الذي يدرك الطرفان أنهما في كفة غير عادلة ولكنهم يتغاضيان عن هذه الحقائق، يتغاضيان سياسياً وفي ما يخص الشؤون العامَّة بين البشر كالبيع والشراء والعَمل، ويبقى الوضع كما هو عليه، يتزوج الخادم خادمة، ويتزوج البيسر بيسرةً، ويتزوج الحر حرَّة، مع أن القانون، والسياسة، والعالم، والمنطق، والعدالة تقول أنَّ الجميع سواسية، إلَّا أن الحوار الذي بينهما اتفق على ترك بعض الأشياء معلَّقة، ولذلك لا تظهر المشكلة إلا عندما يريد اثنان من العُمانيين كسر شوكة هذه القاعدة، فيتدخل القانون، والدولة ربما تدخلات [مُطفئة] للفتنة، أكثر مما هي تدخلات تقدم حلا جذرياً وإنسانياً، وبالطبع فإنَّ سجل الفتن في عُمان في الأربعين عاماً الفائتة يسجل معدلا قياسياً من التصالح والتواؤم والفضل الرئيسي يعود للدولة، التي استخدمت بذكاء بالغ أدواتِها في [التهدئة] وفي إطفاء بذور الشقاق أنى ظهرت.
المؤسف فقط أنَّها مؤخرا ــ الدولة ــ بدأت تعود إلى ترسيخ هذا المفهوم، وبدأت تعيد الأشياء إلى القبلية، وبالنسبة لي ــ كإنسان يميني بعض الشيء ــ أتفهم رغبة أي نظامٍ في الأرض في حفظِ نفسه، فما لأي إنسان أن يتوقَّع مثلا أن نظاما حاكما مثل حكم أسرة آل سعيد لعُمان أن يسمح لنفسه بالزوال من أجل مجموعة من القيم التي يمكنُ للنظام غرسها وقلعَها من المجتمع ببساطة في بعض تجليات هذه القيم، وبصعوبة في بعض التجليات الأخرى.
&&&
أجدُ في طرح بعض الناشطين السياسيين والقانونيين والإنسانيين في عُمان بعضَ الاتكاء على المَفاهيم التي وضعتها الدولة، مفاهيم مثل العدالة والإنسانية والتنمية وحقوق الإنسان في أطروحاتهم. وصحيح أننا بعيدين كلَّ البعد عن نشاط حقوق الإنسان الفعلي، فلا يوجد لدينا نشطاء يتحدثون باسم [سود البشرة] ولا يوجد نشطاء بلوش يطالبون أن تعلَّم اللغة البلوشية في المدارس ــ كونها من لغات عُمان ــ أو نشطاء من السواحيليين يطالبون بتعليم اللغة السواحيلية في المدارس ــ كونها من لغات عُمان ــ أو نشطاء مذهبيين يطالبون بجعل مناهج التربية الإسلامية اختيارية في المدارس، اللوبي الإباضي يحاولُ جاهدا تسييس الأمر، بمقاربة سياسية ذكية مع الدولة التي تخالف بداهةً عقيدة المذهب من حيث الحدود والإمامة، ويحاولون الإبقاء على الدعوة الأباضية قائمة، كما لو كان زمن الدعوات باقياً، وكذلك أصحاب النزعة القبلية، والتحالف القبلي، الديني، السياسي، ليس بغريب على أيِّ عُماني، ولولا عدم رغبتي في الخوض في تفاصيل عائلية لاستخدمت ما قام به أحد العُمانيين في تزويج أولاده وبناتِه مثالاً واضحاً على ذلك، إلا أنني وكما قلت لكم، لا أريد أن أخوض في تفاصيل عائلية لإنسان عُماني مهما كانت أهميته في الدولة، ففي نهاية المطاف الكتابة في مدونة عامة عن إنسان عُماني يعد ضرباً من التعدي على حريته الشخصية مهما كانت صفته الاعتبارية.
&&&
إنَّ مفاهيم مهمة للغاية مثل [الحرية الشخصية] لم تتبلور وتظهر وتدخل في النسق السلوكي الاجتماعي العُماني حتى هذه اللحظة. لدينا في عُمان مجموعة من السلوكيات الجاهزة التي يعدي بها الناس بعضهم بعضاً، وبالطبع فإنَّ إسلامية الدولة تجعلُ من هامش الحرية الشخصية، هامشاً عليه ألّا يتجاوز الدين، ومع إدراك كثيرين من الفئة المتدينة القطعي أن الوصول إلى الحالة المثالية التي لا يعصي فيها كل الناس رب العالمين مستحيل، تجدُ أنَّ أية محاولة لجعل الحريات الشخصية [حقاً] من الحقوق تبوء بالفشل وتتعرض لتصدٍ هائلٍ من قبل اللوبي الديني وطوائفه الكثيرة، الطوائف التي كانت في يومٍ من الأيام مؤثرة وكبيرة حتى قررت فئة منهم الخروج عن التعاليم المتصالحة [لأحد كبارهم] وإدخال اللوبي في معمعة سياسية لولا حكمة السلطان وسعيه لإيقاف الفتن لكانت من المفرقات في المجتمع العُماني.
&&&
الحكومة العُمانية بقيادة جلالة السلطان أطال الله في عمره، هي التي تدير أعتى المعادلات وأكثرها تعقيداً، ولعل النجاح الرئيسي الذي يحسبُ لها هو استطاعتها إدارة علاقتها مع المجتمع الدولي من جهة، وإدارة علاقاتها الداخلية مع مجتمعاتها الداخلية من جهة أخرى. وفي حالة الحكومة أعتقد أنها تدخل مراهنة خاسرةً إن كانت تعتقد أن البساط سيبقى دائماً تحت قدميها كونَها المؤثر الرئيسي على عيش الإنسان العُماني.
أعني بعبارة [المؤثر الرئيسي على عيش الإنسان العُماني] أن الحكومة تدخل في كافة تجليات حياة الفرد في عُماني، فحتى زمنٍ قريب أكثرية العوائل العُمانية تستمد دخلَها بشكل أو بآخر من وظيفة حكومية، وحتى مع الهامش البسيط الذي يشكله قطاع مثل [القطاع الخاص] فإن معظم العُمانيين ــ عدا فئة الشيعة المتعلمين ــ يستمدون رزقهم وعيشَهم عبر بوابة الحكومة، وهذا بالطبع ما يعطي للحكومة سيطرة كبيرة على الشعب، أعني هذا الوضع تلقائي وطبيعي وليس مختلقاً ففي دولة بزغ النفط فيها قبل خمسة وأربعين سنة لا تتوقع أن تجدَ خطاباً تعبوياً من أجل جلب مصادر دخل للدولة، وإنما الخطاب الدائم هو [توزيع الثروة] ولا يختلف اثنان على أن التوزيع العادل للثروة لن يكون سوى بتوزيع النفط على الشعب واحداً واحداً، ولكننا لسنا في ليبيا الآن، والدولة التي لم تكن مجحفة كثيرا في حق التنمية استطاعت إدارة شؤونها وإرضاء مواطنيها لسنوات طويلة، حتى الآونة الأخيرة التي بدأت صفة الدولة الريعية في عُمان بفقدان بعض ملامحها، وهذا ربما ما جعل الدولة تتبنى مقاربة قبلية، تسيطر على المجتمع من خلال رؤوسِه، وإن كانت الرؤوس قد محقت وسحقت في ظل النظام القانوني ونظام العدالة فلا مانع من إعادة [ترئيس] بعض البشر، أي جعلهم رؤوساً لكي تسهل الدولة على نفسها السيطرة على فيوض البشر، ولا زلت مؤمنا أن هذه معادلة خاسرة للغاية، فلا يمكنك الآن بعدما منحتَ صفة قانونية للدولة أن تعود لتلعب بورقةِ السيادة مرَّة أخرى، أعتقد أن هذه المعادلة سوف تبوء بالفشل أما جموع العُمانيين الذين يخرجون كلَّ يوم ليجدوا أن مستقبلهم محفوف بالخطر، ولا سيما مع النزعة الاستثرائية التي تغلب على المسؤولين العُمانيين، وإدراك الجَميع أن الفئران أول من سيغادر السفينة الغارقة، وأنَّ معظم هؤلاء الذين يتشدقون الآن بالوطنية والوطن سيكونون أول من يغادر البلد في حال جدَّ الجد، أو مثلا لا قدر الله توفى جلالة السلطان وساءت الأمور من بعد جلالته. وبينما يغرقُ البعض حتى الآن في خطاب مكافحة الفساد، أو في خطاب التوزيع العادل للثروة، يتبنى قلة من العُمانيين، أو من الكتاب العُمانيين خطاباً استراتيجياً هدفه إعداد البلاد للمرحلة الجديدة، المرحلة التي ستقتضي تنازلات أوسع، ولكن هذه المرة التنازلات لن تكون أمام الداخل. وإنما ستكون أمام الخارج.
دعوني أوضح لكم بما أعنيه بالتنازلات. إن أي نظام أو أية مجموعة من البشر لا بد أن يجمعها مع بعضها البعض خصائص وتشابهات أيدلوجية وقيمية، مثلا يمكنني أن أطلق أن عُمان من أقصاها إلى أقصاها تتبنى قيم العائلة وتقسيم المجتمع إلى عوائل، ولا تجد في عُمان خطاباً شبابياً، فالخطاب الشبابي له قيم من الصعب أن تدخل الآن في المجتمع العُماني. مثلا الدولة في عُمان مسلمة، ولكنها تقبل بالكحول فيها [تنازل أمام الداخل] ولا تقيم الحدود [تنازل أمام الخارج] وتعطي لشيوخ الأباضية الكثير من النقود لبناء معاهد لحفظ هذا المذهب [الأمر الذي لا أعترض عليه كون المذهب حوافظ الهوية العُمانية] وهذا تنازل أمام الداخل فالدولة ليس بمقدورها أن تتساهل مع هويتها، ولا سيما مع المد السلفي السعودي، أو المد التشيعي، ومع ذلك والحمد لله فعُمان بخير بعيدة عن الفتن المذهبية، إلا ربما إن قامت الحرب على إيران وظهر المذهبيون لبث دعاياتهم، وهُنا يمكنني أن أعلن صراحة أنني سأكون مع [قمع] هؤلاء بكل شراسة، وربما سجنهم وإيقافهم عند حدهم وإغلاق مواقعهم ومنتدياتهم، وحتى ربما إغلاق مساجدهم بقوة الشرطة، سواء كانوا مذهبيين أباضية، أو سنة، أو شيعة.
أعود لما كنتُ فيه، وهذا الشيء الذي يبدو لي أن كثيرين لا يحسبون حسابَه وهو أن عُمان تدخل الآن مرحلة ستتفاعل فيها مع المجتمع الدولي بطريقة أكبر، والسبب الرئيسي هو سبب اقتصادي له علاقة بالعيش والرزق، الدولة في مأزق كبير اسمها [انتهاء فورة النفط] وانتهاء فورة النفط العاجلة أو الآجلة قادمة لا محالة، طبعاً لدينا السياسة هادئة ولذلك استطاع ملف عُمان المرور أمام الوكالة الدولة للطاقة الذرية، ولكن لدينا مشاكل أخرى، لدينا السياحة التي نريد أن نجعلَ منها مصدراً من مصادر الدخل، حسناً الآن تظهر مشكلة جديدة، وهي أن الدولة مؤخراً لم تكن عادلة في توزيع المقدرات السياحية للبلد، وسوء العلاقة بين المجتمع والدولة في ازدياد، فلكي تدخل عُمان عالم السياحة من أوسع أبوابه عليها أن تقدم للمجتمع الدول ما يثبت للمجتمع الدولي استقرارها ووحدة صفها الوطني، وكذلك سلامة القوانين وحقوق الإنسان فيها.
عندما تتحدث عن دول الجوار، وعن الدول العربية [التي لا ينتظر منها خير سوى بعض التبادل الاقتصادي] فإن الشروط لا تتجاوز الموجود في الدولة نفسها، أعني سيما أخت مقزح، والدول العربية تكاد تكون سواء في مآسيها العلمية، وفي بعدها عن البحث العلمية، وفي العوائق الأيدلوجية الكبيرة التي تجعل من الدول العربية رجل العالم المريض بعدما شفيت الدولة العثمانية السابقة وأصبحت [دولة صاحية جداً].
&&&
بسبب أزمة الخطاب الثقافي والإعلامي إن مشكلات عُمانية كبيرة مثل [ماذا بعد عصر النفط؟؟] والمشكلة الأكبر [ماذا بعد السلطان قابوس؟] غير مطروحة على الإطلاق، وللأسف الشديد الخطاب القائم لا يخرج عن خطاب أن يسلمَ المرء، وأن يعلم أبناءه ويذهب الباقي للجحيم، ولعمري ليس هذا سلوك من يحب عُمان ويصبر عليها، طبعاً سيقفز لي آلاف الناس ويقولون [ولكن هل أضيع عمري من أجل أناس لن يقدروا عملي أصلا] أقول لهم، نعم أضع عمرك وحياتك من أجل أناس لن يقدروا عملَك، يمكنني أن أكون بهذه الشوفينية في حب عُمان، أعني في النهاية أنا أعرف أنني عالقٌ بها حتى أموت، وحتى إن سافرت فسأسافر لأرجع، والكثيرون الذين جابوا الآفاق عادوا، العُماني في نهاية المطاف سيعود وليس لدينا ملايين خارج عُمان، كلنا على بعضنا ثلاثة ملايين.
&&&
إن الهامش الوحيد الذي أفكر فيه ــ وأنا إنسان غير متخصص ــ هو التعليم، الذي يجب أن توسع الدولة قاعدته وأن تبدأ بالتعامل مع الكفاءات العُمانية ككفاءات قابلة للتصدير، وتفعل كما فعلت الهند والأردن، وغيرها من الدول التي تعايشت مع الأزمة وقدمت تنازلات أيدلوجية وثقافية من أجل إبقاء [العيش]، أعني لا يسود في عالم الفقر والجهل إلا التشدد والفوضى، ولنا في طالبان مثل [أعني أي نظام هذا يبيع المخدرات من أجل نصرة الدين؟؟؟ بربكم هذا كلام؟؟؟] نحن مقبلون على مرحلة صعبة للغاية، مرحلة غاية في الصعوبة ويجب علينا أن نتعامل معَها ببراغماتية وبواقعية، لا بعاطفية وبمقاربة سياسية إصلاحية.
إن لم تكن عُمان مطالبة اليوم أمام الداخل والخارج بحل بعض المشكلات الكبيرة فيها [مشكلات ثقافية ــ اجتماعية] وتبدأ بخلق واقع جديد مختلف مبني على قيم بعيدة عن القبلية وعلى تقريب العائلات، فإنَّ الأزمة ستتسع، والعُماني الذي يعيش اليوم ويطلب ليل نهار مساعدة من الديوان، أو يطلب وظيفة لولده بواسطة ولد العَم، غداً سوف يجدُ صعوبة في أن يقنعَ بالعودة إلى مزرعته [التي لا ماء فيها] أو العودة إلى مسجده [لتراجع الخطاب الديني الإسلامي في العالم أجمع] أو العودة حتى إلى مجونه وعبثه [بسبب غياب المال] الحل هو في الخروج إلى الخارج، الخارج الذي هو ليس الدول العربية، مع أننا بدأنا بشكل متواضع في قطر.
أستغرب من بعض العُمانيين الذين يؤججون المشاكل مع حليف استراتيجي مثل الإمارات، أعني من بين كل دول العامل لا أعتقد أن حليفا استراتيجيا سيكون لعُمان مثل دولة الإمارات العربية المتحدة، هل أنتم بعقلكم؟ لديكم دولة تكادُ تلفظ أنفاس نفطها الأخيرة وستبدأ عاجلا أم آجلا بمحاولة إيجاد مصادر أخرى، والفترة التنموية التي عاشتها عُمان لأربعين سنة سوف تتراجع وتُضرب في الصميم إن لم يكن هنالك تحرك استراتيجي يضع مصلحة عُمان ومصلحة العوائل العُمانية فوق كل اعتبار، أعني يمكنني فعلا أن أعتبر الذي يؤجج أي خلاف مذهبي، أو طائفي، أو حدودي، أو ثقافي مع دول الجوار غبياً ومتخلفاً وأحمق، كيف يمكنك أن تفعل ذلك ونحن الآن مقبلون على مرحلة جديدة، مرحلة لن نكون فيها كما كنا، نستند على آبار النفط، وعلى وجود السلطان قابوس الذي يحبه الجَميع. يجب أن نكون واقعيين، والعُمانيون ــ أنتم ــ الذين تصبرون الآن على الكثير، على الغلاء، وعلى استغلال البنوك التجارية لكن، وعلى فرص التعليم الرديئة، وسوء الجامعات الخاصة، وعلى الخدمات الصحية التي تزداد سوءاً، والتي لن تزيد جودةً والخطاب الثقافي الاجتماعي أصلا يشن حملات كراهية تجاه العاملين في الخدمة الصحية [هذا بدلا من أن نقول لهم شكراً على كفاحكم وتعبكم، وتحملكم عناء الخدمة كالحمير دون مقابل مادي بسبب التقتير على الخدمة الصحية] ومشاكل سوء استخدام الموازنات، ومشاكل الكفاءات المغادرة في الحكومة والخطاب السيء الذي يسفر كل يوم عن أشخاص حمقى جدد يمسكون شؤون المواطن، وخيرة الشباب والكفاءات يغادر أهمهم لخدمة الأجهزة الأمنية [التي ستتضاعف أهميتها في المرحلة القادمة]. آخر ما نريده في هذه المرحلة، هو استخدام أدوات مذهبية، أو دينية، أو أي شيء آخر لإقناع المجتمع، أي شيء غير وحدة صف وطني، وغير خطاب مختلف عن خطاب التنمية، خطاب اسمه [إخراج عُمان من أزمة اللامستقبل بعد النفط وقابوس]، ولا أعرف من سيكون صالحاً لحمل هذا الخطاب، صدقوني لا أعرف، ولا أتمنى أن يأتي اليوم الذي سيقود فيه عُمان ويقود خطابها الثقافي المطاوعة الذين سيعودون بنا إلى العصور الوسطى، أو يقود عُمان النازعون إلى الثقافة الغربية ويجعلون من عُمان مستنقعاً أمريكياً، أو يقود عُمان مجانين القبيلة الذين سيرجعون عالم القبائل وشيوخ القبائل. الحقيقة، والواقع، وكل شيء يقول أن علينا نبذ مخاوفنا، وإصلاح شؤوننا التعليمية والثقافية والإعلامية والدخول في حوارٍ مع العالم، حوارٍ يجب أن يكون متكافئا ويراعي الخصوصية العُمانية التي هي ليست إلهية وإنما من فعل البشر، والبشر الذين صنعوا خصوصياتها سيصنعون ويحافظون عليها.
&&&
من الأشياء التي تجعلني فخوراً كعُماني هي تلك النزعة العُمانية المتصالحة مع الكثير من الأشياء، ومن الأشياء التي تؤسفني غياب ثقافة [تقبل الآخر] والاكتفاء بالقبول الضمني له، العُمانيون مثلا يتصالحون مع الشواذ جنسياً، ولكن اليوم الأغبر سيحل على أية واحدٍ منهم يريد منهم معاملته كإنسان، وحتى مع شيوع شذوذ بعض الكبار في الدولة جنسياً، لا تجد العُمانيين يتخذون موقفاً شرساً منهم [وأجد أن هذا شيئا حسنا] ففي نهاية المطاف الشرع لا يقيم الحد بالتخرص والظنون والتكهنات وإنما له شروط صعبة لإثبات الواقعة وتدرأ الحدود بالشبهات، وحتى لو كان أمامك واحد يدب فيه الخنث من رأسه إلى قدميه لا يمكنك أن تقيم عليه الحد لأنَّك [تتكهن] أنه خنيث، ولكنَّ عليك تقديم دلائل، وأجد أن الدولة العُمانية وضعت القانون حكماً، ومع أن القانون الآن ليسَ في أحسن أحواله، ولكنني شخصيا أجد أن التجربة القانونية عاجلا أم آجلاً سوف تتطور وتتجه للأحسن، ووكلاء الادعاء وبمن فيهم المدعي العود حسين الهلالي مدعي عُمان العام سوف يأخذون التجربة إلى عالمٍ أفضل، أعني صحيح الكلام كثير عن الأخطاء، ولكن إن شئنا أن نكون استراتيجيين لا يمكننا سوى أن ندعم مؤسسات القانون، ففي نهاية المطاف لن نثق إلا بالقضاة، ولن نثق إلا بالقانون، حتى لو أراد شيوخ القبائل تنصيب أنفسهم قضاةً على البشر. كل يوم وأنا راجع من العَمل أمر على مبنى الادعاء العام [الضخم والكبير جداً] في مرتفعات المطار وأدرك تَماماً أن للقانون صولة وجولة مختلفة عما هي عليه الآن، والوضع الجديد سوف يجعلنا مطالبين بالنظر في القوانين، وفي إعادة النظر مراراً وتكراراً في الممارسات القانونية، ولعل شباباً مثل عمار المعمري الذين ينقدون الوسط القانوني بشدة وبقسوة الآن، أو مثل بسمة الكيومي سيكون لهم دورٌ في انتشال عالم الادعاء العام ورفع تنظيمه، هذا طبعاً إن لم تغرهم المغريات الرأسمالية من جانب، أو يطفشون من العمل الحكومي الذي بالطبع يطفش من لا يمكن تطفيشه، أعني هي منتحسة من الحالتين.
&&&
ثقافة الحوار، هي الشيء الوحيد الذي يمكنه أن يفعِّل [قواعد] اجتماعية وثقافية وقانونية سوف تحمينا كمجتمع عُماني من نوائب الدهر. البقاء والبكاء على اللبن المسكوب لن يفيد شيئا، وكذلك المراهنة على تغييرات جذرية [كحال العريضة الدستورية مثلاً] لن يؤدي إلى شيء.
أعني أتذكر حتى هذه اللحظة موقف أحد الموقعين من بيان نشرته في المدونة سابقاً، بيان اسمه [أبناء وبنات قابوس] ففوجئت من أحد الموقعين في هذه العريضة يقول [هذا رخص] أدهشني ذلك، وصعقني، أعني يقول عُماني بالصوت العالي [نحن فقط صابرون على المصائب بسبب ولائنا للسلطان، ولكننا ضد القبلية، وضد الخطاب الإعلامي البائس، ومع العدالة الاجتماعية والحرية الشخصية] ولكن أفق سوء الظن الذي أصبحنا فيه جعله لا يرى غير كلمة [أبناء قابوس] أيريد مني أن أكتب [أبناء صدام حسين؟؟] تراه حاكمنا قابوس ونحن ولدنا في عصره وتعلمنا في عصره وعرفنا أن مفهوما اسمه [عُمان] [الوطن] في عصره، فضلا عن خطابه الدائم لنا [بأبنائي المواطنين] إن لم يكن قابوس أباً فماذا يكون؟؟
&&&
من ضمن ما تمنيته بصدق من حركة التدوين ونشاط النت أن يدخل في خطاب [حواري] يختلف فيه الناس في الرأي دون خلافٍ في التوجه، ولكن حتى هذه اللحظة معظم من يحسبون على الطائفة الدينية ينتظرون سقوط الدولة لتكون لهم صولتهم، ومعظم المحسوبين على الطائفة الليبرالية ينتظرون سقوط الدولة لتكون لهم صولتهم، ولا أعرف مع من سيتحالف هؤلاء وهؤلاء، أعني لو أفلتت الأمور ولم تكن هناك قوة لتحالف الشيعي مع إيران، والسني مع السعودية، والبلوشي مع ما أعرف من، والزنجباري مع الذين يعرفهم في تنزانيا وستكون عُمان سوقاً كبيراً ينسحق فيه الناس في الأقدام بسبب أصحاب الأيدلوجيات الذين حتى هذه اللحظة لم ينتبهوا إلى أن النظام القائم [رغم سوء كثير من الأشياء فيه] هو أفضل الخيارات الممكنة. أقول هذا الكلام وأنا أدرك أن عددا لا بأس به من المسؤولين العُمانيين [شرفاء] لا يرضيهم ما يحدث ويشاهدون ما يفعله زملاؤهم من المسؤولين الآخرين بتعاسة، ولعل السلطان نفسه انخذلَ بسبب ما يفعله بعض من اختارهم، ولعلم تتذكرون أسماء معينة من الوزراء الذين دخلوا الوزارة والأمل معقود عليهم للإصلاح، وإذا بهم بعد أن تم تغييرهم يوزع الموظفون الحلوى والعصير بسبب زوالهم، وهذا الكلام كلام السلطان نفسه في حواره، إذ قال كلاما مهما عن [تغييره للمسؤولين الذين يخطئون كثيراً].
&&&
في رأيي البسط المشكلة ليست في الإجراء، ليست في الفعل وإنما في العقول، في الأفكار التي تجعلنا أجمعين نازعين للسلطة باحثين عنها، راغبين في توليها اعتقاداً منا أننا سنعدل لو أمسكناها، المشكلة في هؤلاء الناشطين الذين يقولون لنا أنهم ناشطون وبعضهم يتعالج على حساب الديوان بمئات الألوف، والمشكلة في هؤلاء الذين يركبون موجة الوطنية والحكومة ويعبدون السلطان ويعاملونَه كما لو كان إلها، والمشكلة في هؤلاء الذين يعتقدون أن عُمان ستكون دولة دينية بحتة، والمشكلة في هؤلاء الذين يعتقدون أن عُمان ستكون دولة علمانية بحتة، والمشكلة في هؤلاء الذين يعتقدون أن عُمان ستكون دولة قبائل ومشايخ بحتة، المشكلة في هؤلاء الذين يريدون شيئا مطلقاً، شيئا لم يعد منطقياً وممكنا لأن إرادة الشعب التي صبرت كثيراً على البؤس والشقاء لن تصبر أن ترى أقليةً في النعيم تحكمُهم باسم أشياء ما أنزل السلطان بها من قانون.
يجب أن يحدث الحوار، يجب بأي طريقة من الطرق. يجب علينا أن ندخل في الحالة التي ندرك فيها أننا [جزء] من عُمان، وأننا مهما اعتقدنا أننا على حق وعلى صواب فإن العالم في نهاية المطاف متعدد ويختلف.
الحديث عن الوطن، وعن عُمان أمرٌ صعب وليس نزهة ليلية. والذي يحب عُمان لأن قابوس بها يجب أن يحب عُمان بعد أن يموت قابوس [وأطال الله في عمره] والذين لا يدركون القنبلة الموقوتة التي نحن فيها، ربما لا يعرفون ضرورة تكوين خطاب وطني اسمه عُمان، لأن المذاهب سوف تبقى تمارس دورها وتحاول حفظ نفسها وجعل السلطة بيدها، والقبائل سوف تبقى وسوف تحاول حفظ نفسها وجعل السلطة بيدها، والأقليات الثقافية سوف تبقى وسوف تحاول حفظ نفسها وهويتها وجعل السلطة بيدها، ولو كانت عُمان مذهباً واحدا، وثقافة واحدة، وقبيلة واحدة، لكان الأمر أسهل. أؤمن أن علينا أن نكون عُمانيين مهما كانت النتائج ومها ساءت الظروف، وقبل أن نتعلم إطلاق النار على بعضنا البعض فلنتعلم قليلا إطلاق الأفكار، والنقاش والحوار، فعل هذا يكون الطريق إلى سن قاعدة ذهبية اسمها [التعايش ــ التآلف ــ السلام] والذي لم نحصل عليه إلا بعد شقاء وتعب.
وأرجو أن تتسع قلوبكم أكثر لبعضكم البعض ..
[1] - نسخة للسيد يوسف آل عامر للاطلاع.

المصدر : مدونة معاوية الرواحي
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions