الأحلام المعاقة ..... قصة متواضعة

    • الأحلام المعاقة ..... قصة متواضعة

      الأحلام المعاقة


      تغيب الشمس معلنة نهاية آخر يوم من أيام الحزن ... تغيب الشمس آمرة بخلع لباس الحداد من تلك الأم ... تغيب الشمس ليدخل ليل جديد على تلك الأسرة المفجوعه بوفاة ربها ... ليل آخر يهمس بصباح مختلف عن الأمس ... سكته قلبيه جعلت أبنه في سن الزواج و أبن معاق في سن الحادية عشر أيتام .... سكته قلبية تُحمّل أرملة الأمانة و المحافظة على كيان تلك الأسرة ... منزل متواضع داخلة مزرعة صغيرة تظلل على أصحابها وقت الظهيرة ... راتب متواضع يغنيهم من مد أيديهم للغير و يسد حاجتهم و يرسم على وجوههم ابتسامة غامضة تستر أحزانهم و وأجاعهم ... رحيل الأب تاركا خلفه زوجته التي ستصارع الزمن من أجل ضمان حياة كريمة لأيتامها .. كانت تنظر لريم و هي تعمل في المنزل و تمكث أغلب وقتها من اجل توفير الحياة السعيد ة لأخيها سالم ... سالم خلق معاق أطلق العنان لعينيه التي من خلالها ستقرأ مأساته ستعلم أنه كم يتمنى أن يعوض أمه و أخته عن فقد أبيه و لكن كيف يتسنى له ذلك و هو لا يستطيع الحركة بدون كرسيه المتحرك ... كيف يتسنى له ذلك و هو عاجز عن خدمة نفسه ... كم من الدموع التي تغرق عيناه عندما يشاهد أخته و أمه يعملان من أجله و من أجل حياتهم جميعا ... كم من الحسرات تمزق قلبه و هو يشاهد أمه العجوز تمسح عرق جبينها و تتنهد من التعب كل مساء ... لا سبيل سوى الدعاء فهو خير معين و الله الخالق الرازق ... إيمانه القوي بالله و توكله عليه كانا أقوى من تلك الظروف فتجد الابتسامة الحزينة تزين وجه دائما ... ريم أنهت الثانوية العامة بمعدل بسيط منذ سنتين لم توفق في الدخول في أي من تلك الكليات الحكومية و المستوى المعيشي لأسرتها يعجز أن يصرف على تعليمها فرضت بما قسمه الله لها فأخذت تساعد والديها في العمل في تلك المزرعة فصارت بمثابة الابن الذي عوض الله تلك الأسرة عن و لدها المعاق زاد العبء على ريم عندما رحل والدها من الحياة فصارت الأخت و الأب لسالم الذي كان دائما يدعو لأخته بالتوفيق ... أما الأم تراقب عن بُعد ذلك الكفاح الدائم من أبنتها الغالية ترفع يدها لسماء تدعو الله تعالى أن يكتب لأبنتها الزوج الصالح و الحياة السعيدة ...

      و تستمر حياة تلك الأسرة في الكفاح من أجل العيش السعيد ... كانت أسرة ترى في وجوههم المبتسمة دائما ما يوحي إليك بأنهم يملكون كل السعادة التي توجد في قلوب البشر ... و لكنهم عندما يختلون مع أنفسهم يعزفون على أوتار أوجاعهم نغمات حزينة لا تسمعها سوى قلوبهم المليئة بالحزن و الآمال و الأحلام ربما تحقيقها ليس مستحيل رغم صعوبته ... روتين يومي الأم في الصباح الباكر تذهب إلى المزرعة و ريم تقوم يتوصيل أخيها إلى المدرسة القريبة من منزلهم لتعود بعدها إلى المنزل تساعد أمها في المزرعة و إعداد الطعام ...
      كبريت .. أوساخ من سعف النخيل المتراكمة ..... آه ما الفائدة من هذه الأوساخ يا أمي لماذا لا نقوم بحرقها ؟ ... أصبتِ الرأي يا بنيتي لا عليك لقد حان رجوع أخيك من المدرسة أذهبي إليه و أنا سأقوم بحرق هذه الأوساخ .. تُقبل ريم أمها حسنا يا أمها سنعود سريعا لتناول الغداء ... يرتفع الدخان ... الوقت كان حار و غير مناسب لذلك العمل .....
      يطرق جرس المدرسة معلنا الانتهاء اليوم الدراسي ... و معلن يوم جديد للبكاء و نصف جديد لليتم و البقاء وحيد بدون أب و أم بل بدون قريب و بدون مأوى كله أصبح رماد تذروه الرياح ... سالم ما هذا الدخان يا أختي ؟ إنها أمي قامت بحرق تلك الأوساخ في المزرعة ... لا يا أختاه إنه دخان كثيف أكثر مما تصنعه تلك الأوساخ ..ماذا تقصد ؟ ... يرتبك .. لا لا اللهم أجعله خير ...
      وقفه بدون حراك ... دمعة لن تتوقف بدون صراخ ... القدر يبعث ألم آخر لهذه الأسرة ... الغداء المعد كان من نصيب النيران .. و الأم الحنون صارت جثمان ميت محروق ... صراخ خافت سمع بعد فوات الأوان ... ريم ...... لا مستحيل ...... سالم ..... أمنا صارت من ضمن الراحلين .... يركضن بعض نساء القرية يحضن ريم اصبري هذا قدر من العليم ... أمنا سافرت مع أبينا ... و بيتنا صار رميم ...و حياتي كلها في كرسي لعين... حياة ؟! .. أي حياة باقية بعدك يا أمي الغالية ؟ ... آه نفس طويل ممزوج البكاء و ترطبه دموع الفراق بقينا أثنين يا ريم ... جنازة تُحمل ... و قبر يُحفر ... و جثمان يرحل ... و سالم و ريم بقيا بدون أم و لا منزل ... كل ما كانا يملكان من إنسانة رسمت لهم حياة أخرى بعد أبيهم ... و شيدت لهم حلم من أجل حياة كريمة و سعيدة بعد ذلك الحزن على فراق زوجها ... حافظة على الأمانة ... و قاومت من أجل الكرامة ... رحلت بدون أن تترك لها علامة سوى علامات حزينة في أبنه تحتاج لمعين ... و المعين معاق يبحث عن عطف و حنان ... بل يبحثان الآن عن مكان حيث بيتهم أكلته النيران ... فالإحسان الإحسان ..

      إحسان لن يطلباه ... و حزن لن يسمحا له أن يراه غيرهما ... ما تبقى لهما هو قطعة من تلك الأرض المحترقة لهما أن يشيدا خيمة تضمهما مع أوجاعهما و ذكرياتهما الحزينة ... مساء مخيف مساء صفير الرياح يلحن أغنية الحداد على أمنا الراحلة ... نظرات تبحث عن ابتسامة من ذلك الوجهين الشاحبين الحزينين ... سالم هل انتهت حياتنا يا أختاه ؟ ... لا يا أخي بل انتهت سعادتنا التي لم تبدأ بعد ... و يصمتا كمثل ذلك الصمت الذي يبعثه الليل ... تشرق الشمس و تمزق أشعتها تلك الشقوق التي اختفت بالأمس تحت الظلام ... يستيقظ من صمته الحزين ... يبحث عن أخته ... ينادي عليها لكي تساعده بالجلوس على قدره الأبدي ... لا إجابة ... أين ذهبت ؟ ... يساوره الخوف لا أختي أعقل من أن تفعل ذلك .... هل سأبقى وحيد ؟ .... وحيد و هو ينظر إلى كرسيه مع هذا ... قرقعت نعليها تقترب إليه ... أنعمت صباحا يا سالم ... يأخذ نفس طويل الحمد لله .... ما بك يا أخي .. خشيت بأنك .... لا تكمل يبدو كابوس الموت صار حبيبا لنا ....

      قاسم رجل وحيد بعد رحيل زوجته ... كم كان يحلم أن يكون أبا ... كم كان يقف أمام نافذته يشاهد أطفال قريته يلعبون و يمرحون ... يعمل موظف بسيط في أحد الدوائر الحكومية التي كان يعمل فيها أبو سالم ... تحرك في داخله روح تدعوه أن يقدم العون لأسرة ذلك الصديق الذي طالما ساعده و أخذ بيده في محنته ... لكن كيف و هما يرفضان كل وجوه المساعدة ؟ ... كيف و هما لا يظهران الحاجة و النصب ؟ ... كيف و هما يسخران شفاهما للابتسامة و قلبهما للأحزان ؟ ... الحل الوحيد أن أتقدم لريم فقد مضى وقت كاف عن وفاة أمها بهذا لا يشعران بأنها تقديم للمساعدة .. بل ريم هي المرأة الوحيدة التي ستحقق حلمي بالأبوة إن شاء الله ...

      بعد وقت لمراجعة النفس ... بعد وقت ملئ بالحزن و الدموع ... يأتي قاسم يبدد غمام الأسى بخطبة ريم ... ريم كان مهرها أن يعيش أخيها سالم معها ..... لا مجال لرفض ... و تم الزفاف ... ليلة ربما تكون سعيدة لقاسم ... أما ريم كم كانت تحلم بأن تزف و يدها بيد أمها و أبيها ... كم كانت تحلم بأن تقوم أمها بأعدادها و تجهيزها ... كم كانت تحلم أن تزف من البيت الذي ترعرعت فيه و عرفت حقيقة الحياة التي لم تجني منها سوى المتاعب و الأحزان ... مبارك عليك يا ريم قاسم ... اليوم يجب أن تظهر ابتسامة حقيقة لأجل زوجك و لأجل قلبك الذي تمزق من هول تلك المصائب ... اليوم يا أختاه حياة جديدة أدعو الله أن يجعلها لك سعيد قول لي آمين .... تتمتم بها مع ابتسامتها الجميلة ..
      و تبدأ الحياة الزوجية بالهناء و الوفاء و الحب و السرور ... قاسم أصبح الزوج ولريم و الأخ لسالم أسرة لا تدري ماذا يخبئ لها القدر ... أسرة تحلم بطفل يكمل عليهم فرحتهم ... طفل يُنسيهم ذلك العناء الذي ولد معهم ... طفل يملئ المنزل صراخ و ابتسامات و لعب ... هذا حلم قاسم يحكيه لريم ابتسمت ريم و هي تقول قريبا أن شاء الله ... قريبا ماذا تعني بذلك ؟ ... ريم هل أنت حامل ؟ ... تعود الابتسامة مرة أخرى و تنصرف عنه .... قاسم ينادي سالم سأصبح أبا يا سالم سأصبح أبا .. و تعلو الضحكات و التصفيق و كأنه ما زال صغير .... لهذه الدرجة كنت تحلم بالولد يا قاسم ؟... أحلم ؟! لو تعلم من الوقت أقضيه خلف هذا القضبان أشاهد الفتية و هم يركضون و يمرحون ... كم كنت أتخيل أحد ألئك الفتية ولدي ... سيكون قريبا أن شاء الله ...
      قاسم لديك مهمة رسمية في بلدة جبلية الأسبوع المقبل ... مهمة ؟! و لكني أنتظر مولود زوجتي أقترب موعد وضعها حلمي الذي أسرفت عمري أنتظره ... هذا عمل لا مجال لنقاش ... توكل على الله يا قاسم أنا معي الله و أخي و الجيران لن يقصرا في تقديم المساعدة ... سّمية أحمد يا ريم ... ماذا بك يا قاسم لن يُسميه أحدا غيرك .... يشد الراحل إلى مهمته التي وكّل بها ذهب جثمانه و روحه و عقله مع ريم التي ستنجب له حلمه القديم ... الطريق لتلك القرية كان خطير و لكن رحمة الله و لطفه وفق قاسم بان يعود سريعا إلى حلمه لينعم باحتضانه .... ريم ... ريم ... لا مجيب أين ذهبا ؟ .. يسأل الجيران لا يعلمان ... لا بد إنهما في المستشفى .... ينطلق مسرعا إلى هناك ...

      .. غرفة الانتظار ... سالم أهلا قاسم حمدا لله على سلامتك ... اليوم سيتحقق حلمك ... إني خائف يا سالم .... لا تخف إن الله معها أدعو لها .... و تمر الدقائق و كأنها شهور و سنين ... و قاسم واقفا لا يتحرك كأنه عمود لأسلك كهربائي ... يفتح باب غرفة العمليات ... تخرج الممرضة ... وجه شاحب وجه لا يبشر بخير .... علامات تنبئ عن حبر حزين ... نظرات تتحدث و السنة تستمع ... ما ورائك أنت زوج ريم ؟ ... نعم ... ماذا ستسمي طفلك ؟ ... طفلي ... ريم أنجب طفلا ... أصبحت أبا .. تحقق حلمي .. نعم أن زوج ريم سأسميه أحمد ... تصمت بعد سماع الإجابة ... تبحث عن كلمات لا تدمر فرحته ... تقاوم نبرات صوتها الحزينة ... تسعى أن ترسم ابتسامة جميلة ... ترتجف شفاهها من هول المصيبة القادمة ... سالم يصرخ ماذا ورائك ؟ تكلمي فصمتك يقطع قلبي .... تعود السؤال أنت زوج ريم ... قاسم نعم أنا قاسم زوج ريم هل حصل لها شيئا ... قاسم و يعود الصمت و تسيل الدمع من عينيها .... قاسم طفلك الوحيد حيث ريم لا يمكنها الإنجاب ثانية لن يرى الدنيا أبدا ....

      انتهت


      رفيق الخاطرة #d
    • [TABLE='width:70%;'][CELL='filter: glow(color=burlywood,strength=5);']
      فعلا .. أسمهما جاء بعنوانها .. الأحلام المعاقة ..
      أبدعت ..
      رفيق الخاطرة ..
      حضور كتألق المساء .. وأبداع رائع .. اخي الكريم ..
      مأسي .. تجعلنا نذرف الدمع .. ولكن لنعلم .. بأن وراء الاقدار رب غفار .. سميع وهاب ..
      تحية طيبة ..
      [/CELL][/TABLE]
    • رفيق الخاطره

      القصة تتوشح ثوب السواد .. إذ ترتكز على العواقب الوخيمة والمؤلمة وكأنها تصرخ من جراحها .. هكذا أخي هو حال الزمان .. غادر .. غامض ... لا يؤمن له .. إذ دائماً ما يضعنا على مقصلة النهاية رحم وجودنا لأو تواجدنا ويظل بأهوائه يعصف بنا إلى القاع ... هكذا كما جاء في قصتك الحزينة التي رمى أهلها القدر بأكثر من حجر .. وتوالت النكبات شيئاً فشيئاً وفي كل نكبة جرح نازف لا ينتظر الجرح الآخر كي يتقيح .


      سلمت أخي وسلم لنا قلمك . لك التحية وكثير من الشكر على مجهودك الرائع حقاً .
    • أخي رفيق الخاطرة
      على الرغم من كل الأسى والحزن الذي صاحب أحداث قصتك , فإن التميز والتألق في تصوير الأحداث خفف من الألم في النفوس ولكنه ترك أثراً بما حل بتلك الأسرة الصغيرة .

      تحياتي لك وإلى الامام



    • رفيق الخاطره...

      اسمحلي أخي...
      حروفي لا تستطيع أن تقول غير ..راااااااائع.......

      فعلا...قصة رائعه..الاسلوب..الافكار..والعبارات...ووصف المشاعر..

      كل هذا رائع...


      فعلا..قلمك مكسب لنا..