تواصلت التسريبات الإسرائيلية حول المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وجاء آخرها مساء أول أمس، حيث كشفت القناة الإسرائيلية الأولى عن حصولها على تفاصيل جديدة وصفتها بالخطيرة جداً حول طبيعة القرار الظني الذي سيوجه اتهاماً مباشراً إلى قيادات أساسية في حزب الله وصفتهم بالأشخاص المركزيين في النشاط العسكري في حزب الله.
تفجير الوضع
استهلت القناة الليلة قبل الفائتة نشرتها الاخبارية ببث خبر مفاده "أن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ستتهم القيادي في حزب الله مصطفى بدر الدين بالمسؤولية عن اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري". ولم توضح القناة التلفزيونية الإسرائيلية مصدر معلوماتها. هذا في الوقت الذي حذر فيه نائب الأمين العام لحزب الله من أن القرار الظني مشروع فتنة.
وقال عودد جرانوت محلل الشؤون العربية في القناة: "لبنان اليوم يرقد على برميل بارود وهذا البرميل سينفجر عندما تشير المحكمة الدولية الى المسؤول في حزب الله مصطفى بدر الدين كمتهم رئيس يقف وراء تصفية الحريري، وهذا المسؤول المكنى بالياس صعب هو أحد الأشخاص المركزيين في النشاط التنفيذي لحزب الله وهو ابن عم وصهر عماد مغنية رئيس أركان حزب الله الذي تمت تصفيته في فبراير 2008".
وأضاف: "هذا الأمر ]اغتيال الحريري[ لا يمكن أن يحصل دون إذن نصر الله، لذا فإن نصر الله لن يسلم بتوجيه لائحة اتهام ضد أي شخص من حزب الله". وهذا القول كان كافياً بالنسبة لحزب الله أن يرتاب بما تعده المحكمة، التي يعتقد بأن قرارها الظني لن يقتصر على اتهام بضعة عناصر غير منضبطة فيه، بل سيطال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله.
وقالت القناة إن هناك إدراكاً لدى كافة الأطراف في المنطقة أن لبنان على حافة زلزال، معتبرة ان اتهام نصر الله للمحكمة الدولية بأنها مشروع إسرائيلي والتشكيك بها يعتبران أمرين غير جيدين لإسرائيل.
التسريبات القاتلة
وصولاً إلى ذلك كان لافتاً في الحيثيات شخصية المتهم المباشر الذي سيسميه القرار الظني، ثم قنوات التسريب المختلفة، التي من الواضح أنها لم تكن عشوائية ولم تأت بمحض مصادفة. فاتهام بدر الدين يمثل بشكل من الأشكال استكمالاً لعمليات التصفية للقيادة الميدانية لحزب الله، والتي كان آخر انجازاتها اغتيال القائد الميداني الأول في الحزب عماد مغنية، فيما يتكفل القرار الظني باغتيال خليفته بوسائل سياسية، تسمح لاحقاً بتجريم الحزب نفسه وقياداته العليا، وبناء اجماع دولي يستند إلى قرارات جنائية وسياسية دولية لكسر حاجز الحماية الذي تقيمه الدولة اللبنانية لحزب الله.
وبطبيعة الحال، فليس من دون معنى أن أول التسريبات جاءت من رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، ومباشرة منه للأمين العام لحزب الله. هذا بالرغم من أن الحريري نفى أن تكون المعلومات المتكونة لديه مستقاة من المحكمة، وأنها مجرد معلومات صحفية. غير أن توالي التسريبات من خلال مصادر اسرائيلية مقربة من حكومة تل أبيب في سياق موحد، يلقي بمزيد من ظلال الشك حول عمل المحكمة المتهمة بأنها مكشوفة على أطراف لبنانية محلية واقليمية، دون سواها.
في هذا السياق يبدو أن اندفاع الأمين العام لحزب الله، في إثارة قضية المحكمة الدولية، متوقعاً ومفهوماً، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار، أن نصر الله لم يقصر هجومه على الطعن بالمحكمة الدولية وقرارها الظني المقبل، بل ولوح بأنه تكونت لديه ملفات حول المحكمة الدولية وسيكشف بعض ما فيها تباعاً.
واذا كانت مهاجمة حزب الله للقرار الظني قد أزمت الوضع الداخلي اللبناني، فإن تلويحه بـ"الكشف" عما في جعبته، قد عجل بدبلوماسية التطويق العربية، حيث جاءت زيارة الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس بشار الأسد، للحيلولة دون اشتعال النار اللبنانية.
الهجوم على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، والنيل من مصداقيتها، لم يمر بدون توضيح من المتحدثة بمن جهتها، أكدت المتحدثة باسمها فاطمة عيساوي التي أكدت أن تجارب محاكم دولية أخرى أظهرت أن نتائج عمل مثل هذه المؤسسات تتحدث عن نفسها وتناقض مزاعم غير مُوثقة بالتدخل بشكل عدائي، مضيفة: "نحن على قناعة بأن هذا سيحدث أيضًا مع المحكمة الخاصة بلبنان".
وردًّا على سؤال عما سيحدث إذا ما رفض "حزب الله" أو الحكومة اللبنانية تسليم المتهمين، أكدت عيساوي أن الحكومة اللبنانية ملزمة بالاستجابة لمطالب المحكمة، وباعتباره شريكًا في الحكومة يدعم حزبُ الله من حيث المبدأ المحكمة. وأضافت "غياب أي متهم لن يمنع المحكمة من اتخاذ الإجراءات وفحص الأدلة ضد من قد تُوجه لهم الاتهامات".
من هو بدر الدين؟
استيقظت الكويت يوم الاثنين 12 ديسمبر 1983 على وقع تسع سيارات مفخخة استهدفت سبعة مواقع؛ السفارة الأمريكية، السفارة الفرنسية، مصفاة الشعيبة النفطية، مطار الكويت، محطة كهربائية، شركة أمريكية، مجمعاً سكنياً. كل هذه العمليات في وقت متزامن. ورغم أن الخسائر البشرية اقتصرت على أربعة قتلى، إلا أن الوقع الأمني للعملية كان مدوياً.
سرعان ما قبض على المجموعة المنفذة، وكانت بقيادة اللبناني الياس صعب واسمه الحقيقي مصطفى بدر الدين، وستظل هذه الحادثة المرة الوحيدة والنادرة، التي ظهر فيها بدر الدين للعلن، تماماً كما زميله مغنية الذي ظلت الصورة الوحيدة المنشورة له حتى مقتله تعود إلى هذه الفترة.
مثل المنفذون الـ17 أمام القضاء الكويتي، الذي حكم عليهم بأحكام تتراوح ما بين الإعدام والسجن في جلسة 27 مارس 1984.
شأنه شأن عماد مغنية، كانت الكويت محطة فاصلة ومنعطفاً أساسياً في حياة مصطفى بدر، التي أوشكت أن تنتهي هناك بتنفيذ حكم الإعدام بحقه، لو أن الكويت لم تتأخر في تنفيذ حكم الإعدام بحقه. وهو تأخير لم يكن بعيداً عن الحصافة؛ إذ كان واضحاً أن الكويت أمام خيارين: طي الصفحة بشروط عدم تكرار التعرض لأمنها، أو تنفيذ الأحكام وتحمل عبء تحولها إلى هدف مفتوح. إذ أثارت الأحكام موجة من ردود الفعل الطائشة، ومنها محاولة اغتيال أمير الكويت حينها جابر الأحمد الصباح، ثم قيام عماد مغنية بخطف الطائرة الكويتية الجابرية في وقت لاحق من العام 1985 لمقايضة السلطات الكويتية بإطلاق سراح هؤلاء الـ17 وبينهم الياس صعب مقابل تحرير رهائن الطائرة وتركها، ولما رفضت الكويت هذه المقايضة بدأ مغنية بقتل الرهائن فاستشهد منهم اثنان، قبل أن يتوجه إلى الجزائر حيث فاوضته السلطات الجزائرية واقنعته بإطلاق الرهائن ثم تحرير الطائرة مقابل وعد بعدم تنفيذ أحكام الإعدام بحق الـ17 وتهريب مغنية نفسه وإعادته إلى طهران التي انطلق منها لتنفيذ جريمته.
وقيل أن وزير الدولة الكويتي عبدالرحمن العتيقي، حينها، دخل على الرئيس العراقي السابق صدام حسين في بغداد حاملاً رسالة من أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح، وبعد قراءة صدام رسالة الصباح التفت الى العتيقي متسائلاً: لماذا لم تعدم الكويت المتهمين الـ17 بمحاولة قتل أخي الشيخ جابر؟
قال العتيقي: انت تعرف ان أخاك الشيخ جابر طيب القلب ولا يريد ان يلوث يديه بدم أي كان حتى لو كان مجرماً، وقد طلب من الله ان يغفر لهؤلاء الذين حاولوا قتله، متنازلاً عن حقه الشخصي تاركاً للقضاء الكويتي ان يصدر عليهم العقوبة التي يستحقونها.
ومن سخرية القدر أن مصطفى بدر الدين أو الياس صعب بقي سجيناً في الكويت، ولم يخرج من سجنه إلا عندما اجتاح الجيش العراقي دولة الكويت في 2/8/1990، وفتحت أبواب السجن ليفر الجميع..
ويذكر الموقع العبري المختص بالشؤون الاستخباراتية ديبكا "أن بدر الدين الذي عاد في منتصف سنة 90 من الكويت بعد فترة اعتقال طويلة وظهر كأنه ابتعد عن مغنية والعمليات "الإرهابية"، ولكن في الحقيقة هو كان رجل الاتصال بينه وبين قائد تنظيم القاعدة أسامة بن لادن الذي كان بين سنوات ألـ 1993- 1996 في السودان".
وزعم الموقع ان الياس صعب (بدر الدين) هو اول من تعرف على اسامة بن لادن خلال اقامة هذا الاخير في الخرطوم، وان صعب عرف ابن لادن على عماد مغنية، وان هذه المعرفة قوّت من موقع مغنية في الحزب ومع الاجهزة الايرانية التي كانت تسعى لفتح خطوط اتصال مع ابن لادن.
ويضيف الموقع أن "مصطفى بدر الدين كان يأتي من بيروت للخرطوم ومكث هناك فترت طويلة وهو ينقل رسائل بين مغنية وبن لادن، وبعد ترك بن لادن للسودان وعودته لأفغانستان، عاد بدر الدين للبنان وهو يفضل عدم التعمق خوفا على حياته".
خليفة مغنية
بعد مقتل عماد مغنية في مربع الاستخبارات السورية في دمشق ليل 12/2/2008، اهتمت أجهزة الرصد الاستخبارية بهوية خليفته، وسرعان ما ظهر بدر الدين على مرصد أجهزة الاستخبارات، وصنفته أجهزة المخابرات الإسرائيلية أحد أربعة توقعت أن يخلف أحدهم مسؤول العمليات السابق في حزب الله عماد مغنية، وهم: مصطفى بدر الدين والحاج خليل حرب وطلال حمية وإبراهيم عقل. ويبدو أن أجهزة المخابرات الإسرائيلية التي لم تمتلك الكثير من المعلومات حول طبيعة نشاط مصطفى بدر الدين ومهامه في السنوات الأخيرة، كانت تتوجس كثيرا من ذلك، معتبرة أن عدم ظهوره على مرصدها يعني أنه من الأهمية بحيث يحرص الحزب على حجبه بأكبر قدر ممكن.
ولم يمض وقت طويل حتى تناقلت بعض المواقع الالكترونية المهتمة بالشأن الاستخباري خبرا مفاده "أن الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله عين صعب (مصطفى بدر الدين) خليفة للقائد العسكري عماد مغنية والذي اغتيل في دمشق منتصف فبراير 2008". وأشيع أنه تسلم المسؤولية الميدانية في حزب الله مسؤولاً أولا في قيادة الحزب، وعضواً في مكتب التنسيق بين الاستخبارات السورية والايرانية.
وفي وقت لاحق تناقلت بعض وكالات الأنباء أخبارا على نية نصر الله إقالة مصطفى بدر الدين، من منصب القائد العسكري الذي كان يشغله عماد مغنية قبل اغتياله، في أعقاب سلسلة من الاخفاقات الميدانية والأمنية، منها القبض على خلية حزب الله في مصر، التي أكد ديبلوماسي مصري أنها كانت مخترقة من قبل "الموساد" الاسرائيلي في لبنان.
وعزت المواقع الالكترونية المهتمة بالشأن الاستخباري هذا الفشل الميداني والامني غير المسبوق، بشكل أساسي، إلى عدم ملاءمة بدر الدين للمنصب الذي يشغله، كونه يتمتع بشخصية غير متزنة إطلاقا ومعروف عنه مزاجيته وعصبيته الشديدة، وميله لاتخاذ القرارات المصيرية بشكل عفوي وغير مدروس، من دون الأخذ بعين الاعتبار الآثار والمفاعيل التي يمكن أن تولدها هذه القرارات.
وتردد أن نائب امين عام حزب الله نعيم اعترض على تسليم صعب (بدر الدين) مهام اساسية في الحزب خلفاً لمغنية؛ على أن التقييمات التي أخذت على عاتقها توصيف صعب قالت أنه أشرس كثيراً من عماد مغنية، ومن اهم الصفات التي تجمع بين مغنية وصعب اضافة إلى علاقة المصاهرة القائمة بينهما نتيجة زواج مغنية من شقيقة مصطفى بدر الدين، ان الاثنين كانا اقاما اوسع صلات استخباراتية مع اجهزة الأمن العربية والايرانية، خاصة أجهزة أمن ليـبيا والسودان وسوريا.. مع ايران فضلاً عن علاقات حزب الله مع المنظمات الفلسطينية المسلحة كجماعة احمد جبريل والجهاد الاسلامي وبالدرجة الثانية حماس خاصة عندما اعتمدت قيادتها في الخارج دمشق مقراً لها.
كشف الأسرار
اللافت أن القناة الاولى، وهي القناة الرسمية التي تمثل وجهة نظر الحكومة الاسرائيلية، توقعت أن يؤدي القرار الظني الى تفجير الوضع الداخلي في لبنان. وربما يفتح هذا "التوقع" المجال للحديث عن رغبة اسرائيلية بتأجيج الوضع الداخلي اللبناني وتفجيره، لمحاصرة حالة التفاهم السعودية السورية التي من شأنها أن تعزز الاستقرار اللبناني، الذي يعني تلقائياً تحصين الجبهة الداخلية لحزب الله وزيادة قدرته على شن هجمات أو مواجهة هجوم اسرائيلي.
ردة فعل حزب الله، الذي شعر بأن المحكمة الدولية التي فقدت أغلب أنصارها في الداخل اللبناني، ما يزال لديها ما يكفي من الحوافز الاسرائيلية ومن بعض الجهات الانعزالية في لبنان، لاتهامه وحشره في قفص اتهام دولي، جاءت حاسمة وقاطعة، ولم تتأخر عن التلويح بكشف مضمون ملفات متعلقة بالمحكمة الدولية، وهي كما يعتقد ملفات تمس أطراف لبنانية داخلية متورطة بترتيبات تلفيقية تضرب مصداقية المحكمة في الصميم، وتورط بعض الرموز السياسية بملف التجسس من خلال شبكة الاتصالات.
تم تسريب الأخبار حول زيارة عبد الله – الأسد للبنان قبل وصول الملك عبد الله لسوريا، وكانت هذه إشارة لوقف التصعيد، ومع اتمام زيارة الزعيمين اللذين وصلا بيروت على طائرة واحدة تكون بعض الأطراف اللبنانية المتطرفة، قد تبلغت الرسالة القاطعة بأن لا مساحة للمغامرات الجانبية في العلاقات السعودية – السورية، وان الملف اللبناني قد تم توحيده في العاصمتين المؤثرتين.
وما اعلان الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله عن إرجاء الاحتفال بيوم النصر ودحر العدوان الاسرائيلي الى يوم الثلاثاء في الثالث من أغسطس المقبل، بعد ان كان مقرراً في الثلاثين من الشهر الجاري، إلا ترجمة لمفاعيل هذه المساعي السعودية - السورية، علماً ان نصر الله ابلغ قيادات المعارضة التي التقاها اخيراً انه يتجه في الخطاب الذي يعتزم إلقاءه مطلع الاسبوع المقبل للكشف عما لديه من وثائق ومستندات تدين المحكمة الدولية واطرافاً لبنانية شاركت في تسييس عملها عبر فبركة شهود زور. إلا ان الأمين العام لحزب الله تريث بانتظار ما ستفضي اليه لقاءات القادة العرب على الأرض اللبنانية.
تفجير الوضع
استهلت القناة الليلة قبل الفائتة نشرتها الاخبارية ببث خبر مفاده "أن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ستتهم القيادي في حزب الله مصطفى بدر الدين بالمسؤولية عن اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري". ولم توضح القناة التلفزيونية الإسرائيلية مصدر معلوماتها. هذا في الوقت الذي حذر فيه نائب الأمين العام لحزب الله من أن القرار الظني مشروع فتنة.
وقال عودد جرانوت محلل الشؤون العربية في القناة: "لبنان اليوم يرقد على برميل بارود وهذا البرميل سينفجر عندما تشير المحكمة الدولية الى المسؤول في حزب الله مصطفى بدر الدين كمتهم رئيس يقف وراء تصفية الحريري، وهذا المسؤول المكنى بالياس صعب هو أحد الأشخاص المركزيين في النشاط التنفيذي لحزب الله وهو ابن عم وصهر عماد مغنية رئيس أركان حزب الله الذي تمت تصفيته في فبراير 2008".
وأضاف: "هذا الأمر ]اغتيال الحريري[ لا يمكن أن يحصل دون إذن نصر الله، لذا فإن نصر الله لن يسلم بتوجيه لائحة اتهام ضد أي شخص من حزب الله". وهذا القول كان كافياً بالنسبة لحزب الله أن يرتاب بما تعده المحكمة، التي يعتقد بأن قرارها الظني لن يقتصر على اتهام بضعة عناصر غير منضبطة فيه، بل سيطال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله.
وقالت القناة إن هناك إدراكاً لدى كافة الأطراف في المنطقة أن لبنان على حافة زلزال، معتبرة ان اتهام نصر الله للمحكمة الدولية بأنها مشروع إسرائيلي والتشكيك بها يعتبران أمرين غير جيدين لإسرائيل.
التسريبات القاتلة
وصولاً إلى ذلك كان لافتاً في الحيثيات شخصية المتهم المباشر الذي سيسميه القرار الظني، ثم قنوات التسريب المختلفة، التي من الواضح أنها لم تكن عشوائية ولم تأت بمحض مصادفة. فاتهام بدر الدين يمثل بشكل من الأشكال استكمالاً لعمليات التصفية للقيادة الميدانية لحزب الله، والتي كان آخر انجازاتها اغتيال القائد الميداني الأول في الحزب عماد مغنية، فيما يتكفل القرار الظني باغتيال خليفته بوسائل سياسية، تسمح لاحقاً بتجريم الحزب نفسه وقياداته العليا، وبناء اجماع دولي يستند إلى قرارات جنائية وسياسية دولية لكسر حاجز الحماية الذي تقيمه الدولة اللبنانية لحزب الله.
وبطبيعة الحال، فليس من دون معنى أن أول التسريبات جاءت من رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، ومباشرة منه للأمين العام لحزب الله. هذا بالرغم من أن الحريري نفى أن تكون المعلومات المتكونة لديه مستقاة من المحكمة، وأنها مجرد معلومات صحفية. غير أن توالي التسريبات من خلال مصادر اسرائيلية مقربة من حكومة تل أبيب في سياق موحد، يلقي بمزيد من ظلال الشك حول عمل المحكمة المتهمة بأنها مكشوفة على أطراف لبنانية محلية واقليمية، دون سواها.
في هذا السياق يبدو أن اندفاع الأمين العام لحزب الله، في إثارة قضية المحكمة الدولية، متوقعاً ومفهوماً، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار، أن نصر الله لم يقصر هجومه على الطعن بالمحكمة الدولية وقرارها الظني المقبل، بل ولوح بأنه تكونت لديه ملفات حول المحكمة الدولية وسيكشف بعض ما فيها تباعاً.
واذا كانت مهاجمة حزب الله للقرار الظني قد أزمت الوضع الداخلي اللبناني، فإن تلويحه بـ"الكشف" عما في جعبته، قد عجل بدبلوماسية التطويق العربية، حيث جاءت زيارة الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس بشار الأسد، للحيلولة دون اشتعال النار اللبنانية.
الهجوم على المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، والنيل من مصداقيتها، لم يمر بدون توضيح من المتحدثة بمن جهتها، أكدت المتحدثة باسمها فاطمة عيساوي التي أكدت أن تجارب محاكم دولية أخرى أظهرت أن نتائج عمل مثل هذه المؤسسات تتحدث عن نفسها وتناقض مزاعم غير مُوثقة بالتدخل بشكل عدائي، مضيفة: "نحن على قناعة بأن هذا سيحدث أيضًا مع المحكمة الخاصة بلبنان".
وردًّا على سؤال عما سيحدث إذا ما رفض "حزب الله" أو الحكومة اللبنانية تسليم المتهمين، أكدت عيساوي أن الحكومة اللبنانية ملزمة بالاستجابة لمطالب المحكمة، وباعتباره شريكًا في الحكومة يدعم حزبُ الله من حيث المبدأ المحكمة. وأضافت "غياب أي متهم لن يمنع المحكمة من اتخاذ الإجراءات وفحص الأدلة ضد من قد تُوجه لهم الاتهامات".
من هو بدر الدين؟
استيقظت الكويت يوم الاثنين 12 ديسمبر 1983 على وقع تسع سيارات مفخخة استهدفت سبعة مواقع؛ السفارة الأمريكية، السفارة الفرنسية، مصفاة الشعيبة النفطية، مطار الكويت، محطة كهربائية، شركة أمريكية، مجمعاً سكنياً. كل هذه العمليات في وقت متزامن. ورغم أن الخسائر البشرية اقتصرت على أربعة قتلى، إلا أن الوقع الأمني للعملية كان مدوياً.
سرعان ما قبض على المجموعة المنفذة، وكانت بقيادة اللبناني الياس صعب واسمه الحقيقي مصطفى بدر الدين، وستظل هذه الحادثة المرة الوحيدة والنادرة، التي ظهر فيها بدر الدين للعلن، تماماً كما زميله مغنية الذي ظلت الصورة الوحيدة المنشورة له حتى مقتله تعود إلى هذه الفترة.
مثل المنفذون الـ17 أمام القضاء الكويتي، الذي حكم عليهم بأحكام تتراوح ما بين الإعدام والسجن في جلسة 27 مارس 1984.
شأنه شأن عماد مغنية، كانت الكويت محطة فاصلة ومنعطفاً أساسياً في حياة مصطفى بدر، التي أوشكت أن تنتهي هناك بتنفيذ حكم الإعدام بحقه، لو أن الكويت لم تتأخر في تنفيذ حكم الإعدام بحقه. وهو تأخير لم يكن بعيداً عن الحصافة؛ إذ كان واضحاً أن الكويت أمام خيارين: طي الصفحة بشروط عدم تكرار التعرض لأمنها، أو تنفيذ الأحكام وتحمل عبء تحولها إلى هدف مفتوح. إذ أثارت الأحكام موجة من ردود الفعل الطائشة، ومنها محاولة اغتيال أمير الكويت حينها جابر الأحمد الصباح، ثم قيام عماد مغنية بخطف الطائرة الكويتية الجابرية في وقت لاحق من العام 1985 لمقايضة السلطات الكويتية بإطلاق سراح هؤلاء الـ17 وبينهم الياس صعب مقابل تحرير رهائن الطائرة وتركها، ولما رفضت الكويت هذه المقايضة بدأ مغنية بقتل الرهائن فاستشهد منهم اثنان، قبل أن يتوجه إلى الجزائر حيث فاوضته السلطات الجزائرية واقنعته بإطلاق الرهائن ثم تحرير الطائرة مقابل وعد بعدم تنفيذ أحكام الإعدام بحق الـ17 وتهريب مغنية نفسه وإعادته إلى طهران التي انطلق منها لتنفيذ جريمته.
وقيل أن وزير الدولة الكويتي عبدالرحمن العتيقي، حينها، دخل على الرئيس العراقي السابق صدام حسين في بغداد حاملاً رسالة من أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد الصباح، وبعد قراءة صدام رسالة الصباح التفت الى العتيقي متسائلاً: لماذا لم تعدم الكويت المتهمين الـ17 بمحاولة قتل أخي الشيخ جابر؟
قال العتيقي: انت تعرف ان أخاك الشيخ جابر طيب القلب ولا يريد ان يلوث يديه بدم أي كان حتى لو كان مجرماً، وقد طلب من الله ان يغفر لهؤلاء الذين حاولوا قتله، متنازلاً عن حقه الشخصي تاركاً للقضاء الكويتي ان يصدر عليهم العقوبة التي يستحقونها.
ومن سخرية القدر أن مصطفى بدر الدين أو الياس صعب بقي سجيناً في الكويت، ولم يخرج من سجنه إلا عندما اجتاح الجيش العراقي دولة الكويت في 2/8/1990، وفتحت أبواب السجن ليفر الجميع..
ويذكر الموقع العبري المختص بالشؤون الاستخباراتية ديبكا "أن بدر الدين الذي عاد في منتصف سنة 90 من الكويت بعد فترة اعتقال طويلة وظهر كأنه ابتعد عن مغنية والعمليات "الإرهابية"، ولكن في الحقيقة هو كان رجل الاتصال بينه وبين قائد تنظيم القاعدة أسامة بن لادن الذي كان بين سنوات ألـ 1993- 1996 في السودان".
وزعم الموقع ان الياس صعب (بدر الدين) هو اول من تعرف على اسامة بن لادن خلال اقامة هذا الاخير في الخرطوم، وان صعب عرف ابن لادن على عماد مغنية، وان هذه المعرفة قوّت من موقع مغنية في الحزب ومع الاجهزة الايرانية التي كانت تسعى لفتح خطوط اتصال مع ابن لادن.
ويضيف الموقع أن "مصطفى بدر الدين كان يأتي من بيروت للخرطوم ومكث هناك فترت طويلة وهو ينقل رسائل بين مغنية وبن لادن، وبعد ترك بن لادن للسودان وعودته لأفغانستان، عاد بدر الدين للبنان وهو يفضل عدم التعمق خوفا على حياته".
خليفة مغنية
بعد مقتل عماد مغنية في مربع الاستخبارات السورية في دمشق ليل 12/2/2008، اهتمت أجهزة الرصد الاستخبارية بهوية خليفته، وسرعان ما ظهر بدر الدين على مرصد أجهزة الاستخبارات، وصنفته أجهزة المخابرات الإسرائيلية أحد أربعة توقعت أن يخلف أحدهم مسؤول العمليات السابق في حزب الله عماد مغنية، وهم: مصطفى بدر الدين والحاج خليل حرب وطلال حمية وإبراهيم عقل. ويبدو أن أجهزة المخابرات الإسرائيلية التي لم تمتلك الكثير من المعلومات حول طبيعة نشاط مصطفى بدر الدين ومهامه في السنوات الأخيرة، كانت تتوجس كثيرا من ذلك، معتبرة أن عدم ظهوره على مرصدها يعني أنه من الأهمية بحيث يحرص الحزب على حجبه بأكبر قدر ممكن.
ولم يمض وقت طويل حتى تناقلت بعض المواقع الالكترونية المهتمة بالشأن الاستخباري خبرا مفاده "أن الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله عين صعب (مصطفى بدر الدين) خليفة للقائد العسكري عماد مغنية والذي اغتيل في دمشق منتصف فبراير 2008". وأشيع أنه تسلم المسؤولية الميدانية في حزب الله مسؤولاً أولا في قيادة الحزب، وعضواً في مكتب التنسيق بين الاستخبارات السورية والايرانية.
وفي وقت لاحق تناقلت بعض وكالات الأنباء أخبارا على نية نصر الله إقالة مصطفى بدر الدين، من منصب القائد العسكري الذي كان يشغله عماد مغنية قبل اغتياله، في أعقاب سلسلة من الاخفاقات الميدانية والأمنية، منها القبض على خلية حزب الله في مصر، التي أكد ديبلوماسي مصري أنها كانت مخترقة من قبل "الموساد" الاسرائيلي في لبنان.
وعزت المواقع الالكترونية المهتمة بالشأن الاستخباري هذا الفشل الميداني والامني غير المسبوق، بشكل أساسي، إلى عدم ملاءمة بدر الدين للمنصب الذي يشغله، كونه يتمتع بشخصية غير متزنة إطلاقا ومعروف عنه مزاجيته وعصبيته الشديدة، وميله لاتخاذ القرارات المصيرية بشكل عفوي وغير مدروس، من دون الأخذ بعين الاعتبار الآثار والمفاعيل التي يمكن أن تولدها هذه القرارات.
وتردد أن نائب امين عام حزب الله نعيم اعترض على تسليم صعب (بدر الدين) مهام اساسية في الحزب خلفاً لمغنية؛ على أن التقييمات التي أخذت على عاتقها توصيف صعب قالت أنه أشرس كثيراً من عماد مغنية، ومن اهم الصفات التي تجمع بين مغنية وصعب اضافة إلى علاقة المصاهرة القائمة بينهما نتيجة زواج مغنية من شقيقة مصطفى بدر الدين، ان الاثنين كانا اقاما اوسع صلات استخباراتية مع اجهزة الأمن العربية والايرانية، خاصة أجهزة أمن ليـبيا والسودان وسوريا.. مع ايران فضلاً عن علاقات حزب الله مع المنظمات الفلسطينية المسلحة كجماعة احمد جبريل والجهاد الاسلامي وبالدرجة الثانية حماس خاصة عندما اعتمدت قيادتها في الخارج دمشق مقراً لها.
كشف الأسرار
اللافت أن القناة الاولى، وهي القناة الرسمية التي تمثل وجهة نظر الحكومة الاسرائيلية، توقعت أن يؤدي القرار الظني الى تفجير الوضع الداخلي في لبنان. وربما يفتح هذا "التوقع" المجال للحديث عن رغبة اسرائيلية بتأجيج الوضع الداخلي اللبناني وتفجيره، لمحاصرة حالة التفاهم السعودية السورية التي من شأنها أن تعزز الاستقرار اللبناني، الذي يعني تلقائياً تحصين الجبهة الداخلية لحزب الله وزيادة قدرته على شن هجمات أو مواجهة هجوم اسرائيلي.
ردة فعل حزب الله، الذي شعر بأن المحكمة الدولية التي فقدت أغلب أنصارها في الداخل اللبناني، ما يزال لديها ما يكفي من الحوافز الاسرائيلية ومن بعض الجهات الانعزالية في لبنان، لاتهامه وحشره في قفص اتهام دولي، جاءت حاسمة وقاطعة، ولم تتأخر عن التلويح بكشف مضمون ملفات متعلقة بالمحكمة الدولية، وهي كما يعتقد ملفات تمس أطراف لبنانية داخلية متورطة بترتيبات تلفيقية تضرب مصداقية المحكمة في الصميم، وتورط بعض الرموز السياسية بملف التجسس من خلال شبكة الاتصالات.
تم تسريب الأخبار حول زيارة عبد الله – الأسد للبنان قبل وصول الملك عبد الله لسوريا، وكانت هذه إشارة لوقف التصعيد، ومع اتمام زيارة الزعيمين اللذين وصلا بيروت على طائرة واحدة تكون بعض الأطراف اللبنانية المتطرفة، قد تبلغت الرسالة القاطعة بأن لا مساحة للمغامرات الجانبية في العلاقات السعودية – السورية، وان الملف اللبناني قد تم توحيده في العاصمتين المؤثرتين.
وما اعلان الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله عن إرجاء الاحتفال بيوم النصر ودحر العدوان الاسرائيلي الى يوم الثلاثاء في الثالث من أغسطس المقبل، بعد ان كان مقرراً في الثلاثين من الشهر الجاري، إلا ترجمة لمفاعيل هذه المساعي السعودية - السورية، علماً ان نصر الله ابلغ قيادات المعارضة التي التقاها اخيراً انه يتجه في الخطاب الذي يعتزم إلقاءه مطلع الاسبوع المقبل للكشف عما لديه من وثائق ومستندات تدين المحكمة الدولية واطرافاً لبنانية شاركت في تسييس عملها عبر فبركة شهود زور. إلا ان الأمين العام لحزب الله تريث بانتظار ما ستفضي اليه لقاءات القادة العرب على الأرض اللبنانية.
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية