إن الذين يريدون أن يصلوا إلى شهر رمضان متميز، فتحقيق ذلك يتم من خلال القرآن الكريم.. لأن الصيام -حسب الظاهر- هو: عملية كف عن الطعام، والشراب، وباقي المفطرات.. ولكن هذا الكف أو هذا الصوم يحتاج إلى منهج، وإلى خلفية فكرية؛ والقرآن الكريم هو الجزء المكمل، من خلال إعطاء الإنسان الرؤية الكونية المناسبة..
13- إن الإنسان عندما يصوم، يسيطر على غرائزه، وعلى نزواته، وعلى ما ألفه طوال السنة، ولكن العقل أيضاً يحتاج إلى برنامج.. والذي يتكفل هذا البرنامج، هو القرآن الكريم.. فالقرآن الكريم هو الذي يفلسف الحياة، ويفلسف حركة الإنسان؛ وعندئذ هذا الكف البسيط -الذي هو فعل من أفعال الفم، والمعدة، والأمعاء... الخ- يتحول إلى عملية هادفة..
14- إن الإنسان الذي بملء اختياره، يكف نفسه عن الطعام والشراب وغيره من الصباح إلى الليل، فإن هذا الجوع يُفَّتح مسارب النفس..
15- إن نفس عملية الجوع من موجبات انفتاح البعد الفكري، والثقافي، والتوعوي عند الإنسان.. (البطنة تذهب الفطنة)!.. فإذا كانت البطنة تذهب الفطنة، معنى ذلك أن العكس -وهو الصيام- يفتح الآفاق للتدبر والتأمل في كتاب الله عز وجل..
16- إن من الأشياء التي ينبغي أن يصر عليها كل حاج: أن يبقي هذه الطهارة الباطنية.. فالإنسان يرجع إلى وطنه كيوم ولدته أمه، ولكن هذه -حتى الحج المقبول- ليس فيها ضمانة أبدية.. لذا لابد من أن نحافظ على هذه الغرسة المباركة لتؤتي أكلها كاملة، من خلال الحركة في الحياة.. فعندما نرجع إلى الأوطان، لنرجع على نهج إبراهيم الخليل (ع)، في كل أبعادنا الحياتية، وما ذلك على الله -عز وجل- بعزيز..
17- لقد منَّ علينا رب العالمين بهذه المنة، أن جعل النظر اختيارياً، والقول اختيارياً.. فكما أن الإنسان إذا أطبق شفتيه، بإمكانه أن يمنع نفسه من القول، وينشغل بالذكر الباطني الخفي دون أن يعلم به أحد.. فالعين كذلك؛ إذ جعل رب العالمين عليها جفنين اختياريين، والإنسان بإمكانه أن يطبقهما عند النظر.. أضف إلى أن من الخواص التي جعلها الله -عز وجل- للعين، أن الإنسان بإمكانه أن ينظر إلى الشيء وكأنه لا ينظر إليه؛ أي لا يحدق فيه، ولا ترتكز تلك الصورة في باطنه، عندما يصرف نظره عنه..
18- إن من المبادئ الأساسية في النجاح في حركة الدعوة إلى الله عز وجل: البحث عن الدوافع الحقيقية.. ففرق بين النية التلقينية، وبين النية الواقعية..
19- إن من دقائق الأمور ومن لطائف الأمور ومن مشكلات الأمور -الذي هو أخفى من دبيب النمل على المسح الأسود في الليلة المظلمة-: البحث عن النوايا الباطنية.. ولطالما الإنسان يغلف دواعيه الذاتية والإنية والدنيوية بمنطلقات إلهية، ولكن الله -عز وجل- ناقد بصير، وأدرى بنا من أنفسنا!..
20- إن الإنسان أشبه شيء بالسفينة الواقفة، والسفن الشراعية قديما كانت تعتمد على حركة الهواء: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا}، {رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ}.. فرب العالمين من صفاته أنه يُزجي ويحرك.. إن سفننا قد تكون محملة ببضائع غالية ونفيسة، ولكن إذا لم تكن هنالك قوة مزجية، قوة محركة، فالذي يزجي الفلك، والذي يزجي السحاب؛ إذا لم يتدخل في دفع الإنسان إلى الجهة التي يريدها، فإن هذا الإنسان سوف لن يصل إلى الساحل المقصود..
21- إن علينا أن ننظر إلى ميولنا بشكل طبيعي؛ فإن الميل التكلفي قد لا يثمر نتيجة..
22- من يريد أن يكون متميزا في باطنه وسلوكه، لابد أن يكون مطلعا على الأوليات.. والعلم مخزون عند أهله، فاقتبسوه من مظانه.. وهذه الأيام الكتب المؤلفة في هذا المجال ليست بالقليل..
23- كما أن للبذرة حركتين: حركة جوهرية في الداخل، وحركة بيئية في الخارج، وبكمالهما تنمو البذرة.. فكذلك للنفس الإنسانية: حركة جوهرية، تتمثل في تحريك قواها الداخلية، وحركة خارجية تتمثل في المؤثرات البيئية، والتي نسميها العقل الجمعي، أو التأثير اللاشعوري لمجموعة بشرية، تتحرك نحو محور واحد..
24- إن للإنسان تكوينا بدنيا وتكوينا نفسيا.. فكما أن هناك جسماً يتحرك، فهناك روح تنمو.. ولهذا فإنه في الوقت الذي نهتم فيه بالنمو الجسمي لأولادنا، يتحتم علينا أن نهتم بأرواحهم ونموها، هذا النمو الذي يبلغ أوج فورانه -تكاملاً أو تسافلاً- في مرحلة المراهقة..
25- إن من الأمور الواضحة: أن العبد لو رأى وسطا مراقبا يحتج على المنكر؛ فإن فكرة الحرام لا تنقدح في نفسه أساسا، لما يراه من الاستنكار العرفي لذلك!.. ومن هنا كانت الدعوة إلى العيش في البيئ السليمة، والتحذير من العيش في بلاد المنكر - وخاصة إذا أضيف إليها الكفر- وذلك لأن من آثاره هو إحساس الفرد بالحرية المطلقة، والتي تفتح له المجال لكي يحلق في عالم البحث عن التنوع والحداثة في صور المنكر!.. أضف إلى فقدان المنكر لصورته البشعة، وهو ما نسميه بملكوت الحرام..
26- إن الكلمة الطيبة بمثابة البذرة الصالحة التي تنتظر الظرف الملائم للإنبات، وكثيرا ما يكابر الطرف عند النصيحة -وخاصة في ساعة الغضب- ولكن سرعان ما يعود إلى رشده.. فإن الكلمة الطيبة الصادرة من نية حسنة، وحرص على الهداية؛ تقع موقعها في النفوس..
27- إن الانتساب إلى العظيم بالذات، يوجب العظمة بالعرض.. فهذه الأنفاس التي لا قيمة لها في باقي الأيام، تتحول إلى تسبيح (وأنفاسكم فيه تسبيح)!.. والنوم يتحول إلى عبادة (ونومكم فيه عبادة)!.. وخلوف فم الصائم ذو الرائحة الكريهة، يتحول إلى ما هو أطيب من المسك!.. كل ذلك من بركات الضيافة الإلهية في هذا الشهر، فطوبى لمن تعرض لها بشرطها وشروطها!..
28- إن الشريعة الخاتمة تربط دائما بين البعد الفردي للعبادة وبين البعد الاجتماعي لها، فلا يريد منا أن نعيش حالة الرهبانية والصومعة، بل يريد منا أن نعيش حالة العبودية الجامعة، ومنها الاهتمام بأمور المسلمين، سواء في طعامهم المعنوي (إرشادا وهداية) أو طعامهم المادي (إفطارا للصائمين)..
29- إن الشكاية من قسوة القلب بعد رقته ولينه، أثناء التفاعل مع أجواء الدعاء؛ لهو خير دليل على حياة القلب، وعلى إيمانه وتمسكه بقيم الارتباط مع المولى.. إذ أن المحب يحاول التحليق في ساحة أنس المحادثة، ورونق الهمس مع المحبوب، ويأبى الفراق والهجر بعد الوصال والقرب.. بيد أن الله -عز وجل- وبحكم كونه (المعشوق) يستدعي إلى ساحته العشاق والمحبين، وما أكرمه سبحانه وتعالى!.. فيداه وعلى الدوام مبسوطتان بالعطية، وبابه مفتوح على مصراعيه لمحبيه ومتيميه..
30- إن مائدة القرآن الكريم من أغنى المعارف الإنسانية، لأنها تستمد موادها من مبدع هذا الوجود، وهو الكتاب الذي لا يصل الباطل إليه على مر الدهور.. وينبغي أن نعلم أن قوانين القرآن في عالم السنن الاجتماعية، هي كقوانينه في عالم المعادلات الطبيعية، وذلك لأن صاحب الخلق هو صاحب الأمر والتشريع.. ومن هنا، فإن المستوعب لهذه الحقيقة، يتعبد بكل ما جاء في الشريعة، وإن لم يفهم أسرارها.. فمتى استوعبنا أسرار الطبيعة، لنستوعب أسرار ما وراءها؟..
31- إن الكريم أثناء ضيافته لخلقه، يغض الطرف عن العراقيل والموانع، التي تعوق اتصال السائل به تبارك وتعالى.. فمن باب أولى بالسخاء الإلهي أن يتجاوز تلك العقبات التي نصبها العبد في الطريق، لنيل العطايا الإلهية والعطايا الربانية.. فالإله -عز وجل- بكرمه وجوده، يزيل كل العراقيل والعقبات.. فالشياطين مغلولة، والحجب مرفوعة، والأرزاق مبسوطة.. فتبارك الله أكرم الأكرمين!..
32- إن ضيافة المولى عز وجل، تكون لكل عباده الوافدين إليه، والمقبلين عليه.. ولا تكون ضيافته مقتصرة على عدد معين من الناس، أو تكون ضيافته -تبارك وتعالى- بالانتخاب والاختيار.. فالمائدة معدة للجميع..
33- إن الانتساب إلى الله -عز وجل- من ناحية الزمان، أثناء أشهر الضيافة الخاصة.. أو الانتساب به -عز وجل- من ناحية المكان، أثناء التشبث بأستار الكعبة؛ يستشعر المنتسب لله من هاتين الناحيتين بحالة من الاطمئنان الروحي.. بيد أن هذه الحالة من الانتساب، قد لا تكون موجودة ومتوفرة، إلا إذا سنحت الفرصة الإلهية للتوفيق لها.. لذا فإن جو التصنع العبادي، يربط الإنسان بمولاه وخالقه في كل الأحوال، مواكباً للزمان والمكان.. فصلاة الليل والتهجد، لهي خير معين لعلاج القلب، من حالات القبض المتعددة..
34- إن المؤمن دائماً ما يحاول الوصول إلى رضا المولى عز وجل، في كل حركاته وسكناته.. ويصاب بنوع خاص من الحسرة والندم، إذا حصل أي تقصير في البين.. فحينما يحس بالتقصير والتضييع، فإنه حتماً سيتعالى صوته بالنحيب والبكاء، لتقصيره الدائم، ملتمساً المعذرة من رب العالمين.. عندئذ سيشعر بتقشع غمام القبض من قلبه..
35- إن للمؤمن وقفات ومحطات مع المولى سبحانه وتعالى، يتزود منها كل ما يحتاجه من مصادر الطاقة الروحية؛ ليعيش حراً طليقاً في هذه الحياة، فيعيش حلاوة المحبة والأنس.. لذا، يجب على المؤمن الفطن أن يستغل وقته بذكر الله عز وجل، وبتفعيل الأجواء العبادية في كل أوقات حياته..
36- إن الابتعاد عن أجواء المعصية والخطايا، تجعل القلب في حالة من الاطمئنان والاستئناس، في حال ارتباطه بالمولى.. وتجعل القلب دائماً منبسطاً منشرحاً لذكر الله، ومرتعاً لرضاه تبارك وتعالى..
37- إن الارتباط بالمولى عز وجل، وسيلة لأن يشكو المؤمن له همه، وأحزان قلبه.. لذا، فإنه من المناسب جداً أن تكون الصلاة موضوعاً لعلاج القلوب..
13- إن الإنسان عندما يصوم، يسيطر على غرائزه، وعلى نزواته، وعلى ما ألفه طوال السنة، ولكن العقل أيضاً يحتاج إلى برنامج.. والذي يتكفل هذا البرنامج، هو القرآن الكريم.. فالقرآن الكريم هو الذي يفلسف الحياة، ويفلسف حركة الإنسان؛ وعندئذ هذا الكف البسيط -الذي هو فعل من أفعال الفم، والمعدة، والأمعاء... الخ- يتحول إلى عملية هادفة..
14- إن الإنسان الذي بملء اختياره، يكف نفسه عن الطعام والشراب وغيره من الصباح إلى الليل، فإن هذا الجوع يُفَّتح مسارب النفس..
15- إن نفس عملية الجوع من موجبات انفتاح البعد الفكري، والثقافي، والتوعوي عند الإنسان.. (البطنة تذهب الفطنة)!.. فإذا كانت البطنة تذهب الفطنة، معنى ذلك أن العكس -وهو الصيام- يفتح الآفاق للتدبر والتأمل في كتاب الله عز وجل..
16- إن من الأشياء التي ينبغي أن يصر عليها كل حاج: أن يبقي هذه الطهارة الباطنية.. فالإنسان يرجع إلى وطنه كيوم ولدته أمه، ولكن هذه -حتى الحج المقبول- ليس فيها ضمانة أبدية.. لذا لابد من أن نحافظ على هذه الغرسة المباركة لتؤتي أكلها كاملة، من خلال الحركة في الحياة.. فعندما نرجع إلى الأوطان، لنرجع على نهج إبراهيم الخليل (ع)، في كل أبعادنا الحياتية، وما ذلك على الله -عز وجل- بعزيز..
17- لقد منَّ علينا رب العالمين بهذه المنة، أن جعل النظر اختيارياً، والقول اختيارياً.. فكما أن الإنسان إذا أطبق شفتيه، بإمكانه أن يمنع نفسه من القول، وينشغل بالذكر الباطني الخفي دون أن يعلم به أحد.. فالعين كذلك؛ إذ جعل رب العالمين عليها جفنين اختياريين، والإنسان بإمكانه أن يطبقهما عند النظر.. أضف إلى أن من الخواص التي جعلها الله -عز وجل- للعين، أن الإنسان بإمكانه أن ينظر إلى الشيء وكأنه لا ينظر إليه؛ أي لا يحدق فيه، ولا ترتكز تلك الصورة في باطنه، عندما يصرف نظره عنه..
18- إن من المبادئ الأساسية في النجاح في حركة الدعوة إلى الله عز وجل: البحث عن الدوافع الحقيقية.. ففرق بين النية التلقينية، وبين النية الواقعية..
19- إن من دقائق الأمور ومن لطائف الأمور ومن مشكلات الأمور -الذي هو أخفى من دبيب النمل على المسح الأسود في الليلة المظلمة-: البحث عن النوايا الباطنية.. ولطالما الإنسان يغلف دواعيه الذاتية والإنية والدنيوية بمنطلقات إلهية، ولكن الله -عز وجل- ناقد بصير، وأدرى بنا من أنفسنا!..
20- إن الإنسان أشبه شيء بالسفينة الواقفة، والسفن الشراعية قديما كانت تعتمد على حركة الهواء: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا}، {رَّبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ}.. فرب العالمين من صفاته أنه يُزجي ويحرك.. إن سفننا قد تكون محملة ببضائع غالية ونفيسة، ولكن إذا لم تكن هنالك قوة مزجية، قوة محركة، فالذي يزجي الفلك، والذي يزجي السحاب؛ إذا لم يتدخل في دفع الإنسان إلى الجهة التي يريدها، فإن هذا الإنسان سوف لن يصل إلى الساحل المقصود..
21- إن علينا أن ننظر إلى ميولنا بشكل طبيعي؛ فإن الميل التكلفي قد لا يثمر نتيجة..
22- من يريد أن يكون متميزا في باطنه وسلوكه، لابد أن يكون مطلعا على الأوليات.. والعلم مخزون عند أهله، فاقتبسوه من مظانه.. وهذه الأيام الكتب المؤلفة في هذا المجال ليست بالقليل..
23- كما أن للبذرة حركتين: حركة جوهرية في الداخل، وحركة بيئية في الخارج، وبكمالهما تنمو البذرة.. فكذلك للنفس الإنسانية: حركة جوهرية، تتمثل في تحريك قواها الداخلية، وحركة خارجية تتمثل في المؤثرات البيئية، والتي نسميها العقل الجمعي، أو التأثير اللاشعوري لمجموعة بشرية، تتحرك نحو محور واحد..
24- إن للإنسان تكوينا بدنيا وتكوينا نفسيا.. فكما أن هناك جسماً يتحرك، فهناك روح تنمو.. ولهذا فإنه في الوقت الذي نهتم فيه بالنمو الجسمي لأولادنا، يتحتم علينا أن نهتم بأرواحهم ونموها، هذا النمو الذي يبلغ أوج فورانه -تكاملاً أو تسافلاً- في مرحلة المراهقة..
25- إن من الأمور الواضحة: أن العبد لو رأى وسطا مراقبا يحتج على المنكر؛ فإن فكرة الحرام لا تنقدح في نفسه أساسا، لما يراه من الاستنكار العرفي لذلك!.. ومن هنا كانت الدعوة إلى العيش في البيئ السليمة، والتحذير من العيش في بلاد المنكر - وخاصة إذا أضيف إليها الكفر- وذلك لأن من آثاره هو إحساس الفرد بالحرية المطلقة، والتي تفتح له المجال لكي يحلق في عالم البحث عن التنوع والحداثة في صور المنكر!.. أضف إلى فقدان المنكر لصورته البشعة، وهو ما نسميه بملكوت الحرام..
26- إن الكلمة الطيبة بمثابة البذرة الصالحة التي تنتظر الظرف الملائم للإنبات، وكثيرا ما يكابر الطرف عند النصيحة -وخاصة في ساعة الغضب- ولكن سرعان ما يعود إلى رشده.. فإن الكلمة الطيبة الصادرة من نية حسنة، وحرص على الهداية؛ تقع موقعها في النفوس..
27- إن الانتساب إلى العظيم بالذات، يوجب العظمة بالعرض.. فهذه الأنفاس التي لا قيمة لها في باقي الأيام، تتحول إلى تسبيح (وأنفاسكم فيه تسبيح)!.. والنوم يتحول إلى عبادة (ونومكم فيه عبادة)!.. وخلوف فم الصائم ذو الرائحة الكريهة، يتحول إلى ما هو أطيب من المسك!.. كل ذلك من بركات الضيافة الإلهية في هذا الشهر، فطوبى لمن تعرض لها بشرطها وشروطها!..
28- إن الشريعة الخاتمة تربط دائما بين البعد الفردي للعبادة وبين البعد الاجتماعي لها، فلا يريد منا أن نعيش حالة الرهبانية والصومعة، بل يريد منا أن نعيش حالة العبودية الجامعة، ومنها الاهتمام بأمور المسلمين، سواء في طعامهم المعنوي (إرشادا وهداية) أو طعامهم المادي (إفطارا للصائمين)..
29- إن الشكاية من قسوة القلب بعد رقته ولينه، أثناء التفاعل مع أجواء الدعاء؛ لهو خير دليل على حياة القلب، وعلى إيمانه وتمسكه بقيم الارتباط مع المولى.. إذ أن المحب يحاول التحليق في ساحة أنس المحادثة، ورونق الهمس مع المحبوب، ويأبى الفراق والهجر بعد الوصال والقرب.. بيد أن الله -عز وجل- وبحكم كونه (المعشوق) يستدعي إلى ساحته العشاق والمحبين، وما أكرمه سبحانه وتعالى!.. فيداه وعلى الدوام مبسوطتان بالعطية، وبابه مفتوح على مصراعيه لمحبيه ومتيميه..
30- إن مائدة القرآن الكريم من أغنى المعارف الإنسانية، لأنها تستمد موادها من مبدع هذا الوجود، وهو الكتاب الذي لا يصل الباطل إليه على مر الدهور.. وينبغي أن نعلم أن قوانين القرآن في عالم السنن الاجتماعية، هي كقوانينه في عالم المعادلات الطبيعية، وذلك لأن صاحب الخلق هو صاحب الأمر والتشريع.. ومن هنا، فإن المستوعب لهذه الحقيقة، يتعبد بكل ما جاء في الشريعة، وإن لم يفهم أسرارها.. فمتى استوعبنا أسرار الطبيعة، لنستوعب أسرار ما وراءها؟..
31- إن الكريم أثناء ضيافته لخلقه، يغض الطرف عن العراقيل والموانع، التي تعوق اتصال السائل به تبارك وتعالى.. فمن باب أولى بالسخاء الإلهي أن يتجاوز تلك العقبات التي نصبها العبد في الطريق، لنيل العطايا الإلهية والعطايا الربانية.. فالإله -عز وجل- بكرمه وجوده، يزيل كل العراقيل والعقبات.. فالشياطين مغلولة، والحجب مرفوعة، والأرزاق مبسوطة.. فتبارك الله أكرم الأكرمين!..
32- إن ضيافة المولى عز وجل، تكون لكل عباده الوافدين إليه، والمقبلين عليه.. ولا تكون ضيافته مقتصرة على عدد معين من الناس، أو تكون ضيافته -تبارك وتعالى- بالانتخاب والاختيار.. فالمائدة معدة للجميع..
33- إن الانتساب إلى الله -عز وجل- من ناحية الزمان، أثناء أشهر الضيافة الخاصة.. أو الانتساب به -عز وجل- من ناحية المكان، أثناء التشبث بأستار الكعبة؛ يستشعر المنتسب لله من هاتين الناحيتين بحالة من الاطمئنان الروحي.. بيد أن هذه الحالة من الانتساب، قد لا تكون موجودة ومتوفرة، إلا إذا سنحت الفرصة الإلهية للتوفيق لها.. لذا فإن جو التصنع العبادي، يربط الإنسان بمولاه وخالقه في كل الأحوال، مواكباً للزمان والمكان.. فصلاة الليل والتهجد، لهي خير معين لعلاج القلب، من حالات القبض المتعددة..
34- إن المؤمن دائماً ما يحاول الوصول إلى رضا المولى عز وجل، في كل حركاته وسكناته.. ويصاب بنوع خاص من الحسرة والندم، إذا حصل أي تقصير في البين.. فحينما يحس بالتقصير والتضييع، فإنه حتماً سيتعالى صوته بالنحيب والبكاء، لتقصيره الدائم، ملتمساً المعذرة من رب العالمين.. عندئذ سيشعر بتقشع غمام القبض من قلبه..
35- إن للمؤمن وقفات ومحطات مع المولى سبحانه وتعالى، يتزود منها كل ما يحتاجه من مصادر الطاقة الروحية؛ ليعيش حراً طليقاً في هذه الحياة، فيعيش حلاوة المحبة والأنس.. لذا، يجب على المؤمن الفطن أن يستغل وقته بذكر الله عز وجل، وبتفعيل الأجواء العبادية في كل أوقات حياته..
36- إن الابتعاد عن أجواء المعصية والخطايا، تجعل القلب في حالة من الاطمئنان والاستئناس، في حال ارتباطه بالمولى.. وتجعل القلب دائماً منبسطاً منشرحاً لذكر الله، ومرتعاً لرضاه تبارك وتعالى..
37- إن الارتباط بالمولى عز وجل، وسيلة لأن يشكو المؤمن له همه، وأحزان قلبه.. لذا، فإنه من المناسب جداً أن تكون الصلاة موضوعاً لعلاج القلوب..