العود أحمد أخبار الشبيبة

    • العود أحمد أخبار الشبيبة

      بقلم - د. سعيدة الفارسية

      نعم عدتُ مع فرحة الأعياد فرمضان عيد، والفطر عيد والأضحى عيد وللوطن عيد متأنق في حزمة أعياد هي فرحة الأرض وأبنائها بما تحقق وبما سيتحقق بعد أربعين سنة من جهد وبذل وعمل وعطاء

      ما أصعب فعل الكتابة، ويحق (لكافكا) مقولته الشهيرة، تلك المقولة التي يشبه فيها الكتابة بانفتاح جرح ما، نعم لكي تكتب لابد من نزف المشاعر وسفح الأفكار، والأصعب من جرح الكتابة، أن تهجر الكتابة مدة طويلة ثم تحاول العودة إليها، فالهجر أو الانقطاع مشكلة تزداد بطول مدتها وصعوبة المهجور، ومن ثم خذوها نصيحة بلا مقابل، لا تهجر شيئا مدة طويلة عممتها بالنسيان ثم تقرر العودة فجأة لتسقي هجرانك بماء الود والوصال، كل هذه النوايا الصادقة في داخلك للبدء وفتح صفحة جديدة لن تشفع لك.. فاليباس يباس الهجران والانقطاع الطويل سيمد بأرجله الناشفة التي ربما أعاقها روماتيزم عدم الاستعمال وعدم تواصل ضخ دماء الحياة في الشرايين، (فالبعد جفاء) وجفاف للمشاعر وللأشياء.

      نصحنا أستاذنا في الدراسات العليا، المشرف على الدكتوراة بعد راحة الإجازة الصيفية الطويلة وانقطاع عن الكتابة أن لا نهجر كتابة البحث والدراسة طويلا وإلا عانينا من العودة لمواصلة العمل مرة أخرى معاناة كبيرة، الحقيقة كانت النصيحة غالية وهي لي ولغيري من الزملاء لكنني وقلة من الزملاء قبضنا عليها بشدة، ويبدو أن قبضتي كانت أشد من قبضة زملائي نوعا ما فقد (عضضتُ عليها بالنواجذ) كما يقال، أي اهتممت بها كثيرا واعتبرتها نصيحة غالية جدا، من يومها كتبت وكتبت بسرعة أدهشت الأستاذ، وكانت سرعتي لا تتيح له قراءة الفصل السابق الذي كتبته منذ أقل من شهرين تقريبا، الأمر الذي دفعه للترجي قائلا: اعطيني مهلة لأقرأ جيدا، قلت متسائلة: هل طريقتي في الكتابة خطأ يا أستاذ؟ قال بالعكس أنا أقرأ وأستمتع بما تكتبينه خاصة وأن الموضوع جديد وغير متكرر بالنسبة لي وأحيانا تدهشني استنتاجاتك النقدية وأنا الأستاذ المخضرم في النقد.. فهلا منحتني وقتا إضافيا للقراءة والمتعة..

      كان موضوع الدكتوراة بعنوان (ظاهرة الاغتراب في شعر المرأة الخليجية) وقد تناولتُ فيه سبع شاعرات من مختلف دول الخليج العربي، وطبعا أسعدتني ملاحظات أستاذي الذي كان يضرب فيه المثل بالشدة والصرامة، لدرجة أن طلبة الليسانس يلقبونه بـ(البعبع) أما طلبة الدراسات العليا فيطلقون عليه لقب المفتري، فهو من ذلك النوع الذي لا يقبل بانصاف العمل، وهو صاحب المقولة المشهورة إما أن تكون طالب علم أو تطلب الجهل بعيدا عن مكتبي، وهو لا يتورع أن يجعلك تعيد الفصل المكتوب أكثر من مرة إذا لم يقتنع به.

      المهم أنني اندفعت بسرعة أكبر لإنجاز الفصول القادمة مستمتعة أنا أيضا بتوجيهاته اللغوية والنحوية والنقدية لي وبتعليقاته المهمة.. ومع التقدم في البحث فهمت طريقته وما يجب أن أفعله، وما يجب أن أتجنبه فزادت سرعتي، واضطر الرجل أن يصرخ (يابنتي اتهدي شويه، ربنا يهد المفتري، على مهلك عليه.. أنا عندي كذا طالب غيرك) وشفع حديثة بابتسامة تشجيع وإعجاب واضح بحماسي واستعدادي العلمي، وضحكتُ من ثورته بعد أن تذكرت أن المفتري هذا لقبه وهو لا يدري..

      لقد كانت الفكرة -للأسف- سيئة عنا نحن طلبة الخليج جملة، لولا بعض نماذج قليلة، وقع عليها العبء الكبير لتصحيح صورة أصبحت مؤطرة وثابتة في الأذهان، الخلاصة أنني أنهيت الدراسة كلها في سنة وثلاثة أشهر الأمر الذي يعد سابقة في الجامعة وفي قسم النقد خاصة وهو القسم المعقد كما يطلقون على أساتذته.. وهنا (فرملني)/ أوقفني، النظام الجامعي الذي لا تسمح لوائحه بمناقشة رسالة علمية قبل أن تكمل سنتين من الموافقة على تسجيلها، أهم ما في الأمر أنني أخذت نصيحة الأستاذ بعدم التوقف والانقطاع طويلا عن أمر نويت عليه، والحقيقة لقد ظهرت لي سلبية هذا الانقطاع الطويل في التوقف أكثر من عام عن كتابة المقال الصحفي عندما قررت العودة للكتابة.. لأول مرة شعرت بالتردد وبحيرة اختيار مقالة البدء، وماذا أقول، وكيف.. ومن أين أبدأ؟ غريبة كان قلمي يسبق يدي في الكتابة فماذا حدث؟! إنه روماتيزم الهجران، فكما يقال دوما (العضو الذي لايعمل، يتعطل) لكن سأبدأ وسأعود، والعود سيكون أحمد إن شاء الله كما قيل في المثل العربي القديم، ولكن لماذا العود أحمد ليس بسالم ولا ناصر ولا سعيد؟ الحقيقة هذا المثل يعني أن العودة ستكون أفضل، وأحمد هنا أفعل تفضيل من فعل الحمد وليست من الاسم أحمد، جاء في لسان العرب: (وقولهم في المثل: العَود أَحمد أَي أَكثر حمداً؛ قال الشاعر:

      فلم تَجْرِ إِلا جئتَ في الخير سابقا...

      ولا عدتَ إِلا أَنت في العود أَحمدُ

      وقالوا (العَوْدُ أحَقُّ بأن يَحْمَدوهُ)، قاله خِداشُ بنُ حابِسٍ في الرَّبابِ لما خَطَبَها فَرَدَّهُ أبَواها، لكنه عاد مرة أخرى لخطبتها بعد أن مهدتْ له الرباب عند أمها فقال: العَوْدُ أحْمَدْ، والمرأةُ تُرْشَدْ، والوِرْدُ يُحْمَدْ).

      لقد عدتُ عزيزي القارئ وشكرا للمتابعة والتشجيع وشكرا على السؤال المتكرر الذي سمعته كلما التقيت بأحد القراء متى تنتهي هذه السنة التي حددت كمهلة، بل إن أحد الرائعين قال مهلتك طالت كمهلة الشاعر العماني ابن شيخان القائل:

      وقالتْ سآتي بعد عام وقد مضتْ

      سنونٌ وأعوامٌ ولم يأتِ عامُها

      فضحكتُ معتذرة.. وها أنا أعود.. نعم عدتُ مع فرحة الأعياد فرمضان عيد، والفطر عيد والأضحى عيد وللوطن عيد متأنق في حزمة أعياد هي فرحة الأرض وأبنائها بما تحقق وبما سيتحقق بعد أربعين سنة من جهد وبذل وعمل وعطاء وهو جهد يترجم مقولة (زرعوا فأكلنا ونزرع فيأكلون) إنها مقولة تكرس قيمة الأعمال لا الأقوال وقيم البذل والعطاء دون أنانية الذات وحساب الربح الفوري، فهل نعمل ونعمل لنحصد ثمار الفعل اليانعة تحقيقا لقوله تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُون).

      إذن أيامكم أعياد تتوالى على وطننا وسلطاننا وعلينا أجمعين وأرجو أن يكون العود أحمد لكتابة مفيدة وممتعة إن شاء الله.


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions