زحام الزحام .. - جديد معاوية الرواحي

    • زحام الزحام .. - جديد معاوية الرواحي


      منكَ يبدأ التغيير !!



      صباحَ الخير يا أصدقاء، من المؤكَّد أنَّكم ــ في هذه الساعةِ ــ قد وصلتم لمكاتبِكم ومن المؤكِّد أيضاً أنَّكم أخذتم ما لا يقل عن ساعةٍ أرضيةٍ كاملةٍ لقطعِ مشوارٍ يعتبرُ بسيطاً بالنسبةِ للعالمِ بأجمع.


      عدد مهولٌ من البشر يتقاسمونَ الطريق، وجوهٌ مليئة بالإرهاق، وحافلاتٌ تنقلُ الموظفين الرسميين المميزين بمصارِّهم الأنيقة. أربعة شبابٍ في سيَّارة صالون، وبنتٌ وحيدةٌ تقود في الطريق لابسةً قفَّازها ونظارتها الشمسية، إن أردتَ أن ترى ملمحاً عامَّا عن عُمان يمكنك البدء صَباحاً، على الأقلِّ من طريقة كلِّ هؤلاء في القيادة يمكنك الخروج ببعض الخُلاصات عن هذه البلاد الفسيفسائية الكبيرة.


      عندما نفكرُ بقضية الزحام صباحاً، هنالك عشرات المتغيرات التي يمكنُ أن تدخلَ في الأمر. فالقضية لها علاقة بالمساحات والأرقام والتصاميم، بالقدر نفسه التي لها علاقة بالسلوك الإنساني. عدد السيارات في اليوم، ومعدَّل التدفق في الدقيقة الواحدة، وأماكن الاختناق أو ما يسميه المهندسون [عنق الزجاجة] وأيضاً سلوكيات السائقين، والمواقيت العامَّة للعمل.


      يفجؤك البعض في الشارع بسلوكِه الغريب، تتخيله كما يقول المثل العُماني " كما الزنبور بو في قوقه حطبة" أي مثل الحشرة الملوَّنة في الحقول وقد أقحمَت قطعة خشبٍ صغيرة في مؤخرتِها. تراه يمسك المسارَ الأيمن، وينطلقُ متجاوزاً هذا وذاك، وعندما يتحرك المسار الأيسر تراه منطلقاً إليه مجهِّزا إشاراتِه ومنبه السيارة، وتلويحة اليدِ التي تجبرُك على السماح له بالمرور. أخلاقياتٌ تنعكسُ من داخلِ الفردِ الأنانيِّ الباحث فقط عن مصلحتِه الخاصَّة ضمن هذه الجموع الهائلة التي تعيش الظروف نفسَها. كذلك يخرجُ لك في الصباح عباقرةُ الاختصار، فما من شارعٍ جانبيٍّ إلا وقفزوا إليه، وتراهم في الأمامِ يدخلون الشارعَ أمامك مؤخرين رتلاً كبيراً من السيَّارات، هؤلاء المتحاذقون الذين أيضا لم يعنهم أن الجميع يعيش الظرفَ نفسَه، والجميع ملتزمٌ بمسارِه، ولكنَّهم في خضم انطلاقهم من الأنانية الشخصية يسمحون لأنفسهم بفعل ذلك، ففي نهاية المطاف ــ قد يبدو لهم ــ أن أعمالَهم أهمُّ من أعمال الجَميع.


      عددٌ هائلٌ من السيارات التي لا تحتوي على أكثر من شخصٍ واحدٍ، والنظام المروري العُماني الذي يضع لك شرطياً في نهايةِ كلِّ دربٍ يضعُ في اعتبارِه الآن الميزة الرقمية للعدد القليل من حوادث المرور التي سيتمكن الشرطة من إيقافِها، بالطبع كان من الممكن أن تبدأ التوعية بشكلٍ آخر، إلا أنَّ هذه النبرة الحكومية التي صارت تعلو مؤخراً، والتي تحمِّل الإنسان العُماني كلَّ الأخطاء معتبرةً إياه كائنا رعوياً ريفياً جاهلا يحتاج إلى حكومة تقوم بتنظيفه وإصلاحه، هذه النبرة الحكومية أيضا تغلغلت في فعاليات الشرطة، وظهرت في ندوة السلامة المرورية، التي كانت بعض مداخلاتِها خطابات عنجهية من قبل المسؤولين تجاه المواطن، وفي بعض مداخلاتِها تحميلٌ كاملٌ للوم، كما لو كان المواطن هو صانع القرار في هذه البلاد.


      حسناً لدينا الآن مشكلات متداخلة، فمن جهة لا يوجد حديث عن تطوير وسائل النقلِ العام، ولعل الكثيرين من المستفيدين وبالذات أصحاب محطات الوقود المنتشرة بشدة في العاصمة مسقط لا يريدون أن يخسروا ذلك المال الوفير الذي يصبه المواطنون كلَّ صباح في حصَّالتِه، فالنقلُ العامُّ المنظم ليس خياراً آمنا أو ممكناً، فماذا عساك أن تفعل بعد نزولك من النقل العام؟ تأخذ تاكسيا؟ لكي يضربك بخمسة ريالات [إنجيز]؟ أم يوجد خيارٌ آخر؟


      وبالنسبة لهؤلاء الذين يأتونَ من القُرى فإنَّ وقتاً إنتاجياً من حياتِهم الخاصة قد يبلغ الخمس ساعات يذهب يومياً في الزحام، ومع أنَّ 14 موظفاً قد أنقصً 13 سيَّارة من الشارع، إلا أن هذا القرار لم يكن لأسباب بيئية واقتصادية، وإنما لأنَّ مسقط أصبحت مدينةً تطفِّشُ البشرَ وتطردهم مليئة بأصحاب العِمارات والمؤجرين الجشعين، والتجار يأكلون بعضهم إن لم يجدوا مواطناً يأكلوه.


      لا نعيش في بلدةٍ من بلدان أوروباً الباردة كي نقولَ أن المشيَ من محطة قطار لأخرى سيكون خيارا حكيماً، ولا نعيش أيضا في بلادٍ تضعُ أماكن انتظار نظيفة ومكيَّفةٍ من أجل النقلِ الوطنيِّ الذي سيخفف على البيئة تلك الانبعاثات اليومية التي تصدر من سياراتنا، وكذلك نأتي نحن منطلقين من أنانيتنا الشخصية ونفضل دائما الركوب فُرادى في سياراتِنا لأننا مواطنو دولة نفطية، لا ندفع أكثر من [70] ريالٍ عُماني [ما يعادل 200 $] فقرار اقتسام حصة الوقود ليس قرارا نحن مدفوعون له دفعاً، وإنما هو خيار رفاهية لمن أراد، واختيارٌ مقصودٌ لمن أراد. الكل يحاولُ من جانبِه أن يفعلَ حسناً، ولكن ما الحلُّ في هذه المُصيبة، لقد أصبح قطع المسافة من دوار برج الصحوة، إلى دوار العذيبة يأخذ ساعةً كاملةً، ويزيد الأمر سوءاً وجود هؤلاء المتحاذقين على الأنظمة المرورية الذين يتقافزون من مسارٍ إلى آخر كزنبور كُرسَ في قوقِه حطبةً ساخنة، ما الحلُّ إذن؟


      &&&



      أعتقدُ أن الحلَّ يجبُ أن يبدأ منكَ أنت. يبدأُ منك عندما ترفض تلك الابتسامة الصفراء من [زنابير الطريق] وعندما تتوقف ــ إن كنت من الزنابيريين ــ عن سلوكك الحاذق. كذلك قد يبدأ الحلُّ من تقليل عدد السيارات التي تطوف يومياً، أو أن تبدأ الحكومة أيضا بفتح مساراتٍ خاصَّة للسيارات التي بها عددٌ أكبر من الركاب، بينما على الذين يقررون مزاحمة الخلقِ في الشوارع بسيارة يقودها شخص واحد، على هؤلاء الالتزام بالمسار الإجباري المخصص للسائق الفرد. قد تبدو كلَّ هذه ضروبٌ من الأحلام حالياً، ولكن في اليوم الذي سيصلُ في الزحام في مسقط إلى حالةٍ لا تُطاق، فليس من المنطقي أن نتحول حينَها لمدينةٍ طاردة للبشر، كما فعلت دبي، وإنما المنطقي اللجوء إلى الخيارات الأخرى، صحيح لا ينتظرُ أحدنا وعودا كبيرة بمترو عُمان الذي سيصل الباطنة بمسقط، ولا ينتظر أحدنا ترتيب سيارات الأجرة [العامل الطارد سياحيا حتى هذه اللحظة] ولا ينتظرُ أحدنا حدوث شيء، وإنما يكتفي بإضاعة ساعتين من عمره وحياتِه لكي يتجاوزَ الزحام، فإمَّا قيادة لساعة ونصف، وإما أربع ساعات إضافية تذهب من العُمر قبل وبعد العَمل.


      يبدأ منك التغيير عندما تقرر ألا تأخذ سيارتك وحدَك في الشارع، وكذلك عندما تحاولُ جاهداً أن تستقيم في مسارِك وألا تزعج الآخرين بحركات الزنابير، وكذلك يبدأ التغيير من الحكومة لو انتبهت إلى المسألة وتوقفت عن البقبقة التي صارت لسان حال المسؤولين العُمانيين مؤخرا، البقبقة التي تحمِّل العُمانيين كلَّ مصائبهم، وكأن الحكومة ليست هي السبب في هذا الوضع.


      تقوم الحكومة الآن ببناء بعض الدواوين العامَّة للوزارات هُنا وهُناك. وكالعادة فإن المخططين العتاولة من الحرس القديم في بعض هذه الوزارات لا يزالون في العصر القديم، عصر الحلم العُماني، جميعهم لديه سياراتٌ وبيوت، وبعضهم يسكن شقَّة في مسقط لكي لا يضيع العمر في الذهاب والإياب إلى بيتِه في البلاد. عدد هائل من الشباب العُمانيين يعملون في القطاع الحكومي، ولعلَّ العتاولة من الأكاديميين الذين يعملون في الحكومة ينسون أحيانا حاجة حلوة اسمها [البحث الاجتماعي] الذي يمكنُ أن يفعلوه بدلا من الجلوس وانتظار المرسوم السلطاني يمكن ذلك فعلاً قياس عدد الموظفين الشباب، أو الساكنين مسقط للبدء بخطة إسكانٍ لهم، إسكانٍ تقوم به كل هيئة حكومية بتوفير مجموعة من السكنات للموظفين كنوع من الاستثمار طويل المدى، استثمار سوف يقلل عدد السيارات في الشوارع، وسوف يقلل أيضاً عدد الحوادث، وسوف يشكل نقلة إيجابية ويربط الإنسان بعملِه أكثر. كما أنَّه سيشكل ضمانة للمواطن كي لا تسحقه الظروف الاقتصادية التي أصبحت [مرنجوحة] تقفز فوق وتنزل تحت دون أن يتوقع أحدٌ ذلك. كأن تلزمَ الحكومة الشركات الكبيرة أيضا بأن يكون لها مشروع إسكاني مساند لعملِها، مشروع إسكاني يضمُّ الناس في مكان قريبٍ من عملِهم، وينقذُ العدد الهائل من البشر المضطرين للسفر يوميا من الزحام غير المهم.


      ولكن السؤال الآن، مع وجود كل أصحاب محطات الوقود، وكل أصحاب وكالات السيارات؟ وأصحاب شركات التأمين؟ ووجود مجموعة هائلة من النافذين وصانعي القرار، المستفيدين مما يحدثُ حالياً، من زحامٍ ومن حوادث، ومن عدد هائل من السيارات يجوب الشوارع. هل سننتظر التغيير منهم؟ أم على التغيير أن يبدأ منك أنت؟




      المصدر : مدونة معاوية الرواحي


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions