سرد عابر عن فكرة المَكرُمات وسعار الفرحة الوطني ..
سيردُ أيُّ إنسانٍ أن يبدي وجهةً نظرٍ صغيرةٍ في هذا السعار الإلكتروني المتعلق بالمكارمِ والهِبات، وبينما تدقُّ الأجراسُ في البلاد احتفالا بمقدم العيد الوطني السعيد، تدقُّ النقرات في السبلة وغيرِها من المواقع في تغطياتٍ هائلةٍ عن المَكارمِ التي أسبغها جلالة السلطان على المواطنين، خواصاً وعامَّة. حسناُ في البداية دعونا نحدد شيئا مهما، نحن في دولة نظامها سلطاني وراثي، سلطانها الحالي ثامن سلاطين آل سعيد، أو ثامن حكَّامهم بشكل عام، العطايا والهبات تتعلق دائما بالمشيئة السلطانية، وما دامَ الدستور يحدد أنَّ السلطان أمره مُطاع واحترامُه واجب، وذاتُه مصونة، فالمكرمات والعَطايا والهبات هي جزء من وسائل السياسة في إدارة المجتمع وإدارة توجهاته، تماما مثل التسريب المتعمد من أجهزة الأمن لخبر كشف خلية تجسس، كل هذا من وسائل إدارة المجتمعات، ومن وسائل السيطرة على الرأي العام، بالطبع في الأنظمة القمعية الشمولية الباطشة يتم السيطرة على الرأي العام بطرق لا أخلاقية، وبها الكثير من الدماء، وحتى هذه اللحظة ــ وهذا شيء حسن ــ لم نر حمام دم، أو إعداماتٍ سياسية أو أمنية، وحتى في حالة المتجسسين لصالح الإمارات، الذين كشفتهم الأجهزة الأمنية، ثمَّة تمهيد للعفو عنهم، فالمجتمع يريد عقوبة الإعدام، والقانون يقول لك التخابر له شروط، والتجسس، وتسريب المعلومات، بينهما فوارق طويلة في سنوات السجن وطريقة العِقاب، حسناً دعونا نتفق، الوضع وأن يأمر السلطان قابوس بتوزيع بعض حاصلات بيع النفط على الشعب بالطريقة التي يراها مناسبةً. سواء عبر ديوان البلاط، أو عبر جهات أخرى، أو عبر وزارة المالية. هذا هو مشهد السلطة، مشهد القوة، ما دمت قد اتفقت فيما قبل، فما هو بعد تحصيل حاصل، أمَّا إن كانت لديك رؤية أخرى، فسيصبح توجيه التقريع واللوم للمجتمع على ما يحصل تصرفا استعلائيا كَبيرا، المجتمع ليست لديه قضية سياسية، ليست لديه مشكلات مع السلطة، لدي مشكلات مع لقمة عيشِه، والمجتمع اعتاد ثقافة المكرمات والهبات والعَطايا، وبالتالي عندما تسلط عليه احتقارك، وعندما تسلط عليه استعلائك فأنتَ تُمارس خطئا هائلا، كان عليك أن تبدأ بالتوعية، وتتحدث عن المسكوت عنه، ومن ثمَّ يمكنك استخدام المجازات الملائمة لوصف الحالة. من المؤسف أن أحدهم لجأ إلى مجاز [الكلب ــ التابع] وهذا مجازٌ خطير للغاية، وربما يمكنني أن أقول أنَّه غير متحقق كليا في عُمان، في عُمان لدينا السلطان شخصيته محبوبة، وفعلاً يوجد أناس فرحون بالعيد الأربعين، وفعلاً هُناك من يكتب في الرسالة الطويلة لصاحب الجلالة، أو بالأحرى من يكتبن، فعلاً هناك منهن من يبكين وهن يكتبنَ بكل صدق له، حتى لو كانت الفعالية العامَّة تملقية وتطبيلية كبيرة، إلا أن الحب الحقيقي موجود، بصدق لست ضد احتفالات العيد الوطني، ولكنني أريد لهم تطبيق أفكار إبداعية أجمل، أفكار يمكنها أن تخدم البلاد بدلا من أن تعود بالنفع على وزيرين أو ثلاثة، لو فعلاً أردت إهداء السلطان هدية لنقَّشت سجادة حمراء وأهديتها له وأقول [حكمت فعدلت] بخيوط ذهبية، أو أقول [وعدت فأنجزت] لن أقول له [أنت عُمان] فهو ليس عُمان، وعُمان ليست شخص واحد، هذا كلام المنطق، كلام العقل، وكلام جلالة السلطان.
يجابه البعض تصرفات الناس تجاه المكرمات والعطايا باستعلاء كبير، وهذا مؤلم للغاية، فهو انفصام عن فهم المجتمع، هو استعلاء عليه. نعم يمكنك أن تتخذ ما شئت مواقف ما دمت محاطاً بمعرفة وثقافة تسمح لك أن تفهم ما تريد قولَه، ولكن هؤلاء الذين ليست لديهم تلك الثروة التي لديك، هم أقل حظَّا، أقلُّ شأنا، لا يستطيعون الحديث عن مشهد الرجل الواحد، ولا يعرفون الفارق بين السلطان وبين رئيس مجلس الوزراء، ولا يعرفون الملكيات الدستورية، البعض من هؤلاء يعيش حياته باطمئنان وسعادة، ومنهم الطبيب البارع، والمهندس الممتاز، ومنهم المدرس، ومنهم ربة البيت، كل هؤلاء يتعاملون مع المشهد العام ببراءة وشفافية ولا تعنيهم خبايا السياسة، ولا يهمهم أن علي بن ماجد اجتمعَ أو صرَّح، هؤلاء يعودون في إجازة العيد إلى أبنائهم وهم فرحون ويذبحون ثوراً دفعوا فيه نصفَ راتبهم، هم ليسوا كذلك لأنهم ضحية أحد ما، ولكنهم كذلك لأنَّهم أرادوا ما يحدث.
&&&
مثلما يكون لك حظ، فتكون متعلماً، أو قارئا أو تجيد اللغة الإنجليزية، ومثلما يكون لك حظ في الكثير من الأشياء، ينسى البعض أنَّ الجميع لم ينل الحظ نفسه، فترى ردة فعله تجاه المجتمع، تجاه فرحته الحقيقية الصادقة بما يحدث، تراه يقف باستعلاء أمامَها، نعم ثقافة المكرمات والهبات بها إشكاليات، ولكن لا تتهموا فرح الناس بالزيف لأنكم ترون الأشياء من منظور مختلف، منظور الرجل العادي، والمرأة العادية التي تكتب الرسالة للسلطان، هو المنظور الأهم، منظورك إن كان مختلفاً فعليك أن تسوقه، وأن تحاول إفهام الآخرين به، لا أن تجلدهم بسياط معرفتك فقط لأن الحياة وفرت لك ظروفاً لتعرف ما لا يعرفه الآخرون. دعهم يفرحون قليلا، ودعهم يحترفون، فهؤلاء على الأقل يشعرون بسعادة ولذة في هذا الفرح، ومن الظلم الفادح أن تدع اكتئابك العقلي مفسداً لهذا الفرح.
ماتت الكثير من الأشياء في السبلة، وماتت الكثير من الأشياء في المنتديات، مواضيع هائلة وكثيرة تدل على الآثار الجانبية السيئة للثقافة المكرمات والهبات، أن تصفهم بالكلاب الذين يلقى لهم العظم، أو تصفهم بمصاصي الدماء، أو تصف الوزراء بالطبالين في العيد الأربعين تقرباً من السلطان، كلها صفات قابلة للأخذ والرد، ولكن هؤلاء البشر الذين اسمهم مجتمع، وهؤلاء الناس، لست بأفضل منهم، ولست بأحسن شأناً ولست بأعلى مقاماً.
حسناً ها هو السلطان يحتفل بالعيد الأربعين، نعم الرجل فعل الكثير ويستحق أن يفرح بهذا اليوم، فكروا فيه كموظف برتبة [سلطان] فكروا فيه كرئيس مجلس إدارة دولة، أو كأي شيء آخر، جدوا المجاز الذي يناسبُ مقامَه، ولكن لا تتهموا فرح الناس بالزيف، هم فرحون، ولا تتهموا تهافتهم في النت على طلب المكرمات، وتصفوه بأبشع المجازات، فهذه ثقافة الوضع الحالي، وهذه تبعات كثير لتاريخ طويل، يمكن تغيير الكثير من الأشياء فيه بالعمل الجاد، والأهم بالتوعية التي يجب ألا تتوقف. أما البقاء بعيدا، والتعزز، والاكتفاء بالمعرفة والثقافة لكي تقول للناس أنَّهم أدنى مكانةً منك، فهذا استعلاء مفهوم، قد يمارسه كل من يتوهم العبقرية، ولكنه في نهاية المطاف سيبقى وحيداً في عزلتِه الأبدية بحثاً عن واقعٍ لا يمكنه أن يصنع.
&&&
شخصياً يؤرقني وجود الكثير من الخلل والمشاكل في عُمان، يؤرقني نصف مليون وافد، يؤرقني تهافت مئات على طلب مكرمة من السلطان، على حساب الشركة التي يعمل به، يؤرقني أنَّنا نحتفل بالعيد الأربعين ولا ولي عهد واضح لعُمان، يؤرقني وجود خلية تجسس للإمارات، يؤرقني قانون الخدمة المدنية الجديد، يؤرقني أني أبحث عن شقة إيجارها أقل عن 300 ريال، يؤرقني أن بائعي الهوش يغالون في السعر، يؤرقني أن التجار أصبحوا أكثر جشاعة، يؤرقني أنني أخاف من رفع الرواتب لكي لا يلتهمنا التجار، يؤرقني أن البعض بدأ يقول [سني ــ شيعي] كل شيء يمكنه أن يؤرقك ويؤرقني ويؤرق أمهاتِنا وآبائنا، ولكنه لا يعني أن أتهم فرح الآخرين بالزيف، ولا يعني أن أتهم حبهم بالنفاق، وراء تصرفات الطبالين المنافقين للسلطان، هُناك فعلا من هو يحب السلطان وهُناك فعلاً من يراه نعمة ربانية، نعم قد تبدو فكرة الرسالة للسلطان من النساء تصرفاً ملقياً من قبل وزيرتين أو ثلاث، ولكن الذين يكتبون، يكتبون بصدق، والعبارات الموجودة سوف يدرسها ضباط في المكتب ربما، أو في الجهاز، أو في الشرطة، وربما تكون استقراء للرأي العام، وربما تكون لها ألف وظيفة، ولكن لا يمكن اتهام حب هذا الناس بالزيف، فالذي كتب لم يكن مكرها، والتي بقيت طوال ساعات تفكر ماذا ستكتب ضمن آلاف النساء، لتكتب شيئا مميزا، هي فعلاً تؤمن بالحب الذي ستضعه في الرسالة. ونعم هُناك من ركبَ الموجة للربح، هُناك من شاركَ هُنا وهُناك، هذا طبيعي، ضمن إكراهات الحاجة، أو الطمع، أو الرغبة، ولكن هذا ليس عذرا لتقفَ أمام كل هؤلاء باستعلاء، ليس عذراً أبدا، فهؤلاء هم أهلك وأبناؤك، وأخوانك، وآباؤك، وأجدادك، وأخواتك، وأمك، وجدتك، وزميلتك، وكلهم في هذه اللحظة فرحون، إن أردتَ أن تبقى وحدَك وتفكر بما سيحدث لنا بعد السلطان، يمكنك ذلك، ولكنهم دعهم يفرحون قليلا، دعهم. ليسَ الجميع لا يريد أبناءه أن يشاركوا في العرض الطلابي، البعض يراه واجبا وطنيا، ونعم كان على وزارة التربية ألا تكون غبيةً وألا تقفزَ لإجبارهم، نعم كان على البعض ألا يفصل هؤلاء الطلاب وألا يهدد أولياء أمورهم، فالفرح ليس بالإكراه، ولكن هُناك من هو سعيد، وهُناك من هو مبتهج، وهُناك من هو مغتبط، وهُناك من لا يريد الفرح لأنه يكره الفرح، أو لأنَّ المعرفة التي في رأسه تصور له أنه أحسن من ذلك المواطن البسيط الذي فصل دشداشةً بألوان علم السلطنة.
هكذا هو الحكم في عُمان، وهذا هو الأسلوب العُماني، وهذه طريقة العُمانيين في الحب، يمكنك أن تختلف معها، ولكن أرجوك، لا تقم باحتقارِها، ولا تستعلِ عليها، وتذكر أنَّك مهما وُهبت من العلم والمعرفة والثقافة، فإنَّ لغيرِك من الذين صمتوا عن الكثير، فإنَّ صمتهم مساهمٌ فيما أنت عليه، وصمتهم وتنازلاتهم صنعت وجعلت منك ذلك، إلا إن كنت تعتقد أن نسج نفسك حينها فأنتَ وشأنك.
نعم أنا نفسي، رغم فضائح التعليم العالي، ورغم سخطي على وزارة الإعلام، ورغم ما يفعله البعض بجعل تاريخ عُمان إنجازا لقابوس وعُمان تكبر بألفين وتسعمائة وتسعين عاماً عن الأربعين، ورغم مشكلات كثيرة تعاني منها عُمان أشعر بفيض صادق من الحب للسلطان، فيض ربما لن أعبر عنه بلوحة [بابا قابوس أنت عُمان] أو ربما لن أجيد كتابة قصيدة عُمودية ولكنني لو التقيت بالسلطان كنت سأقول له كما اقترحت لذلك الذي يريد وضعه لوحة في الشارع، أو لزميلة تريد كتابة جملة في الرسالة:
جلالة السلطان ..
قلتَ فصدقت ..
ووعدت فأنجزت ..
وحكمت فعدلت ..
فلك الوفاء والولاء ..
بنات وأبناء عُمان ...
هذا يكفي كثيراً .. ربما لو في مناسبة أخرى لقلت له أن بعض الوزراء قد طفرَ منهم الشعب، ولكن ما دمنا في مناسبة الفرح، فليكن الفرح فرحاً حقيقياً ..
المصدر : مدونة معاوية الرواحي
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions