درس نـــفسي لــ (وزير) جديد عقل الحدث

    • درس نـــفسي لــ (وزير) جديد عقل الحدث







      في مقهى بسيط وعلى (فنجان شاي) بــ مسقط .. كنت على موعد مع أستاذ لي لم ألتقه منذ سنوات عديدة .. وبالصدفة كنت على مقربة من قصة قدرية أبت إلا أن تكون الموضوع التالي .. وكما قال وديع الصافي (ريحة أراضينا .. عم بتنادينا) .. ولا أجمل من رائحة مزج ذاكرة الحكايات في عُمان ..
      ،
      ،
      حكاية أستاذي تقول كما رواها على لسانه:
      واصلت معترك الحياة ذات سنوات في لندن .. أقضي يومي بين الدراسة والنزهة بين أحيائها العتيقة .. كنت أمر على محلات بيع الملابس والأقمشة .. وقع ناظري من اليوم الأول لدخولي أحد تلك المحلات المتناثرة على طقم جميل .. وددت اقتنائه لكن إمكانياتي المادية لا تسمح بذلك .. أدمنت الذهاب إلى هناك بشكل شبه يومي لأقعد أرتديه أمام المرآة وبائعات المحل من ذلك الفعل الذي كنت أقوم به.. إلى إن ذهبت في أحد الأيام ودخلت لتجربته كــ (العادة) .. فجأة جاءت امرأة لم أرها من قبل وهي تكبر البائعات سنا لكنها جميلة بــ (ابتسامتها)..
      سألتني حين رأتني أرتدي ذلك القميص وأنا مزهو بجماله :
      هل أعجبك الطقم؟
      هو : نعم سيدتي .. وأنا آتي إلى هنا دائما لتجربته
      هي: لماذا لا تشتريه؟
      هو: الثمن نوعا ما أضخم من إمكاناتي المادية
      هي: بكم تريده؟
      (الأستاذ في لحظة صمت مؤقت)..
      أريده بنصف القيمة!!
      هي: خذه بنصف القيمة
      هو: لماذا ذلك ..
      هي تسرد بــ فرح وابتسامة:
      بالتأكيد سأكون مسرورة جدا لو أخذته .. لأنك ستذكرني .. وستذكر هذا المحل وحكايته معك .. وسيأتي اليوم الذي ترويه فيها إلى أحدهم في مكان ما وسط هذا العالم .. والأهم من ذلك كله يفرحني أن أوجد بعض السعادة لأحدهم بسبب قطعة قماش (لا جات ولا راحت) على قول أستاذي الذي يبلغ من العمر الآن 62 عاما .. (الله يعطيه الصحة والعافية)


      ،
      ،
      ليكون أخوكم (عقل الحدث) هو أحد المستمعين تللك الحكاية التي مر عليها الآن 40 عاما كما هو حال تجربة عٌمان الحديثة .. معكم سأحتاج إلى (بوصلة عمل) تهديني إلى مميزات ما يمكن تحقيقه من الذي لم يتم إلى الآن .. والقادم هو (4 رسمات) أختمها بسؤال معلق من حكاية أستاذي..


      ،
      ،
      (1)
      هنا في عُمان .. من (يذكر) ومن (ينكر) ما تحقق وما لم يتحقق في 40 عام بــ فرح وحزن .. وهنا أيضا من يأخذ بيد (المواطن والمقيم والزائر) ليريه منطقة الجمال المسكونة في أعماق تلك التجربة الأربعينية التي ما لبثت طوال أعوامها إلا وتصاب بمنزلقات (أوحال) التشاؤم والزرع الفاسد الذي حاول بعض الغرباء (ريه) على هذه الأرض الطيبة .. إنه منزلق الحكاية نحو (التربص) الذي يحيط بــ عُمان الحبيبة .. حتى كتابة هذه الأحرف والعالم يأخذ منحى (المصلحة) في التعامل (لاغير) .. وهو إجبار وجبروت السياسة ووهم (البقاء) الذي راود ويراود (الأنفس الأمارة بالسوء) ..
      هل نحن أطياب يا قوم حتى نروي تلك الحكاية كما روتها (السيدة الباسمة) بكل أمل في تحقق نتائج فعلها التي حدثت لاحقا؟


      ،
      ،

      (2)


      لا شك أنها لحظات (حاسمة) في تاريخ عُمان الحديث .. أرضيتها والمطالبات الشعبية هي نفسها التي تسبق عادة (التغيير الشامل) لأية حكاية تدخل مرحلة (التجميل) و (المزايدة) و حتى (التحريف) .. ولا سبيل لتفادي (الخلل) إلا (التوازن الناضج) .. ولكن كيف ذلك ونحن نرى طاقات المجتمع الشابة تتصادم مع من سبقها عبر مساحة واسعة من الانفتاح؟!!
      إنها أخطر إفرازات العام الأربعين إن لم يحسن استغلالها .. ( الاختلاف الفكري) و (التباين الثقافي) وتواضع مستوى تقبل (الآخر) .. وحتى كيفية إيصال الرسالة التي نريد ..
      . فمن سيسرد حكايته على أكفف الراحة والتناغم .. لا (التنافر) .. تماما كما حدث مع تلك السيدة الباسمة؟


      ،
      ،
      (3)
      اليوم سيداتي وسادتي .. نسلك درب الخروج الحقيقي إلى العالم .. هو موعد خروج الصوت .. ليس لأننا في عزلة عن الآخر .. بل لأن واقع البناء لدينا أوجدنا بمرحلة سابقة في غرفة (الصمت) و (المراقبة) بأعين مفتوحة..
      إنه الواقع الذي رواه صاحب أمسيات مدينة حين قال "غسق الخريف في الجنوب .. وها هو يتورد مثل كتلة ملتهبة .. تغور الشمس .. ولكن رؤوس الجبال التي تقابلها متجهمة .. إن هذا كله قد أوحى للعمانيين بحريق هائل"..
      سجلنا التاريخ بأحرفه على مقربة من ذلك الحريق الذي قابل غسق الخريف .. فهل لنا الوعي الكافي للدخول إلى منطقة عدم (النسيان) مرة أخرى .. كما حدث مع تلك السيدة؟


      ،
      ،
      (4)
      الحديث الآتي يا قومي الشرفاء على حادثة لــ وزير وقعت مؤخرا .. وهي بوابة لصناعة حكاية جديدة .. (اللهم أنا لا أشمت) .. سأرويها بطريقة (شعبية) حتى تصل .. وإن لم تصل .. فالخطأ مني .. لا من (عقل) من لم يفهما ..
      الحكاية تقول:
      وزير بــ (وزارة) .. نعم بــ (وزارة) .. كون أن البعض يحملون لقب (معالي) بلا (وزارة) .. ويأخذون الأموال (بلا وزارة) .. وجالسين فــ البيت .. (بــ وزار .. وبلا وزارة).. و (مااااااااااااا علينا) ..
      هذا الوزير سلمكم الرب أخذ (ذنبه على جنبه) بعد ارتكابه خطأ شنيع .. وأعاد ارتكابه (على باله محد يعرف) ليصبح مثل اللي (طالع من الخب .. وطاح في الطوي) .. ووصل أمر الخطأ إلى (فوق) .. وطُلب منه الحضور .. (قالوله تعال)!!
      حضر .. لــ يأخذ (الدرس) في اليوم الأول .. والذي كان عبارة عن حصة وقوف لعدة ساعات وهو الذي تعود الجلوس على أكفف راحة (مكتبه الوزاري) دون السؤال عن الكادحين تحت شموس عُمان التي تحرق الأخضر واليابس في فصل الصيف ..
      عند الفجر أذن له بالانصراف دون أن يكلمه أحد .. الدرس نفسه تكرر في اليوم التالي .. ليعيش هذا الوزير يومه الثالث في حالة توهان مع (النفس) .. إنها بداية التعلم من الدرس (النفسي) الذي وجهه ذلك المعلم البارع .. وفي اليوم الرابع الوزير يتجول في وزارته يسأل الصغير والكبير عن احتياجاتهم .. ويصل اليوم الخامس وهو على رأس العمل في المشاريع المنفذة في مختلف الأرجاء .. ليواصل عمله حتى اليوم على نفس (الوتيرة) .. فكان (الدرس البسيط) ذو (النتائج الكبيرة) .. وكما يقول المثل العماني (الكف اللي صفعني نفعني)..
      (ملاحظة: ليست بالضرورة أن تكون هذه القصة واقعية) ..
      ،
      ،
      نحن يا قومي:
      كيف نتعلم .. حتى نستقيم .. ومن ثم نروي كل حكاية تعلمناها بمنتهى الشفافية ودون مبالغات .. كيف نتصالح مع ذواتنا حتى نخرج إلى الواقع السليم؟





      المصدر : مدونة عقل الحدث