قال لي لا تترك الإسكندرية بحثا عن غيرها
فوجدت كافكا تحت جلدي
ملائما لعباءة الكابوس والبوليس فينا
"محمود درويش"
لعلّ من أبرز الأحداث التي شهدها العام الميلادي 1925 كان رفض الكاتب المسرحي والاديب الساخر الايرلندي برنارد شو لجائزة نوبل, وقال وقتها: "إن جائزة نوبل تشبه طوق النجاة، الذي يتم إلقاؤه لأحد الأشخاص بعد أن يكون هذا الشخص قد وصل إلى الشاطئ"
في وقت كان أدباء العالم يلهثون خلف الجائزة ويحركون كل الخيوط التي من الممكن أن تنسج حلمهم ,رفضها وسخر من نوبل بمقولته اللاذعة:
" إنني أغفر لنوبل أنه اخترع الديناميت... ولكنني لا أغفر له أنه أنشأ جائزة نوبل "
وإن كان قبلها أخيرا : "إنّ وطني أيرلندا سيقبل هذه الجائزة بسرور، ولكنني لاأستطيع قبول قيمتها المادية، إن هذا طوق نجاة يلقى به إلى رجل وصل فعلا إلى بر الأمان، ولم يعد عليه من خطر"، وتبرع بقيمة الجائزة.
وكما أنّ الأدب حوّل في أوقات كثيرة الجمادات إلى مخلوقات حية كبعض الشعر الذي حوّل الحطب إلى ليلى وفوهات القمر الخامدة إلى جمال أخاذ فقد صنعت الجوائز أدباء ..وبطبيعة الحال ليس كل الأدباء هم من صنعتهم الجائزة
من السذاجة بمكان انكار دور الجوائز خاصة إذا ما مثلت تعبيرا عن الاثر الذي خلفه الأدباء وما بنوه من فكر أسهم في بناء المجتمع وترسيخ قيمه النبيلة وفي تغيير الكثير من القناعات والقيم السلبية التي توارثتها الأجيال زعما انها من الدين وأصبحت خصوصية لتلك القبيلة أو لذلك الوطن.
لكن السذاجة ستكون حاضرة بقوة عندما تنحرف الجوائز بالتسييس لتتحول إلى هبات لشراء ما تبقى في تلك الأقلام من حبر أصيل
تنكسر كالضوء الشارد عبر تجاويف غرف التدشينات
وتصبح كالأجر الذي يناله الحجام لقاء ممارسته للحجامة:خبيث
ليسكن بعدها التكريم أعمدتهم و مؤلفاتهم و "أوبريتاتهم" وأصواتهم النثرية والشعرية أحقابا من الدهر
ويتخلى البعض عن سخريته وينال من صرخات المقهورين على جدران سيّده
والاكتفاء بالقول: أشعل شمعة في الظلام!
لإنه وبعد التكريم سيصبح من الاستحالة بمكان اعتناق فكرتين متضاربتين.
السذاجة نفسها ستحضر هناك كما ستحضر عند قراءتكم لرواية المحاكمة
للروائي التشيكي فراتنز كافكا,وهو يتحدث فيها عن جوزيف الذي يستيقظ ذات صباح ولأسباب لم يذكرها المؤلف يتم اعتقاله ومقاضاته على جريمة لم يحددها أيضا!!!!
عزيزي كافكا تعال اكمل رواية روّاد الثقافة في عمان فلدى العماني تحفظات واعتراضات على القائمة الذهبية المتوّجة بالأوسمة المتبقية من أوسمة العيد الأربعين..
تخيّل قارئا عمانيا بسيطا مثلي يستيقظ منذ عشر سنوات صباحا و هو يطالع الساحة الأدبية ويقلب كل الملاحق الثقافية ليجد أن ذاكرته التي كان يلقمها طيلة العشر سنوات قراءة ومطالعة أصبحت رهن الاعتقال بدون أي تهمة، مطالبة بالمثول أمام قاض تحقيق -هو ناقد هو مؤرخ هو روائي هو شاعر هو كل شيء -يبلغك بفقدان ذاكرتك حقوقها ، وتمثل أمام محكمة حتمية من الاستحالة الوصول إليها –محكمة الأربعين-، وقانون غير مرئي وحكم لا يمكن التنبؤ به…
لكن لحظة عزيزي كافكا
لم يتم اعتقالي بعد ولا حتّى مقاضاتي ..
لكن أرجوك أذكر الاسباب التي دعتهم لاختيار هؤلاء الأربعين
ولمَ تم تجاهل اسماء أخرى كبيرة لها ثقلها في الوسط الثقافي العماني
وحدّد الجريمة ..عفوا عفوا ..أقصد حدّد الانجاز الذي حققه هؤلاء الروّاد
كلهم ..حتى نضعهم على الميزان ..كلّنا
اعتقد المتابعون للساحة الثقافية في بداية الأمر أن بعض ما يحدث هو مجرد مزحة سمجة ومشهد هزلي كما اعتقد جوزيف في فصول محاكمته أنها من فعل أحد أصدقاءه بمناسبة عيد ميلاده الثلاثين –يا خسارة لم يكن الاربعين!-
لكن مع مضي اجراءات تسليم المكرمة ومحاكمة جوزيف نكون أمام واقع لا مجال للحلم فيه أن تقوم له قائمة!
جوزيف وجد نفسه في نهاية الأمر بداخل زنزانة مليئة بالألم والبؤس هي أشبه بالزنزانة التي وجد فيها بعض الأدباء غير المكرمين والمستحقين للتكريم أنهم قد ألقوا فيها!
"أها ويطلعلي واحد ويقول ترا الانجاز يتكلّم بعد ايش حاجتنا للمعايير"
أتذكر موقفا للروائي الجميل صنع الله إبراهيم عندما رفض إحدى جوائز الحكومة المصرية معللا فعلته بتعليقه(كل ما أستطيع هو أن أشكر مرة أخرى أساتذتي الأجلاء الذين شرفوني باختياري للجائزة وأعلن اعتذاري عن عدم قبولها لأنها صادرة عن حكومة لا تملك –في نظري- مصداقية منحها وشكرا)
إصابة موفقة للروائي
بعد التكريم الأخير الكثيرين علّقوا أن هناك أسماء استحقت التكريم وأسماء استبعدت من التكريم وأسماء أخرى كان تكريمها نوعا من الغباء وكأن ثمة من يتتبع مصالحه!
هناك شريحة كبيرة في عمان تتفق معي وهو أن الأمر غير واضح في هذا التكريم...
بالمناسبة يا أصدقائي المكرمين وغير المكرمين:
كافكا الجميل كتب رواية المحاكمة اثناء الحرب العالمية الأولى ولم تنشر إلا عام 1925 وهي ذات السنة التي رفض فيها برنارد شو أن يتسلم جائزة نوبل!
وللعلم أيضا فأن كافكا مات بمرض السل -عافاكم الله- الذي أفقده قوته وحيويته وجعله يتخلى عن دوره الريادي كروائي!
وأيضا حتى لا أنسى فإنّ كافكا كان قد أوصى صديقه المقرّب أن يحرق جميع أعماله,لكن صديقه الأهبل لم ينفذ الوصية ونشرها وكان من بينها (المحاكمة)!
وأخيرا يا أعزائي المكرمين فإن لكافكا عمل رائع آخر هو المسخ ويحكي قصة رجل يستيقظ من نومه يجد نفسه قد أصبح صرصارا كبيرا ورائد من رواد الصرصرة في عالمه.
المعذرة :حتى لا يساء الظن –وسيساء!- أنا لا ابتغي مكرمة من أحد لإنني وببساطة لا أجدني استحقها ولم أقدّم ما يشفع لي أن أكون ضمن الألف لا الأربعين فحسب!
أخيرا أصدقائي :كلي شوق أن أطالع في العيد الخمسين للنهضة المباركة اسم احد روّاد الثقافة "أبو فيصل الثاني" ضمن أفضل خمسين أديبا
مبارك لكل المكرمين بإختلاف توجهاتهم الفكرية ومدارسهم الأدبية.
وردة لكل الأقلام الحرّة في عمان
الأقلام التي تعرف طريقها في وقت ضلّت فيه الكثير من الاقلام طريقها وهي تبحث عن مداد يكفل لها مواصلة تملّقها ومشاريعها التسلّقيّة.
على الإبداع الحر الأصيل أن يتواصل في حضرة التكريم أو عدمه.
"إنّ المنطق لا يمكن تغييره دون شك,
لكنّ المنطق لا يستطيع أن يصمد أمام رجل يستطيع أن يعيش"
فرانتز كافكا .. المحاكمة..ص244
المصدر : النوارس لا تحلّق بعيداً
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions