عندما "تيبّس" الطبيعة رأسها!
يستخدم الكثير من العمانيين عبارة "يابس راسه" للدلالة على عناد الشخص، واصراره على الشيء مهما حاول الآخرون إثناءه عنه.
الطبيعة يابس راسها غالبا، فهي تصر على قوانين لا تحيد عنها، وتحب ان تحيرنا عندما تتصرف كما لم نتوقع. من أهم قوانين الفيزياء او العلم بشكل عام قانوني الداينميكا الاول والثاني First and second laws if thermodynamics ، الاول ينص على حفظ الطاقة، ولعل الكثير منا يتذكر نصه المترجم للغة العربية " الطاقة لا تفنى ولا تستحدث من عدم، إنما تتحول من صورة إلى أخرى" ، اما القانون الثاني فيأتي بتعريفات متعددة، ويشمل ظواهر مختلفة، احد التعريفات هو " من المستحيل ان تحدث عملية انتقال حراري من جسم أبرد إلى آخر ذي درجة حرارة أعلى بصورة عفوية spontaneously " (أرجو ألا اكون قد فشلت في ترجمة المعنى الصحيح للقانون!).
القانون الثاني وهو محور الحديث يتجلى في ظواهر مختلفة، فإذا افلت كرة مثلا من ارتفاع معين إلى الارض(دون دفعها بقوة) في الهواء الطلق ترتد إلى الاعلى، من المستحيل ان تعود الكرة إلى الموقع الذي اسقطت منه، السبب يعود إلى الاحتكاك بالهواء الذي يفقدها شيء من طاقتها الحركية ويحولها إلى طاقة حرارية، كذلك ارتطام الكرة بالارض قد يحدث تاثيرات غير مرنة (انبعاج في سطح الكرة او الارض) inelastic deformation يحول جزء من الطاقة الحركية إلى طاقة سكونية تحفظ في الجسم الذي انبعج سطحه.
عملية اسقاط الكرة توصف بعملية غير قابلة للعكس irreversible بصورة عفوية spontaneously بسبب وجود معيقات للعكس irreversibility منها الاحتكاك، والانبعاج.
.....................................................................................
العمليات الغير قابلة للعكس لا تنحصر في مجال الثيرموديناميكا فحسب، بل نستطيع رؤيتها في كل شيء، التقدم في السن مثلا، الاشياء تصبح قديمة مع مرور الزمن، الطعام المطبوخ لا يمكن تحويله نيئا مجددا.... الخ.
في العلاقات البشرية تحدث مواقف لا يمكن عكسها، بادرة جيدة لا يمكن نسيانها، خيانة لا يمكن غفرانها، او كراهية لا يمكن التخلص منها.
....................................................................................
ربما اكثر ما يتجلى فيه تيبّس رأس الطبيعة ميلها للعشوائية، الكون بشكل عام يحب الفوضى، الطاقة تميل للتحرر والحرارة تحب الفرار من الاجسام الساخنة إلى الباردة، الكون يحب ان يتمدد (ويتنعشل!)، حتى الاشياء في بيوتنا وغرفنا، تميل إلى الاضطراب والفوضى مع النشاط البشري، ولا تعود لنظامها إلا بعد ان يقوم البشر بعمل لترتيبها، العمل في الترتيب، او الشغل Work الذي ينشئ او يحرك علمية غير عفوية، كانتقال الحرارة من الجسم البارد إلى الساخن كما يحدث في الثلاجة، فالتيار الكهربائي يبذل شغلا في عملية تسمى ضخ الطاقة Heat pump لنقل الحرارة من الاشياء الباردة في الثلاجة إلى الجو الاسخن منها.
.....................................................................................
ما يميز الديناميكا الحرارية عن غيرها من فروع الفيزياء (او الكيمياء كذلك) انها كما يقول المصريين (بتاع كله)، فهي تدس انفها في كل شيء، في الفيزياء، في الكيمياء، في الطبيعة، وحتى في اجسامنا، عملية نمو الشعر مثلا غير قابلة للعكس، فالشعر لا يصغر بل يتساقط، عملية التساقط في حد ذاتها غير قابلة للعكس.
لا اعلم هل إن لماذا هذه (النزقة) على هذا المفهوم، لكنه يفسّر الكثير، لماذا تكون عملية النسيان عفوية، ويحتاج التذكر إلى شغل (قد يختلف مقداره من شخص لآخر بالطبع)؟
............................................................................................
تبقى الطبيعة عنيدة مهما فعلنا، الاعاصير مثلا عملية غير قابلة للعكس، فمن المستحيل ان نقنع الهواء بأن ينتقل من الضغط المنخفض إلى الاعلى، شمس الصيف القاسية تعرف انها اسخن، وبأن ارضنا ابرد، فلا تأخذ منا الحرارة بل تغرقنا بها.
العقل البشري قد يكون عنيدا كذلك، فيجبرك على الحزن حينا، لكن بالشغل تستطيع ان تقنعه بالفرح (احيانا).
الاكتئاب مثلا قد يكون نتاج لعملية عفوية، وقد يكون نتاج شغل غير واعي، نسقط فيه باختيارنا، او بدونه، نحاول الخلاص منه او لا نحاول، لكن التخلص منه يبقى عملية غير عفوية، قد يكون كالكرة التي نلقيها بقوة للاعلى، ترتد مرارا ثم تسكن على الارض، بالشغل نرفعها حيث كانت.
.........................................................................................
في الثيرموداينميكا مصلح (معيقات العكس) irreversibility وفي حياتنا الاقتناع باستحالة العكس، لا اظن مخترع الثلاجة كان مقتنعا باستحالة دفع الحرارة من جسم حار إلى آخر ابرد عنه، وربما قناعتنا باستحالة الشيء كافية ليصبح غير قابل للحدوث.
هناك من قال: إن لم يؤمن الإنسان بأن الموت محتم فهل سيموت؟!
..........................................................................................
في النهاية تبقى الامور متشابكة، هناك مالا يمكن حدوثه او عكسه عفويا، وهناك ما لا يمكن حدوثه او عكسه اطلاقا، وهناك مالا يمكن حدوثه او عكسه فقط لاننا نظن ذلك، فنقول بان الطبيعة يابس راسها، ولا ندرك بأننا يابس راسنا!
المصدر : هروب
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions