(1)
سوء حظي قادني أن أدرس هندسة صيانة الطيران في أمريكا، لكن حسن حظي قادني أن أزور العالم وأتعرف على حضارات وشعوب وأناس من مختلف المشارب، فعندما حصلت على مجموع في الثانوية العامة يؤهلني لدراسة الطب آنذاك في أمريكا فقد قيل لي بأن المقاعد غير متوفرة وأنه عليّ أن أدرس في البحرين، أو أغير التخصص، وكنت قد قمت بتعبئة استمارة البعثات لأضع ثلاثة تخصصات وثلاث دول، ولأنني كنت أهوى الطب أو الهندسة المعمارية فإن الخيار الثالث الذي لم أكن أرغبه قد وضعته في الاستمارة كتعجيز هو الهندسة النووية. أتذكر أن اسمي واسم صديق الطفولة ظهر في تلفزيون عمان الملون آنذاك بأننا حصلنا على بعثة لدراسة الطب في دولة البحرين والمطلوب منا التوجه الى المديرية العامة للبعثات والعلاقات الخارجية التابعة لوزارة التربية والتعليم آنذاك لإكمال إجراءات السفر.
توجهت أنا وصديق لي بعدما قام صديق ثالث بإيصالنا إلى مسقط نبحث عن مقر تلك الوزارة ونحن القاطنين في نزوى ولا نعرف شيئا عن مسقط.. لما وصلنا إلى الوزارة قلنا لأحد المسئولين بأننا لا نرغب في دراسة الطب في البحرين وإنما في أمريكا، رد علينا بأنه يتوجب أن نقابل المدير العام لإمكانية الحصول على المقعد. بعد انتظار المدير العام لساعات وكأي مواطن يترجى الصبح ليقابل المدير العام الذي تكون مقابلته أحيانا أصبح من مقابلة الوزير فقد كان أمامنا آنذاك "موسى جعفر"* الذي شرح لنا بأن الطلب على دراسة الطب كثير وأن المقاعد محدودة، لكن الحل هو تغيير التخصص فقلنا له بأننا نرغب في الدراسة في أمريكا وليس في أية دولة عربية بعدما أعطانا خيارات مصر أو الأردن إذا لم نرغب في الدراسة في البحرين. لماذا لا تعطونا الهندسة المعمارية أو الهندسة النووية؟ الهندسة المعمارية أيضا غير متوفرة، أما الهندسة النووية فقد سخر منا الأستاذ موسى آنذاك بأن الهندسة النووية ليس لها مجال في السلطنة وبالتالي لا يجب أن نفكر فيها مطلقا، لم يكن يستقرأ ذلك الأستاذ المستقبل ليعرف أن الطب النووي الآن أصبح ذو حاجة ماسة إليه وإن مستشفى الجامعة والمستشفى السلطاني تستخدمان الطب النووي في بعض العلاجات مثل بعض أمراض السرطان.
للخروج من ذلك الاجتماع الذي أراده الأستاذ أن يكون قصيرا فقد أعطانا خياران: إما الطب في البحرين أو أية دولة عربية أو هندسة الطيران في أمريكا. لكن يا أستاذ نحن لا نعرف شيئا عن الطيران وصاحبي لم يركب طائرة في حياته، وأنا لم أسافر بالطائرة سوى مرة واحدة عندما حصلت على فرصة حضور ملتقى علمي في دولة الكويت ممثلا عن المنطقة الداخلية بعدما رشحني الأستاذ "فواد" مدرس الفيزياء لتفوقي في تلك المادة في الصف الثاني ثانوي. فكيف أدرس تخصص لا أعرف ماهيته. كان الأستاذ موسى فطنا فطلب من التوجه لمقابلة الأستاذ عبدالله المحروقي** ليخبرنا عن ذلك التخصص كونه يعمل في شئون الموظفين بمطار السيب الدولي (آنذاك).
يتبـــــــــع
*موسى جعفر الآن سفيرا ويحمل شهادة الدكتوراx
**عبدالله المحروقي أصبح الآن نائب محافظ ظفار
(2)
تقابلنا مع الأستاذ عبدالله المحروقي الذي رحّب بنا وشرح لنا طبيعة دراسة هندسة الطيران، كما شرح لنا "حلاوة" الدراسة في أمريكا، وبأنه سوف يتابعنا عن كثب، وسوف يذلل لنا العقبات، وأن ذلك التخصص له مستقبل في السلطنة وأنن سوف نحضى بفرص السفر إلى الخارج كثيرا بعد العودة من الدراسة.. كلامه جعلنا نغير رأينا ونقبل بتخصص هندسة صيانة الطائرات رغم جهلنا بكنه ذلك التخصص. وللمزيد من الاطمئنان قابلنا الأستاذ أحمد الرواحي* الذي أعطانا شرحا أفضل كونه قد تخرج حديثا وأنه يعمل في قسم يتعلق بسلامة الطائرات وأن هذا التخصص له مجالات واسعة خاصة أن الوزارة (وزارة المواصلات آنذاك) سوف تبعثنا على حسابها وأن العمل مضمون بعد التخرج.
لذا هكذا كان سوء حظ أن أدرس هندسة الطيران؛ عدم توفر مقاعد لدراسة الطب أو الهندسة المعمارية، لكن حسن الحظ أن دخلت مجالا يتيح لي السفر كثيرا، لكن بالطبع لم تكن الدراسة سهلة، فبعد اجتيازي امتحان "التوفل" بعد شهرين من دراستي للغة الانجليزية (بخلاف البعض الذين تمر عليهم السنة ولا يجتازونه) فقد انضممت إلى الجامعة المتخصصة في الطيران والتي كتبت عنها مجلة التايمز الأمريكية عنها بأنها "هارفارد" في مجال الطيران، فقد رسبت أول مرة وأنا الشخص الذي كان "شاطرا" في الدراسة خاصة بعد "لكمات" الأستاذ اسماعيل الصوفي مدرس اللغة الانجليزية الذي جعلنا ندرس ليل نهار، وكم كنا نكره ذلك الضرب بالمسطرة على حواف أصابع الأرجل إن لم "نحل الواجب"، عرفت الآن قدر ذلك الاستاذ!!! رسبت في إحدى مواد الطيران لأنني لم استطع استيعاب المادة التي كانت من النوع المتقدم وانا جديد على عالم دراسة الطيران، كما أنني ولأول مرة أذهب إلى دولة فيها المسموح أكثر من الممنوع، فالزميلات كن معنا يلبسن "الشورت"، وكانت "هرموناتنا" تغلي وهي ترى ذلك "اللحم الأبيض" ونحن القادمون من بلد لم يسبق لنا أن شاهدنا لحما بدون "سروال بحقب" بعدما كنا "نتلصص على المجايز"، هذا بخلاف "الصدمة الثقافية" التي واجهناها في التصرف وفي التفكير وفي التعامل مع الشعب الأمريكي. فبمجرد أن تبتسم لنا زميلة في الدراسة نظن أنها وقعت في غرامنا. ولم لا فنحن ذو الشعر الداكن والجسم العنتري الساحر، ولم نكن نعرف أن ذلك ليس سوى مودة توزعها تلك الشقراء لكل شخص، وأننا كما قال الفنان عبدالحسين: ماني جيكر وماني شين!!!
يتبـــع
*الأستاذ أحمد الرواحي أصبح الآن مستشارا لوزير النقل والاتصالات بعدما كان مديرا عام للطيران المدني والأرصاد الجوية..
(3)
وفرت لنا الحياة في أمريكا أشياء سهلة وأخرى صعبة. فنظام الدراسة الأمريكي يتيح للطالب حرية اختيار المادة وحرية اختيار الوقت وحرية اختيار المدرس. كما أن الأسلوب "ألخدمي" المتمثل في حسن المعاملة وأن الزبون دائما على حق جعلنا نشعر بسهولة الحياة وبتعلم الكثير من الأشياء لم ولا نجدها حتى اليوم في كثير من أمور الحياة في بلادنا حتى اليوم. وشخصيا كتبت الكثير من ذلك خلال مسيرتي الكتابية في جريدة عمان بالذات. لكن في هذا المقال أركز على أمور حياتية تختلف عن كتابتي الشخصية، وهي أمور أكثر شخصية، ولا أجد حرجا من كتابتها في مدونتي الخاصة هذه.
لعل من ضمن الأمور هي العلاقات التي يمر بها الطالب الجامعي سواء في داخل السلطنة أو خارجها. فالطالب الجامعي يبدأ دراسته الجامعية وهو بالكاد يجتاز مرحلة المراهقة ويدخل مرحلة الرجولة التي تتغير فيها الهرمونات ليرى أن الجنس الآخر معه في الصف يكلمه ويشاركه في بعض "المشاريع الدراسية" حتى وإن لم يكن هناك اختلاط مباشر في الصف لكن هناك "المختبرات الجامعية" أو المكتبات أو "البروجكتات" الواجب عملها معا. هنا ينجذب ذلك الشاب الجامعي إلى الفتاة. قد يكون الانجذاب بريئا عاطفيا رومانسيا، وقد يكون الانجذاب جنسيا بحتا، وهذا الانجذاب من الطرفين أيضا، فمثلا يعجب الطالب بزميلته فإن الطالبة تعجب أيضا بزميلها لكن حيائها قد يمنعها بالبوح بذلك في حين قد لا يمتلك الطالب أيضا الجرأة بذلك البوح. وبالطبع هناك من يذهب إلى أبعد من ذلك فتكون المواعيد جنسية، وهناك من القصص ما كنت قريبا منها، فعلى سبيل المثال، أحد المقربين الذي غيّر أسلوب حياته بعد الزواج كانت "دبة السيارة" هي وسيلة لإخفاء زميلته ليواعدها خارج الجامعة بالسلطنة، وآخر أتخذ إحدى الأزقة ليرتكبا الخطيئة، وثالث قام بتصوير فتاة وجدها مع "الأستاذ" في وضع مخل، بخلاف تدخل "الأمن".. وكم من طالبة أو طالب فصلا من الدراسة الجامعية لأنهما وجدا يماسا الجنس في الحرم الجامعي. في دول أخرى، مثل مصر، ينتشر "الزواج العرفي" وسط طلبة وطالبات الجامعة ليحللا أمرا قد لا يقبله المجتمع بصورته الشكلية.
(4)
بعد التخرج كانت الفرصة أكثر متاحة للسفر والذي لم أكن أخطط له بعد انضمامي للعمل بقطاع الطيران المدني، وهو القطاع الذي "يلخبط" فيه الكثير، فيعتقدون أنه "الطيران العماني" وبالتالي تأتيني الاتصالات من حيث لا احتسب حول من يريد "واسطة" للحصول على تذكرة مخفضة أو حتى مجانية أو وزن زائد أو مقعد غير متوفر في فصل الصيف أو الخريف بالذات، فكيف أرد على الأخوة والأصدقاء بأنني لا أعمل في الطيران العماني وإنما في الطيران المدني. ولفصل هذا اللبس تم الاتفاق مع تلفزيون سلطنة عمان منذ بضعة سنوات على تسليط الضوء حول وظائف واختصاصات الطيران المدني، وكنت قد ظهرت في حلقة متلفزة مع بعض الزملاء اقتصر دوري فيها على شرح الجوانب الخاصة بحوادث الطيران وأسبابها.
على أن السفر ركز في بدايته على الدول الأوروبية وبالذات بريطانيا التي أسست قطاع الطيران في السلطنة من حيث النظم والقوانين والإجراءات المتبعة، كما أن معظم العاملين في السبعينات كانوا بريطانيين أو ايرلنديين جلبوا معهم خبراتهم وبصماتهم إلى البلاد، وجلبوا معهم أيضا شركاتهم البريطانية التي كانت طائرات السلطنة تجد لها مرتعا خصبا لصيانتها هناك. وبالتالي أتيحت لي الفرصة التجول في معظم المدن البريطانية رغم أنني لم أحب مطلقا تلك الدولة ولا حتى شعبها. أذكر أحد المواقف الذي تصادمت فيه مع مدير بريطاني يصر على خطئه الفني رغم تطبيقنا للنظم البريطاني آنذاك، وقد لمحت منه عجرفة مغزاها: من أنت حتى تعلموننا النظم والقوانين!! فرددت عليه بلباقة بأن الطائرات هي عمانية التسجيل ولنا حق السيادة في طائراتنا، وأننا نفرض القانون الدولي في ذلك. فلم يجد ذلك المدير المتعجرف إلا مطبقا لما نريده وليس ما يريده هو..
لكن الأمور بدأت تتغير تدريجيا بقدوم الطاقم العماني (أنا والزملاء) الخريجون من أمريكا، فرويدا رويدا تم الاستغناء عن النظم البريطانية، كما أن قطاع صناعة الطيران البريطانية أصيبت بنكسة خاصة مع دخول شركة الايرباص الأوروبية الشراكة وبالتالي تقلص الدور البريطاني وفشل الشركات البريطانية في التسويق التجاري في قطاع الطيران، فأصبح الزبون يتجه بطائراته لصيانتها في فرنسا وألمانيا رغم ارتفاع التكلفة في تلك الدول. وليس بغرابة القول اليوم بأن بريطانيا خسرت الكثير من صناعة الطيران، ولم تبقى إلا شركات محدودة من بينها شركة "بريتيش ايروسبيس" التي تصنع المعدات الحربية والتي مازالت بعض الدول الخليجية تستورد منها تلك المعدات سواء الجديدة منها أو قطع غيارها وبأسعار باهضة لا يصدقها عاقل، لكنها التبعية السياسية التي تفرض نفسها على التبعية الصناعية!!!
(5)
كما أسلفت سابقا فإن معظم أسفاري الرسمية كانت إلى الدول الأوروبية، ولم تكن بعض الدول الآسيوية أقل نصيبا؛ فقد زرت سنغافورة عدة مرات، وكذلك ماليزيا وإندونيسيا والهند وباكستان وهونج كونج والفليبين، فضلا عن زيارتي المتكررة إلى تايلاند والتي جمعت في بعض الأحيان بين العمل والسياحة. لكن الاتجاه هذه المرة انتقل إلى الدول العربية والتي لم أزرها سائحا بعدما كنت أسمع عن أوجه الفساد فيها ابتداء من وصول المسافر إلى المطار وإلى خروجه منه. فقد قيل لي الشيء الكثير عن سوريا وعن مصر وعن المغرب وحتى عن الأردن. الأولى حتى الآن لم أزرها وإن كنت قد اقتربت منها عند زيارتي لقبرص. أما الأردن فقد زرتها في مهمة رسمية وكذلك في دورات تدريبية، وأرض الكنانة لم أعجب بها كثيرا رغم أنهم يسمونها أم الدنيا، وأنا لم أرى إلا "حبوت الدنيا" بعدما شاخت وهرمت وتأخرت في الركب بالعالم الحديث. وتبقى المغرب كدولة عربية زرتها أول مرة منذ عدة سنوات فأصبحت أزورها سنويا. ومقالي هذا يدور حول المغرب..
ابتدأت زيارتي للمغرب أول مرة بعد ترشيحي من قبل جهة عملي لأمثل شئون الطيران المدني في الهيئة العربية للطيران المدني كونها إحدى الوكالات المتخصصة التابعة لجامعة الدول العربية ومقرها الرباط. وهذه الهيئة هي منظمة إقليمية للدول العربية وهي منظومة مصغرة لمنظمة الطيران المدني الدولي (الايكاو) التي تعتبر إحدى وكالات الأمم المتحدة. وحيث أن الطائرة تطير متنقلة بين دولة ودولة فكان لا بد من توحيد مقاييس ونظم لكافة دول العالم. فالطيار يهبط في مطار القاهرة على نفس موال هبوطه في مطار هيثرو بلندن أو شانجي بسنغافورة أو لوجوارديا بنيويورك: نفس تصميم المدرج و"الليتات" والأجهزة وتعليمات الهبوط والإقلاع. لكن لنا أن نتخيل الفروقات في الثقافات الفردية والوطنية وفي اللغة وفي التفاهم والتخاطب. ورغم أن عدد اللغات الرسمية للايكاو هي ست من بينها العربية إلا أن عدد الناطقين باللغات العالمية هي بالآلاف، ومع ذلك هناك "توحيد" في التحدث بلغة الطيران.
أما سبب التوحيد فيعود إلى اختلاف النطق بالحروف والكلمات. فنحن نعرف أن الهندي مثلا لا يستطيع نطق حرف V. أما العرب فمشكلة الكثير منهم بعض الحروف، فمثلا كثيرون من العرب لا يستطيعون التفريق في النطق بين الحرف B والحرف P، وكذلك هناك تشابه في النطق بين الحرف N والحرف M، فضلا عن اختلاف استخدام المقاييس المترية والانجليزية (الرطل والكيلو مثلا)، وفضلا عن معاني الكلمات. ويشهد تاريخ الطيران حوادث جسيمة بسبب اختلاف النطق. ولعل أسوأ حادث طيران في العالم كان في جزري الكناري بتنريف الاسبانية عام 1977 والذي كان بين طائرتين عملاقتين لخطوط الملكية الهولندية كي أل أم والأمريكية بان آم والذي أدى إلى مقتل (580) شخص عندما اخطأ المراقب الجوي في إصدار تعليماته بلغة واضحة بأن ينتظر قائد الطائرة الأولى في ساحة الوقوف في حين فهمها قائد الطائرة الثانية بأن عليه أن يدخل المدرج. وما حدث أن دخلت الطائرة الثانية المدرج والأولى تهبط، فهبطت فوق الثانية فتحطمت الطائرتان وتلاشت الأجساد وتطايرت الدماء؛ كله بسبب خطأ في المصطلحات اللغوية..
اليوم تغير الوضع، إذ أصدرت الايكاو بعد ذلك مصطلحات موحدة يتوجب على العاملين في لغة الطيران حفظها، ومثال على ذلك ما يلي:-
A تنطق Alpha
B تنطق Bravo
C تنطق Charlie
P تنطق Papa
W تنطق Whiskey، وهذا الحرف بالذات سبب إشكالا لدى المطاوعة، النطق يعني مشروب الويسكي، وبالتالي نجد أن البعض ينطق حرف W مستخدما كلمة Water. وليس عجبا إن كنت في إحدى المطارات وسمعت النداء على إحدى رحلات الطيران العماني وهي WY123 وسوف ينطقونها ويسكي يانكي 1 2 3.
(6)
قبل أن أسافر إلى المغرب كنت قد التقيت بأحد الأخوة الإماراتيين الذي يعمل في قطاع الطيران المدني بأبوظبي، وكان لقائي به إثر تحقيق في حادث طيران بسيط في الحدود المتاخمة بين الإمارات والسلطنة تعرفت من خلاله على تلك الشخصية الشابة التي حظيت بفرصة تمثيل بلاده في إحدى وكالات جامعة الدول العربية. وحيث أنه لا توجد رحلات مباشرة بين السلطنة والمغرب فإن السفر إليها يتم عن طريق الخطوط الجوية القطرية مرورا بالدوحة أو طيران الإمارات مرورا بدبي أو طيران الاتحاد مرورا بأبوظبي. لذا كان الاتفاق على أن استقل طيران الاتحاد من مسقط ونلتقي بمطار أبوظبي. عندما وصلت ذلك المطار بحثت عنه فلم أجده وبعد اتصال معه تبين أنه يجلس في مقاعد الدرجة الأولى في حين كانت الدرجة السياحية نصيبي لأن منصبي (مساعد مدير) لا يؤهلني للحصول على درجة رجال الأعمال وفق اللائحة التنفيذية لقانون الخدمة المدنية رغم أنني ذاهب لتمثيل السلطنة في اجتماع رسمي على مستوى الدول العربية.. هذا هو القانون!!!!
لم أكن أعرف أنه بمجرد أن أصل مطار محمد الخامس فإنه يتوجب عليّ دفع "الإكرامية"ّ... أول ما تقابل شرطي أو ضابط الجوازات يرحب بك قادما من سلطنة "عُمّان" بضم العين وتشديد الميم، يسمعك كلاما لطيفا عن بلدك وعن كرم العُمّانيين (بضم العين وتشديد الميم أيضا)، وليس لديه مانع في أن يقضي معك بعض الوقت يسألك بعض الأسئلة رغم أن المسافر القادم من الخليج يكون قد قضى أكثر من ثماني ساعات في رحلته الطويلة بخلاف ساعة أخرى من السلطنة وساعتين في مطار أبوظبي، ومع ذلك يأتي ذلك الشرطي مجاملا عله يحظى بخمسة دولارات تضعها في يده خلسة عندما يسلمك الجواز – كما حدث لي أكثر من مرة. وشخصيا كنت أتحفظ على ذلك الأسلوب المبتكر في حسن المعاملة بغرض الحصول على الإكرامية، ذلك أن طبيعة عمل الشرطي في المطارات تتطلب الكياسة واللباقة وسرعة الانجاز لكن بضمير وبدون إكرامية أو "بقشيش".. وشخصيا لمست الابتسامة البشوشة وسرعة الانجاز وحسن المعاملة بالطبع في كافة موظفي الجوازات بشرطة عمان السلطانية في مطار مسقط. وحيث أنني عبرت مئات المطارات في العالم فقد سجلت العديد من الانطباعات حول العاملين فيها؛ ما بين بشوش يرحب بالمسافر أو يودعه وما بين منزعج كأنه يستقبل ضيقا ثقيلا وما بين موظف يؤدي واجبه الروتيني دون أن ينظر حتى إلى وجه المسافر وما بين ثالث همه إكمال طابور المسافرين على وجه السرعة وما بين محقق "كوناني" كأنه يعمل في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في استجواب المسافر حول مقصده وسبب الزيارة ومقر سكنه وفترة إقامته رغم أن تلك البيانات يكون المسافر قد دونها في بطاقة الوصول...
(7)
كان زميلي الإماراتي قد نصحني بأن اشتري بعض "الأغراض" من السلطنة لاستخدامها في الشقة الذي سبق هو أن حجزها عن طريق احد السماسرة. كان قام هو الآخر بشراء أشياء أخرى. وقبل خروجنا من المطار وقفنا في طابور طويل فيه مجموعة من الأفراد والضباط يقومون بالتفتيش على "الشنط" قبل أن تدخل جهاز الأشعة – كما هو متعارف عليه في كل مطارات العالم، وكنا نرى تفتيشا دقيقا يتذمر أثنائه المسافرين المنهكين من السفر في حين لا يبالي الشرطي إلا أن يفتح كل شنطة وما بداخل كل غرض من الأغراض الشخصية التي تتناثر أحيانا بعد فتح الشنط الممتلئة، فتظهر ملابس داخلية نسائية فجأة أمام المسافرين المنتظرين. كما أن ذلك الشرطي لا يتورع في فتح حتى العلب الحديثة المغلقة مرورا بجيوب الشنط.. وإن كنت شخصيا اعتبر ذلك التفتيش روتينيا ومررت به في معظم المطارات إلا أن الذي أبهرني هو الدقة في كل شيء. هل يبحث الشرطي عن ممنوعات ومخدرات تأتي إلى المطار خاصة أن الكثير من دول العالم الثالث وحتى العالم المتقدم تعاني من مشاكل تهريب المخدرات؟؟
والتهريب يأخذ أشكالا وألوانا في المطارات، فهناك الكثير من المهربين الذين يستخدمون أبدانهم للتهريب، فتراه يبتلع كيسا من الهيروين لتبقى في معدته ولتنفجر في كثير من الأحيان فيكتشف أمره ويخسر حياته وحتى صحته، وهناك من تجرأ وأدخل المخدرات في مؤخرته أو الفتاة في فرجها. بالطبع مثل تلك العملية بحاجة إلى مساعدة بشرية: لنا أن نتصور أن يقوم الرجل ويسمح لرجل آخر بأن يدخل كيسا من المخدرات في "طيزه" ليبقيه هناك لعدة ساعات!! وإذا نادت طبيعته الإنسانية فإنه إما أن يحبس أنفاسه أو يتجه إلى أقرب حمام يفرغ ما فيه ذلك الجسم من سموم. أما الفتاة فلكم أن تتصوروا وهي تخسر عفتها مقابل حفنة من المال يقوم رجل بإدخال هيروين في مهبلها عله يبقى هناك وتحصل هي على بضع مئات من الدولارات أو على بضع سنوات في السجن أو ربما الإعدام كما هو معمول به في بعض الدول. وقد لاحظت أن بعض الدول مثل سنغافورة هناك تنبيه في مطار "شانجي" مفاده أن عقوبة تهريب المخدرات هي الإعدام وبالتالي يعطوا المهرب فرصة الذهاب إلى الحمام وترك المخدرات هناك بدلا من كشفه وإعدامه. أي فرصة أخيرة وإلا الاعدام... وحتى المصحف الشريف لم يسلم من أيادي العابثين بالمخدرات، فتجدهم يقتلعون بعض أوراق من المصحف وبدقة متناهية يدخلون كيس المخدرات بين الآيات الكريمة لكن العناية الإلهية وحرس شرطة المطارات تكشف نواياهم الخبيثة. وهذا قد حدث في مطار مسقط الدولي عندما اكتشف الشرطة قيام أحد المسافرين الملتحين بتهريب مخدرات في المصحف الشريف!!!
(8)
لما وصل دورنا في التفتيش لاحظت أن زميلي قد أدخل (خمسة دولارات) في جواز سفره ليريه الضابط، لملم ذلك الضابط بأن المبلغ لا يكفي، فزاده خمسة أخرى، وبدلا من انتظار الانتهاء من التفتيش الدقيق كما شاهدناه أمامنا فإن ذلك الضابط تظاهر بفتح "الشنطة" والنظر إليها في ثواني معدودة وتمنى لنا إقامة طيبة، ثم أومأ إلى شرطي بأن يساعده في وضع الشنطة في العربة والخروج من نقطة التفتيش.. ونحن نتجه إلى الخارج سألت الزميل عن سبب دفع "رشوة" للضابط وهل لديه ما يمنع من التفتيش، فرد عليّ بأنه ليس هناك أي شيء في حقائبه لكن"الخليجيين" مستقصدون، أول ما يشاهدون أشكالنا وينظرون إلى جوازاتنا، فهم يعتقدون بأننا أثرياء قادمون من دول نفطية مليئة بالثروات التي نزلت علينا وهم أحق بها، وبالتالي لن يتركونا في حالنا إلا بعض دفع "الاكرامية".
تذكرت مشهدا حول ذلك الموقف عندما كنت في بروكسيل في انتظار سائق الشركة أمام الفندق. فقد كان "الكونسيرج" واقفا ينظم حركة السيارات الواقفة أمام الفندق، سمعته يتحدث بالعربية فسلمت عليه بتحية الاسلام، دار الحديث عن حياته في بلجيكا وكيف أنه اضطر أن يهاجر بلاده العربية المسلمة "المغرب" سعيا وراء لقمة العيش. كان حديثه منصبا في البداية عن الحياة الاقتصادية الصعبة التي عاشها في المغرب وأنه لم يكن يجد قوت أولاده الصغار وأنه وعندما رفض "الرشوة" أو الإكرامية فإن راتبه لم يكن يكفيه لسد رمق هؤلاء الصغار. وجد الفرصة مواتية لأن يتجه إلى الغرب عله يستطيع تحسين ظروفه، لكن الغرب هو الآخر يطلب الكثير من الجهد والعمل الشاق. صحيح أن "الفساد" قد لا يكون موجودا خاصة أن بلجيكا من الدول "النظيفة جدا" لكن العمل أيضا صعب ومحاسب عليه وأن خدمة الزبون مهمة جدا، وأن أي تقصير أو شكوى ضده من قبل أي زبون يعني فصله فورا.
انتقل الحديث وأنا في انتظار السائق إلى حديث السياسة العربية. فجأة وجدت فتاة تبحث عني قادمة من الاستقبال تبلغني بأن السائق سوف يتأخر (10) دقائق بسبب وجود مظاهرة سلمية أدت إلى إغلاق الشارع، في حين نتأخر عن العرب بالساعات ولا نتصل أو حتى نعتذر.. عرج الحديث عن رؤساء العرب ابتداء من رؤساء المغرب العربي وانتهاء برؤساء دول الخليج النفطيين. لم يكن يعرف بأنني "خليجي" لأنني لم أحاول أن أبين لي لهجتي المحلية التي اختلطت بين الانجليزية وقليل من الفرنسية والعربية الفصحى؛ صدمني ذلك العربي بحديثه الذي اتسم بالحنق والكراهية للخليج العربي شعبا وحكومات، وإن كانت هناك بعض الحقائق في كلامه لكن الاستثناء أصبح هو القاعدة، وليته لم يتكلم عنا كخليجيين نعيش واقعا فيه إرهاصات نأسف عليها...
يتبــع
المصدر : بن دارس
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions