الوزير الذي يلقب بـ"المستر نو" جديد بن دارس

    • الوزير الذي يلقب بـ"المستر نو" جديد بن دارس

      (1)


      هناك وزير يأتي إلى وزارة ما فيستبشر به الموظفون خيرا،، وهناك وزير يغادر وزارة أخرى فيبكي عليه موظفون..هناك وزير يجلس على كرسي وزارة ليرث من ذلك الكرسي تركة مليئة بالإحباط وتدني المعنوية وضعف في الإنتاجية فيقلب الموازين رأسا على عقب.. في حين هناك وزير يدخل وزارة وكلها حيوية ونشاط غير أنه سرعان ما يسارع في تدمير تلك الروح المعنوية التي يتحلى بها الموظفون.. يبكى الموظفون عندئذ على رحيل وزيرهم السابق الذي كان يهتم بهم وكأنهم أهله وأقرانه. أما وزيرهم الحالي فكأنه ينفق عليهم من جيبه الخاص، حيث يحرمهم من كل ما كانوا يتمتعون به من ترقيات ومكافآت وحتى الجرائد والشاي..


      (2)



      في الغرب فإن هناك مصطلح "المستر نو Mister No" الذي يطلقه الموظفون على مدير أو مسئول معين جل قراراته تتسم بالسلبية وعدم الموافقة والرفض كأسلوب يستخدمه في إدارته. فهو في الغالب المسئول الذي يرفض، وإن وافق فإن موافقته لا تأتي إلا بشق الأنفس وبالإقناع والإلحاح وحتى من قبل التعليمات العليا أو الواسطية، أي تلك التي يتوسط فيها شخص ما ليقنعه بالموافقة على ذلك الموضوع..بالطبع، في مجتمعاتنا العربية فإن طاعة ولي الأمر واجبة، بل أن هناك قليل من لديه القدرة على الإقناع أو حتى المواجهة إزاء ما يريد أن يفعله المسئول؛ إما خوفا أو رهبة أو تحقيقا لمصلحة أو تملقا وحبا في الصعود. فإذا أراد الوزير أن يصدر قرارا حتى وإن كان خاطئا أو غير قانوني فإنه ليس من أحد أن يخبره بمدى خطأ قراره، بل يجب تنفيذ ذلك القرار. ولذلك فقد أوجدت الدول محاكم للقضاء الإداري (بما فيها السلطنة) ليعترض الموظف على ذلك القرار الذي يكون مجحفا في حقه أو حتى ظالما. ولطالما أنصفت تلك المحاكم موظفين ظلمهم الوزير نفسه. ورغم وجود مستشارين ودوائر قانونية تتبع الوزير مباشرة إلى أن بعض الوزراء يضربون بتلك الاستشارات عرض الحائط. فلا يمكن لأحد أن يعترض على ما يصدره الوزير من أوامر..


      (3)



      من يجرؤ على أن يعترض على قرار وزير؟لا أحد ....بعض الوزراء يعتبرون وزارتهم وكأنها العرش الذي يجلسون عليه فيما يخص الجوانب الإدارية. بعضهم يتسم إداريا بما يسمى بـ"مركزية" القرارات. حيث يجب أن يمر كل قرار قبل أن يوقعه المدير العام عليه رغم وجود "سلسلة الأوامر". إذ ليس باستطاعة مدير عام مثلا أن يوقع على قرار دون أن يحصل على "الضوء الأخضر" من ذلك الوزير حتى ولو بمكالمة هاتفية رغم أن الوزير مشغول ليلا نهارا إما في مجالس وزارية أخرى أو في أعماله الخاصة.لا عجب إذن أن هناك مواطن يريد أن يقابل الوزير لكن هيهات له أن يحصل على المقابلة: الوزير مشغول، الوزير مسافر، الوزير في اجتماع، الوزير عنده مكالمة خارجية مطولة... تلك الأعذار سوف يسوقها مدير مكتب الوزير أو سكرتيره الخاص للمراجع، إلا إذا كان المراجع شخصية أخرى: شيخ، من السادة، من التجار، من النافعين..أتذكر حديثا لزميل لي انه أراد أن يقابل وزيرا ولكن لأن هذا الزميل وبلحيته الطويلة وعمامته القصيرة لا توحي بأنه من السادة فكاد أن يغلق مدير مكتب الوزير في وجهه ويعطيه الأعذار الواهية والتي يعرفها المواطن كل مرة أو كما يقال بالعامية: (ماعطاه فيس). لكن وبعد معرفة حضرة المدير بالزائر تغيرت المعاملة 180% درجة من أسف وترحاب وكرم الضيافة وحسن المعاملة بدلا من التطنيش وحتى عدم الرد على السلام..


      (4)



      لكل وزارة ميزانية محددة، تلك الميزانية أو الموازنة تكون إما جارية (مكررة) أو إنمائية (استثمارية). فالجارية تشمل الرواتب والبدلات والعلاوات والمصروفات الأخرى مثل الأثاث والصيانة والسيارات. أما الإنمائية فتشمل المشاريع الخاصة بالبنية التحتية كالشوارع والكهرباء وتخطيط المدن وشراء الأجهزة وغيرها من الأمور التي لا تتكرر في الغالب.رغم وجود قانون الخدمة المدنية والذي يكافئ الموظف على أدائه إلا أن القانون تحكمه اللائحة التنفيذية في تطبيقه. القانون القديم تم تغييره لكن لائحته التنفيذية باقية.. أي أن القانون الحالي للخدمة المدنية يتم العمل به بنظام اللائحة التنفيذية القديمة.. وبشكل خاص فالترقيات تتم بالسنوات وليس بسبب وجود شاغر كما هو الحال في نظام الوصف الوظيفي الذي مازال معطلا..كيف يتم ترقية الموظفين؟بسيطة:كل أربع أو خمس أو ست أو حتى سبع سنوات يتم رفع كشف بأسماء الموظفين الذي أكملوا تلك المدة سواء استحقوا أو لم يستحقوا (الكفاءة، الجدارة، أو حتى الأقدمية) وذلك بعد قيام الشئون المالية برصد الموازنة الخاصة لذلك سواء من خلال اقتطاعها من بنود أخرى أو توفيرها بشكل أو بآخر.


      يتم رفع الكشف إلى الوزير الذي قد يوقع على الكشف فينتشر الخبر في تلك الوزارة قبل أن يتم توزيع الكشف أصلا. أو أن الوزير "مش فاضي" يوقع.. هناك يتلاعب معاليه بأعصاب المحبطين والفقراء والمعوزين والمحتاجين لأن معاليه لن يتفضل ويمضي على الكشف إلا بعدما يكون دم الموظف المسكين قد نشف من الوريد إلى الوريد.. هناك دلالة على الترقيات التي يتحكم فيها الوزير بشكل مباشر.. تلك الدلالة تتمخض في ذلك الامتعاض العام من كثير من موظفي الدولة الذين يتحكم في رزقهم وزير قد لا تعنيه تلك الأرزاق شيء. ربما يكسب الموظف الذي حصل على ترقية مبلغ قد لا يزيد على العشرين ريالا خاصة أنه ليس هناك فروقات كبيرة بين هذه الدرجات أو تلك. لكنها تعني الكثير بالنسبة للموظف الذي أصبح يعول رزقه على ذلك الراتب بسبب الارتفاع الجنوني في الأسعار وعدم تدخل وزير التجارة والصناعة بشكل خاص لوقف ذلك الجنون المارق.الوزير لا يهتم كثيرا بالترقية، لأن الوزير لا يحصل على ترقية أصلا. معاشه ودرجته المالية أصبحت معروفة، ربما تكون هناك العلاوة الدورية (والتي أجهل قيمتها المالية شخصيا) لكن الوزير حتى وإن بقي عشرين عام في منصبه (كما هو الحال لبعض الوزراء) فليس هناك ترقية سوى أن يكون مستشارا أو يتم إقالته ويبقى معززا مكرما في منزله ليتسلم كافة امتيازاته الوظيفية... لكن بالطبع هناك المكافآت التي تصل حتى مئات الآلاف من الريالات.. الوزير لا يحصل على راتب تقاعدي قد لا يصل المائة ريال كما هو الحال بالنسبة لشريحة كبيرة من الموظفين وإنما يحصل على كافة الامتيازات الوظيفية..فلماذا يهتم الوزير بالترقيات وهو نفسه لا يحصل عليها؟


      (5)



      هل هناك إستراتيجية لكل وزير كونه معني برسم السياسات لتلك الوزارة؟ فالوزير وكما يقال دائما لا يهم إن كان تكنوقراطيا أي متخصصا في مجال عمل وزارته أو لا.. لكن يهم أن يكون سياسيا وإن كان مفهوم كلمة "سياسيا" لها تعريفات عديدة؛ أقلها أن يكون ذو لباقة في المجاملة بل في اللف والدوران حول موضوع معين. وهذا واضح في كثير من جلسات مجلس الشورى، حيث يلف الوزير ويدور حول نقاط باتت مضحكة في بعض الأحيان، فبعض أعضاء مجلس الشورى وشريحة كبيرة من المواطنين أصبحت ذا وعي وتعرف أن ما يقوله الوزير لا يخرج من اللف والدوران وربما المجاملة والضحك على الذقون. ومتى أراد عضو مجلس الشورى (بعضهم) مجادلة أو مداخلة الوزير فإن الميكروفون يكون جاهزا للإغلاق أصلا..




      من ضمن السياسات التي يجب أن يرسمها الوزير هي التأهيل الذي يرتقى بأداء الموظف سواء في المجال الفني أو حتى المجال الإداري. وهناك ما يسمى "تنمية الموظف Staff development" والتي يقصد بها صقل مؤهلات وقدرات الموظف لتقديم المزيد من الإنتاجية وحتى الإبداع. فمن المعروف أن الموظف يتعين بالحد الأدنى من المؤهلات والخبرات (وقد تكون الخبرات معدومة خاصة بالنسبة للخريجين أو حملة بعض المؤهلات كالطباعين). بيد أن هناك وزراء ينظرون إلى الميزانية أو إلى أمور أخرى خافية عن الموظف على أن التأهيل ليس من الأولويات التي يجب رسمها. والتأهيل يأخذ عدة أشكال وألوان: من بينها، الدورات التدريبية الطويلة، الحصول على مؤهلات أعلى كالدبلوم والبكالوريوس وحتى الدكتوراه. تلك الدورات والمؤهلات تكسب الموظف قدرات جديدة أو تنمي مواهبه أو تزيد من إنتاجيته بعدما يكون قد اطلع على أحدث العلوم والفنون سواء داخل البلاد أو خارجها.. كما أنها وسيلة فعالة لرسم المستقبل لوظيفة أعلى. وما يحدث في كثير من الوزارات عدم وجود إستراتيجية الإحلال والمقصود بها أنه في حالة أن تم ترقية أو تقاعد أو وفاة هذا المدير فإن هناك من يحل محله بنفس قدراته ومؤهلاته وخبراته بدلا من تعيين شخص أقل كفاءة وتأهيلا في حالة شغور ذلك المنصب.أما الوزير الملقب بـ"المستر نو" فإن أول ما يفعله بعدما يجلس على كرسي تلك الوزارة هو إلغاء التأهيل دونما مبرر...


      (6)



      الوزير صاحب اللقب المميز "المستر نو" يصدر أيضا قرارا بالحد من أعداد توزيع الصحف المحلية وإنما يقتصر الأمر على مكتبه وعلى مكتب وكلاء وزارته وعلى مدراء الدوائر ومن في حكمهم. هؤلاء الأخيرون لن يحصلوا سوى على نسخة واحدة من جريدة واحدة.هل فكر ذلك الوزير أن قراءة الصحف هي جزء من الثقافة التي يجب أن يكون الموظف مداوما عليها؟ لدينا في الدولة موظفون جهلة لا يدرون ما يدور حولهم. لكن هناك من يطالع ويتابع أخبار الوطن وأخبار العالم من خلال تلك الصحف حتى وإن بانت مطبلة في بعض الأمور، لكنها تمثل ثقافة يجب أن تستمر.. كما أنه لدينا أقساما للعلاقات العامة (والتي حرمهم الوزير من توزيع الصحف لها)، يجب أن تكون أقسام العلاقات العامة على اطلاع ما يدور حولهم سواء للثقافة العامة أو للرد على استفسارات أو شكاوى الجمهور من خلال الصحف المحلية.حجة بعض الوزراء أن بعض الموظفين لا يفعلون شيئا سوى قراءة الصحف وحل الكلمات المتقاطعة وعدم إنجاز العمل...فهل أصلا ذلك الوزير الذي منع الصحف حل المشكلة؟

      بالطبع لا...



      فهناك الانترنت.. وجميع جرائد السلطنة موجودة على الانترنت، والانترنت أيضا موجودة في معظم الوزارات وبالمجان.. وهناك من سوف يشتري الجريدة..عوضا عن الصحيفة المطبوعة سوف يتجه الموظف إلى الصحيفة الالكترونية، وهذه الأخيرة تتطلب وقتا أكثر للتصفح. كما أن الأمر قد يتطلب طباعة مقالا أو تحقيقا صحفيا، والموظف سوف يستخدم الآلة الطابعة الحكومية لذلك. أي أن الموارد سوف يتم إهدارها.وفي الأصل فإن الاشتراك في الصحف المحلية لن يؤثر على موازنة تلك الوزارة... ربما لن تزيد التكلفة على الـ(500) ريال للاشتراك في الصحف لكن الفائدة أبعد من ذلك..إن إهدار بعض الموظفين الوقت في قراءة الصحف ليس حله المنع لأن البدائل موجودة: أقلها أن يشتري الموظف نفسه الجريدة من أقرب بقالة ويجلب تلك الجريدة إلى المكتب ويقرأها على الملأ، أو يتصفح الانترنت - كما أسلفنا سابقا..خلاف أنه ومن يدخل الانترنت أصلا فقد يستغرق وقتا أطول بكثير عن التصفح المطبوع إما بسبب بطء شبكة عمانتل أو دخوله في مواقع ووصلات مثيرة تخرجه إلى الموقع الأصلي...


      (7)



      مقال في الصميم عن اللاءات منقول من جريدة عمان (7/12/2008)


      نوافـــــذ


      اللاءات الأربع


      يكتبها: مسعود الحمداني


      لا لزيادة الرواتب

      لا لقانون تقاعدي جديد

      لا للعملة الخليجية الموحدة

      لا لربط الريال بالدولار



      لا تهمنّي كثيرا كمواطن اللاءان الأخيرتان، لأنني ببساطة لستُ خبيرا اقتصاديا، وما تفعله الحكومة والاقتصاديون في هذا المجال، قد يكون هو الأنسب لي ولغيري، فنحن دولة مستقلة ذات سيادة ولنا خصوصيتنا في كل شيء، وستثبت الأيام واقع هذين التوجّهين من عدمه، ولكنني أفهم تماما ما تعنيه اللاءان الأولى والثانية، أفهمه جيدا كمواطن، لأنه يدخل في قوت يومي ومستقبلي، فماذا يعني أن تزيد الأسعار كل يوم دون حسيب أو رقيب، ويتراجع في نفس الوقت الراتب، بتراجع القوة الشرائية الفعلية للريال؟!!..وماذا يعني أن تتراجع ضروراتي الحياتية لتصبح سلعا كمالية أفكّر ألف مرة قبل الإقدام على شرائها؟!!..وماذا يعني أن الإيجارات تشكّل عامل طرد وقلق لا ينضبان لي، مما يؤثر سلبا على مجمل حياتي، خاصة حين يقف المؤجر بالمرصاد لي أول كل شهر ليستلم حصته من راتبي؟!!حسنا.. قد لا يكون زيادة الراتب الحل المناسب، وقد يشكّل عبئا على كاهل الاقتصاد الوطني على المدى البعيد، ولكن أين البديل ؟، خاصة وأن هناك أسطوانة حفظناها عن ظهر قلب تسمّى (السوق الحرة)، والتي بررت كل زيادة، وكل احتكار غير مباشر نراه في أسواقنا..



      ولكن هل معنى ذلك أنها سوق بلا رقيب؟!!..هناك ـ كما قرأنا ـــ تقرير حكومي سيُرفع للمقام السامي ـــ حفظه الله ـــ لعلاج (سُعار الأسعار)، ولكن ماذا عن الارتفاع الحالي والذي فاق التوقّع هل سينظر إليه هذا التقرير بأثر رجعي؟!!..وهل سيخفض هذا التقرير من نسبة الزيادة أم أنه سيبُقي الوضع الحالي على ما هو عليه؟،وأنه سيُبنى على حلول مستقبلية (للحد) من الزيادة القادمة، وبعد أن تأكل الأسعار الأخضر واليابس من الراتب؟!!.ثم نأتي لقانون التقاعد في الخدمة المدنية والذي يبدو أن لا أحد يعيره اهتماما، فهو قانون جيّد بالنسبة للاقتصاد ولكنه سيء جدا بالنسبة للموظف الذي أفنى عمره في خدمة الدولة، وهي بالطبع جديرة بهذا، ولكن أليس حريّا أن تلتفت الحكومة لهذا التفاني بإيجاد قانون جديد يستطيع من خلاله المتقاعد أن ينظر إلى هذا الأمر كمكافأة له، وليس بمثابة حبل إعدام أو رصاصة رحمة على سنوات عمره القادمة؟!!..


      ألم يحن الوقت بعد لرؤية أكثر إنسانية لأولئك الذين توقفت أحلامهم قبل عشر سنوات أو تزيد، حين كانت الأمور موكولة لمدير في مؤسسة معينة لتسوية حساباته لدى موظفيه غير المرضيّ عنهم، في موجة التقاعد المبكر؟!!..

      لدرجة أن كثيرا من هؤلاء المتقاعدين يتمنون الآن أن يصبحوا من أسر الضمان الاجتماعي، لأن هناك من ينظر إلى هذه الأسر بين حين وحين، ويعدّل في معاشاتهم، وهذا ما ليس حاصلا للأسف لفئة المتقاعدين خاصة ذوي الرواتب الضئيلة!!إنّ هذه النهضة المباركة التي نرفل في نعيمها بفضل حضرة صاحب الجلالة السلطان المعظم ـ أبقاه الله ـ عُرفت بإنسانيتها، وهي ركيزة أساسية لم يخلُ خطاب لجلالته من الإشارة إليها، وتوجيه حكومته في كل محفل بضرورة العمل من أجل (المواطن) وإزالة كل ما يعترض سبيل رفاهيته، ولذلك يبقى جلالته ـ حفظه الله ـ دائما بصيص النور الذي ينظر إليه الجميع حين تبدأ الأمور بالخفوت.(لاءان) كانتا بشرى العام الجديد، وأيُّ بشرى!!


      (8)


      عندما صدر المرسوم السلطاني السامي رقم 26/75 في منتصف السبعينات فقد وضع الإطار العام لهيكلة الجهاز الإداري للدولة عند إنشاء الوزارات التي تتكون من مديريات عامة ومن دوائر ومن أقسام، على أن يكون إنشاء الوزارات والمديريات العامة بمراسيم سلطانية سامية. لكن ليس هناك ما يشير في المرسوم إلى آلية إنشاء الوزارات ومسئولياتها. فنجد وزارات جديدة قد انبثقت أو انفصلت عن وزارة أخرى، أو اندمجت مع وزارة أخرى، أو أصبحت هيئة حكومية مستقبلة إداريا وماليا.ولكي يستمر الجهاز الإداري للدولة في أدائه فلا بد أن يكون ديناميكيا، أي يحدث فيه تغيير ليواكب التطور التكنولوجي والتقدم البشري وليتلاءم مع منهجية العلوم الإنسانية الحديثة من إدارة واقتصاد ومالية تتغير مع متغيرات الزمن.بيد أن الملاحظ أن آلية التغيير قد تكون في يد هذا الوزير دون غيره. فمثلا، يقوم الوزير بإعادة هيكلة الوزارة القائمة منذ عشرات السنين ليغربل فيها الأمور الهيكيلية بشكل خاطئ رغم أن خلفياته العلمية وحتى خبراته تكون بعيدة عن الأهداف المرسومة لها الوزارة.


      ومن المعروف أن الهيكل التنظيمي لأية مؤسسة هو المسار الذي تنتهجه تلك المؤسسة. وكما أسلفنا فإن نظام الجهاز الإداري للدولة قد صدر بمرسوم سلطاني إلا أن آلية تنفيذه تبقى مفتوحه. وإذا كانت هناك هياكل تنظيمية مبسطة فإن هناك هياكل أخرى بالغة التعقيد. فمثلا وزارة التربية والتعليم ووزارة الصحة والتي تتبعانها عشرات المديريات في كافة أرجاء السلطنة فإنه من الأفضل أن تكون إداراتها لا مركزية وإلا عاصرنا "ماكس ويبر" في بيروقراطيته الشهيرة.يأتي وزير ليريد أن يحدث تغييرا إداريا في هيكل الوزارة وفي الموظفين. فتجده وقد جلب كافة الإدارات الإدارية والمالية إلى ديوان عام الوزارة بعدما كانت موزعة في المديريات المتخصصة، كما تجده وقد أدخل أسماء غريبة لا تليق بالمسميات المتعارف عليها. أما وظيفيا فتجده وقد أصدر قرارا إداريا يقضي بإجراء تنقلات بين الموظفين، كل ليس في مجال تخصصه، وكأنه يريد أن يرمي الخبرة والدراسة عرض الحائط ليبدأ المدير أو الموظف تعلم الوظيفة من جديد. فمدير الشئون الإدارية أصبح مديرا للمشتريات، ومدير النقليات أصبح مديرا للشئون المالية. والمهندس أصبح مديرا للشئون الإدارية.طبعا قرار معالي الوزير نافذ، وبالتالي لن يجرؤ أحد الاعتراض على معاليه حتى ولو كان قراره خاطئا وغير مدروس ولا حتى يلبي طموحات ورغبات الموظفين أنفسهم. وكم من قرار صدر من وزير وألغته محكمة القضاء الإداري لأنه ظلم الموظف. وان كان هناك موظفون يخافون حتى الحديث عن قرار وزير، فما بالكم برفع قضية ضد ذلك الوزير...




      (9)





      العلم يبني بيوتا لا عماد لها .. والجهل يهدم بيت العز والكرم


      هكذا درسنا، وهكذا عرفنا أن الحضارات الانسانية بنيت على العلم، وتراكمت الخبرات على أسس علمية، وبلادنا ليست بمنائ عن العلم، فقد خرجت علماء في مختلف الميادين،، صحيح أنه أتى وقت تأخرنا في الالحاق بركب العلم، لكن النهضة أيضا أبرزت أشخاصا من استطاعوا أن يواكبوا التطورات العلمية..




      بيد أنه من الملاحظ أن بعض المسئولين من لا يؤمن بأهمية العلم في العمل، ومن ضمنهم الوزير الملقب بالمستر نو. فعلى الرغم من كونه خريجا إلا أنه وعندما يتم تعيين شخص مثل مدير دائرة أو حتى مدير عام فإن معاليه لا ينظر إلى المؤهل العلمي بقدر ما ينظر إلى توصية من هذا أو ذاك. ربما لأنه يؤمن بفلسفة التبعية أكثر من الكفاءة، بمعنى يجب أن يتم تعيين شخص "يسمع الكلام" ولا يناقش الأوامر، ومستعد لتنفيذ ما يؤمر به. أما ذلك المتعلم الذي يبدو وكأنه يعرف كل شيء فيريد مناقشة كل شيء وربما الاعتراض على أشياء تبدو خاطئة فإنه شخص غير مرغوب فيه..




      عندما يجد حامل البكالوريوس وقد ترأسه شخص لا يحمل سوى الثانوية العامة وبقرار من معالي الوزير فكيف يستطيع أن يعمل ذلك المرؤوس؟ بالطبع أكثر من قانون يعطي الوزير حق تعيين أي شخص يراه ذلك الوزير سواء كان مناسبا أو غير مناسب، حتى ولو ذهب الموظف إلى محكمة القضاء الاداري، فإن المحكمة قد تقبل القضية شكلا وترفضها موضوعا، وقد تحكم بعدم الاختصاص، وفي النهاية على الموظف أن يقبل أن يكون مديره أقل منه تأهيلا وحتى خبرة في مجال تخصصه..


      (10)



      ومعاليه أيضا يحب التغيير، ومن منا لا يحب التغيير؟ فالتغيير سنة الحياة؛ لكن التغيير المطلوب هو للأحسن والذي يقدم الأفضل وبتكاليف معقولة. فليس بعاقل أن يقبل تغيير يكلفه الآف أو حتى مئات الآلاف من الريالات لمجرد التغيير، لأنه يجب أن ينبغي أن يكون ذلك التغيير ملموسا...

      ومعاليه قدم من وزارة أخرى ليرى أن ألوان المبنى الوزاري لا تناسبه. أمر معاليه بأن يتم صبغ كافة ألوان الوزارة باللون الأخضر. قيل له يا معالي الوزير أن الوزير السابق قام أيضا بتغيير الألوان في أقل من سنة. ولأن معاليه لا يحب أن يعترض عليه أحد فقد أصر على تغيير اللون. وليس التغيير قد اقتصر على صبغ الجدران فقط بل شمل الأبواب؛ تلك الأبواب الخشبية المصنوعة من نوعية "أم دي أف" كان الأمر يستحيل صبغها وطلائها بسعر عادي. إذ أن الأمر سوف يكون مكلفا جدا. لكن معاليه أصر بل وأمر بصبغ الأبواب أيضا وبغض النظر عن التكلفة.

      هنا يكون معاليه المستر "نو" لأنه رفض الاستماع إلى الطرف الأخر بأن ألوان جدران الوزارة قد تم تغييرها منذ سنة واحدة فقط، وأن التكاليف سوف تكون عالية جدا، وأنه سوف يكون هناك توقف في العمل خاصة أنها وزارة خدمية تكتض بالمراجعين من الصباح الباكر، وأنه ينبغي تحريك أثاث الموظفين من طاولات وكراسي وكنبات ودواليب حتى يتمكن عمال الصبغ من أداء عملهم، فضلا عن روائح الصبغ التي سوف تملأ المكان طيلة فترة العمل التي قد تستغرق أكثر من شهر، وليس هناك عائد مادي ملموس على تغيير الألوان...

      لكنه "المستر نو" الذي إن قيل له "نعم" فإنه يقول "لا"...

      __________________




      المصدر : بن دارس


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions