(1)
يبحث الإعلام العماني - الحكومي خاصة - عن أي خبر يتحدث فيه أن السلطنة حققت مركزا عالميا ونالت هذه الجائزة، دون أن يكون لذلك الخبر تمحيص أو حتى دقة في النقل. ولأن السلطنة كانت تحقق المركز الأول في أقل "الدول العربية" فسادا فإن ذلك الخبر كان يتصدر الصحف المحلية، مضافا إليه تعليقات تشيد بالجهود الحكومية في سبيل مكافحة الفساد دون أن تدخل في صميم القضية والتي أقلها ما يكون ظاهرة "الواسطة" المتفشية في العديد من وحدات الجهاز الإداري للدولة وفي الكثير من نفوس الموظفين. فلكي توظف إبنك فإن أول ما تفعله هو البحث عن واسطة، ولكي تحصل على خدمة الهاتف أو حتى الكهرباء والماء فإن تبحث عن صديق أو قريب أو جار أو صديق صديق أو حتى صديقة موظفة أو خليلة لانهاء معاملتك في تلك الجهة الحكومية. أي أن الواسطة وهي نوع من الفساد الهيكلي Structured corruption أصبحت بل وتغلغلت في النفس العمانية بشكل ينبئ بالخطر، ورغم أن هناك جهود حكومية وحتى فردية للحد منها (منها على سبيل إدخال أنظمة الكمبيوتر في الاختيار) إلا أن تلك الجهود لا تحقق النتائج المرغوبة، ولعل افضل مثال لذلك هو ما حدث ويحدث في توزيع أرقام السيارات. فمدير عام المرور السابق يصرح أن جهاز الحاسب الآلي هو الذي يختار الأرقام للسيارات بشكل عشوائي، فقد تحصل على رقم مميز أو رقم أحادي أو حتى ثنائي نظريا، لكن الواقع يقول أن تلك الارقام اقتصرت على "السيارات الفارهة" وعلى "أبناء الذوات" وعلى "من يملك المال". ومثال آخر، الأراضي الحكومية: فوزارة الإسكان من اكثر الوزارات تم تغيير وزاري وهيكلي فيها، وتبعيتها تنقلت بين البلديات وبين المواصلات وبين الكهرباء والماء وأخيرا تستقل بذاتها. أما الموظفون فيها فهم الذين "تغانوا" منها، منهم من أدين بجريمة استغلال الوظيفة وخيانة الأمانة، ومنهم من ثقلت موازنيه وتخمت كروشه. أراضي في قلب المدن الرئيسية يتم منحها للاستخدام التجاري فتكون قيمة تلك الأراضي بعشرات بل تصل إلى مئات الآلاف من الريالات العمانية، يتم منحها لذا الشيخ أو ذلك "الهامور" الذي يكون في الأصل متخما بما نال من خزائن الدولة التي وهبته الكثير دون أن يقدم ولو مقابل بسيط. هذا بخلاف المخططات السكنية الحديثة التي يتم توزيعها حتى لأعلى المسئولين بالدولة، أو يتم بيعها بثمن بخس قبل أن يعرف المواطن البسيط عن أن هناك مخططات عمرانية ومشاريع عملاقة سوف تمر بتلك الأراضي الجرداء...
(2)
لكن الإعلام العماني صمت بالأمس صمتا شديدا بعدما نشرت منظمة الشفافية الدولية تقريرها السنوي لعام 2007. صمتت جريدة عمان وجريدة الوطن صمت سكون الليل وهي تستقبل الخبر عبر مراسليها ووكالاتها أن ترتيب السلطنة في منظومة الفساد قد تراجع كثيرا بل وتقهقر مكانه بشكل ملفت وملحوظ. ففي حين حافظت السلطنة على المركز الأول في أقل الدول العربية فسادا ولثلاث سنوات متتالية (2003، 2004، 2005) متقدمة على جارتها دولة الامارات الشقيقة إلا أن عام 2006 سجل تراجعا خلف دولة الامارات، بل وتأخر المؤشر بين 2005 إلى 2006 من المركز الثامن والعشرين إلى المركز التاسع والثلاثين. أما عام 2007 والذي لم ينته بعد فإن نصيب السلطنة قد زاد من جرعة الفساد رغم سفر بعض الوزراء والوكلاء بالدولة إلى المؤتمرات التي تنعقد في هذا الشأن ورغم "الجهود الجبارة" التي طالما يطبل عليها الإعلام العماني. مركز السلطنة لهذا العام قفز قفزات ماراثونية ليكون الثالث والخمسين بعدما كان السادس والعشرين منذ أربع سنوات فقط، فدولة قطر الشقيقة تصدرت المركز الأول في قائمة أقل الدول العربية فسادا، تلتها جارتنا "الإمارات" والبحرين لتحقق المراكز32 و34 و46 على التوالي.السؤال الذي يسأل ذاته: لماذ فقدت السلطنة مكانها المرموق بين أقل الدول العربية فسادا؟ ولماذا تقهقر ترتيبها من المركز السادس والعشرين إلى المركز الثالث والخمسين في خلال أربع سنوات فقط؟ ولماذا صمت الإعلام العماني على هذا التراجع وعلى هذا التقهقر، بينما ظل يبجل ويطبل مكانتها الأولى في وقت سابق؟فتلك الأرقام يعني أن الفساد في السلطنة يستشري بشكل سريع وملفت للنظر وفق بيانات واحصاءات الوكالات الدولية، ووفق المرئيات والملاحظات التي دور حولنا. حيث أصبحنا نجد الواسطة في كل مكان، بل أصبحت جرائم الفساد أو جرائم الياقة البيضاء في ازدياد، وسوف ندعم حديثنا هذا باحصاءات وأرقام من النشرات الحكومية العمانية التي تصدر في هذا الشأن.http://www.transparency.org/policy_r...dices/cpi/2007
(3)
يبدو أن الذي صرح بما أورده المقال التالي له من السلطة ما تجعله يشير بشكل مباشر إلى "أعلى المسئولين". والمعنى يقصد به وزراء ووكلاء وزارات لهم نفوذهم الوظيفي والاجتماعي. فنحن ندرك أن هناك من المسئولين من هم فوق السلطة وله اعتباراته الاجتماعية ونفوذه السلطوي الذي يقيه من المساءلة. أما إذا ما كان قد ورد في هذا المقال صحيحا فهي خطوة إيجابية نرحب بها بل ونفرح لها كثيرا وإن جاءت متأخرة. فبالفعل نحن بحاجة إلى فرض السلطة فوق المتلاعبين وفوق المفسدين أيا كانت مناصبهم، وبحاجة إلى شخصية قوية ورجل لا يهمه منصبه إن أراد الاحاطة بالرؤوس التي تبيع البلاد وتعيش في فسادا فجعلتها تتقهقر في ترتيبها في منظومة الفساد العالمي.إنها خطوة جبارة وإيجابية نتمنى أن نراها قريبا، وهي تحارب أي مسئول يستغل نفوذه وسلطاته في تحقيق مآرب شخصية له ولأهله ولأصدقائه.فإلى الأمام يا سلطنة عمان:-أكد مصدر لـ(الشبيبة) أن المرحلة القادمة للحكومة هي محاربة ومواجهة كافة أشكال وانواع الفساد الذي أعتبره ظاهرة عالمية تواجهها الحكومات بحزم وتضع لها كل الخطط والآليات لمحاربتها ومراقبتها.واضاف المصدر أن السلطنة مثلها مثل اي دولة في العالم عرضة لهذه الظاهرة ومن ثم فإن المؤسسات المعنية في البلاد وعلى مختلف مستوياتها ستشدد آلياتها لمحاربة الفساد وكل مسؤول سيكون عرضة للمحاسبة والمساءلة في هذه القضايا في إطار القانون والقضاء.وقال المصدر "في المرحلة السابقة كانت أولويات الحكومة تأسيس البنية الأساسية ومد الخدمات الأساسية الى المواطنين والتي وبتوفيق من الله قد اكتملت منظومتها وبات المواطن العماني يجني ثمارها ومن ثم الانتقال والاشتغال في المرحلة الثانية على تثبيت دعائم دولة المؤسسات والقانون ومن ثم فإن المرحلة الحالية وقد أنجزت الدولة أو اقتربت من إنجاز البنية الأساسية والتنموية فإن محاربة الفساد ستكون من ضمن الاجندة الوطنية الداخلية مضيفا أن ذلك لن يستثني احدا من قائمة المساءلة والمحاسبة من اكبر الى اصغر مسؤول.واضاف المصدر "إن مانراه اليوم من وعي جماهيري في تناول هذه القضايا هو احد ثمار النهضة المباركة التي أوجدت مواطنا يتناول مثل هذه القضايا بروح وطنية مسؤولة بعيدا عن التجريح والتشهير مؤكدا ان أبواب مختلف المؤسسات المعنية وعلى مختلف مستوياتها مشرعة امام المواطن للإستماع الى ملاحظاته".واثنى المصدر على الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام في تناول مختلف القضايا التي تهم الوطن والمواطنين ومنها مايمكن إدراجه تحت قائمة الفساد داعيا إياها الى تفعيل دورها في إطار من الحرص والمهنية لمساعدة المؤسسات المعنية كذلك للقيام بدورها معتبرا أن الجميع في "خندق واحد".واضاف قائلا: إن إستغلال المنصب الوظيفي الحكومي لتحقيق مصالح ذاتية خاصة أمر مرفوض تماما وإن الوظيفة هي تكليف وليست تشريف وبالتالي على كل مسؤول يمارس عمله أن يضع نصب عينه في خدمة الوطن والمواطنين. واكد المصدر في نهاية تصريحه الى أن "الكمال لله عزوجل" ولذلك فإن الدولة ستقوم بكامل قوتها واجهزتها للتصدي لهذه الظاهرة معتبرا أن المال العام هو ملك للوطن ولا ينبغي أن يساء التصرف به .shabiba.com/innerpage.asp?detail=4678
(4)
تستخدم منظمة الشفافية الدولية أربعة معايير للحكم على فساد الدول، وهذه المعايير (المنشورة في الانترنت) هي كالتالي:1) مؤشر مفاهيم الفساد Corruption Perceptions Index2) مؤشر دافعي الرشاوي The Bribe Payers Index3) بارومتر الفساد العالمي The Global Corruption Barometer4) دراسات الدول عن نظام النزاهة الوطني National Ingetrity Country Studiestransparency.org/policy_researchوسوف أتحدث بنوع من التفصيل عن كل مؤشر وفق مفهومي لها مع إعطاء بعض الأمثلة..
(5)
المؤشرات التي يبنى عليها معايير تقييم الفساد في كل دولة:1) مؤشر مفاهيم الفساد Corruption Perceptions Indexأ. تستخدم المنظمة (14) مصدرا من (12) مؤسسة مستقلة. تقوم تلك المصادر بقياس النطاق العام للفساد من حيث مرات حدوث وحجم الفساد في القطاعات الحكومية وكذلك القطاعات السياسية، حيث توفر تلك المصادر ترتيبا للدول بما في ذلك تقييم العديد منها. أما المصادر الـ(14) فهي كالتالي:
-1. البنك الآسيوي للتعمير Asian Development Bank
3. البنك الأفريقي للتعمير
African Development Bank 3. مؤسسة بيرتمسان
Bertelsmann Foundation4. البنك الدولي للإنشاء والتعمير World Bank5
. وحدة الاستخبارات الاقتصادي
Economist Intelligence Unit6. دار الحرية
Freedom House7. الرؤية العالمية Global Insight8
. أي أم دي انترناشول IMD International 9. مركز المنافسة العالمي World competitiveness Center10
. المجموعة الدولية للتجار
Merchant International Group11. استشارات المخاطرة السياسية والاقتصادية Political &
Economic Risk Consultancy12.
نفس الموقع أعلاه.13. المفوضية الاقتصادية الافريقية التابعة للأمم المتحدة
United Nations Economic Commission for African14. المنتدى الاقتصادي العالمي World Economic Forum
لقد قام البروفيسور الدكتور جوهان جراف لاملبسدورف من جامعة "باساو" بالنسبة لعام 2007 بإعداد آلية علمية احصائية منشور في موقع منظمة الشفافية الدولية، وتتكون من خمس عشرة صفحة فيها تفاصيل عن تلك المصادر وكيفية التحقق من مصداقيتها، فضلا عن وجود عنوانين للانترنت لتلك المصادر والتي يمكن الرجوع إليها متى شاء الباحث. حيث أن البعض من القراء يتشكك في مصداقية تلك الاحصاءات ويعتبرها أمر سياسي للاصطياد العكر في اقتصاديات بل وفي سياسات الدول. فنحن مازلنا ننظر إلى العالم الآخر بنظرية المؤامرة..
(6)
في الدراسة الآنفة الذكر يوجد جدول لتقييم الدول فيما يخص الفساد ويتكون من عشر خانات رأسية، وهي كالتالي:-1) رقم المصدر (مثل البنك الأسيوي للإنشاء والتعمير، أو البنك الدولي).2) اختصار الكلمات لذلك المصدر (ADB وتعني البنك الآسيوي).3) المصدر: البنك الآسيوي، البنك الدولي، الخ.4) الاسم، ويعني اسم التقييم أو المؤشر الذي يستخدمه المصدر (مثلا البنك الآسيوي يستخدم تقييما بإسم تقييم أداء الدول Country Performance Assessment Ratings، في حين يستخدم البنك الدولي تقييما باسم الدول في مرحلة العبور Nations in Transit)5) تاريخ النشر: مثلا 2006/20076) موقع المصدر على الانترنت7) من الذين تم المسح عليهم: فريق من الدول، خبراء من البنك الدولي، المراسلين المحليين، مدراء من الشركات المحلية والدولية (أحب أن أعلق هنا على أن الشركات العالمية خاصة يكون بعض مدرائها على اتصال مع تلك الجهات الخارجية، كما أن البنك الدولي للإنشاء والتعمير والذي يقدم الدراسات وبالطبع القروض لا بد له أن يجري تقييما لتلك الدول، ولعل تقييم السلطنة ورد من ضمن تقييم البنك الدولي)8) المواضيع التي تم الاستبيان بشأنها: احتمالية تقديم رشوة للمسئولين، هل يوجود فساد أو رشوة في تلك الدولة، الفساد الذي يمكن أن يشمل رشوة الوزير وحتى الغفير، مدى فداحة الفساد في القطاع العام، مدى مراقبة الفساد من خلال القوانين والضبط القضائي، والجهاز التنفيذي، المبالغ التي يتم دفعها سرا للموظفين الحكوميين، سوء استغلال المنصب الحكومي لأشياء شخصية، مدى تغطية قضايا أو مواضيع الفساد في الأعلام المحلي، تضارب المصالح، تحويل الموارد المالية لجهود محاربة الفساد، نظام معاقبة المفسدين،، الخ.9) عد الاجابات: تتراوح بين عدم الاستجابة إلى (11) ألف جواب.10) التغطية، أي نطاق شمولية الاستبيان: أحيانا يضم أكثر من (165) دولة.
(7)
كما أسلفت أعلاه فهناك من يشكك في مصداقية مصادر منظمة الشفافية الدولية. المتأمل في اسم المنظمة وهو "الشفافية" فإن الزائر لموقعها يجد أن كل معلومة مسجلة عن دولة إنما تتستم بالمصداقية إن أردنا أن ندخل في تفاصيل وحيثيات ذلك الموقع. فمثلا، نجد أن هناك خبراء عن الدول Country Experts، وكذلك المقيمين وغير المقيمين من رجال الأعلام، فضلا عن البنوك الدولية التي تمد منظمة الشفافية بالبيانات عن كل دولة. أتذكر في هذا السياق عن "بروفيسورة" كانت تقيم في ولاية فلوريدا الأمريكية، وكانت تعرف أشياء عن السلطنة سواء كانت تاريخية أو سياسية أو اجتماعية أو موروثات أو عادات أو تقاليد أو أعمال قلما نعرفها نحن عن بلادنا الحبيبة، فهؤلاء متخصصون في بلادنا ويعرفون الشئ الكثير.. بالطبع هناك معلومات قد تكون مغلوطة وهذا أمر عادي يحدث في كل بلد. فكما ذكرت سابقا فإن مسلسل خالد بن الوليد (سيف الله المسلول) يذكر أن العمانيين أسلموا كرها وبالسلاح وليس طوعا كما نعرف نحن...ولنبقى في سياق الموضوع:-اعتمدت المنظمة على الأسلوب الإحصائي في ترتيب الدول، وهناك مصطلحات مثل القيمة المتوسطة Mean Value والتقييس Standardization والتي تستخدم في أسلوب النسب المئوية. وهذه الطريقة مفيدة في ربط المصادر التي يكون لها توزيع مختلف باعتبار عدم توفر كافة البيانات لكافة الدول وبالتالي يجعل هذا الأسلوب النتائج المبلغ عنها باقية في حدود مؤشرات مفاهيم الفساد، والتي تكون بين الصفر والعشرة. فهمتوا شئ
(8)
ثانيا: مؤشر دافعي الرشاوي The Bribe Payers Indexويقصد به المؤشر الذي يبين مدى قيام الشركات العالمية المصدرة وذلك باستخدام الرشوة كوسيلة للدخول إلى تلك الأسواق.تعتمد منظمة الشفافية الدولية على هذا المقياس باستخدام نظام الاستبيان، وقد قامت في عام 2006 بجمع البيانات من أكثر من (11) ألف مدير في (125) دولة وذلك لـ(30) دولة مصدرة من بينها السعودية ودولة الإمارات. والدراسة التي جاءت في (16) ورقة نشرت في موقع المنظمة تبرز تفاصيل تلك المؤشرات وبشكل منهجي..إنه من السائد أن "الرشوة" نوع من جرائم الياقة البيضاء White-Collar والتي تلحق الضرر بالوطن والمواطن بشكل مغاير للجرائم المعروفة كونها مستخدمة بأساليب بعضها بدائي والآخر متطور. فالرشوة ليس بالضرورة في شكل دفعات نقدية وإنما تستخدم عدة صور منها النسبة المئوية في هذا المشروع أو تلك المناقصة. ولتسليط الضوء على هذا الجانب، قامت مجلة (المجلة) منذ عدة سنوات بإجراء تحقيق شامل حول "الرشوة" في الدول العربية وتوصلت إلى ما يسمى بـ "مستر تن برسنت كوميشن" أي السيد ذو الـ10% عمولة". حيث يقوم المسئول الحكومي بالتفاوض مع شركة لتخدم خدمة ما في تلك البلد ويكون هو الذي يقبض نسبة الـ10% من تلك المناقصة إما في شكل توكيلات (كأن يكون الوكيل لها)، وكما قرأنا في الصحف العالمية عن شركة اريكسون السويدية التي نشرت بعض المعلومات التي نجهلها عن وزير البريد والبرق والهاتف السابق. كما أن الرشوة وفق هذا المؤشر هي الطريق لاختراق ذلك السوق المحصن بسياسة الحماية Protectionism Policies. حيث أن بعض الدول تقوم بحماية منتجاتها الوطنية بمنع دخول السلع الأجنبية، وبالتالي تأتي الرشوة لتشق طريقها عن طريق كبار المسئولين. وأتذكر في هذا الصدد أن شركة الايرباص والتي أصبحت المنافس الشرس لطائرات البوينج الامريكية فإنها لم تكن لتحقق النجاح سوى برشوة كبار وزراء النقل أو المواصلات لتدخل الأسواق لخطوط الطيران الحكومية خاصة في دول العالم الثالث، وهناك قصة وزير المواصلات السوري الذي انتحر منذ بضع سنوات بعد أن تم كشفه بالصدفة لصفقة طائرات الايرباص مقابل رشوة من "العيار الثقيل". والايرباص نفسها لم تستطع أن تدخل السوق الأمريكية التي كانت تسيطر عليها شركات البوينج والمكدونالد دوجلاس ولوكهيد، فعملت خطة ذكية استطاعت من خلالها أن تدخل السوق الأمريكية بدون أن تقع في المساءلة القانونية كون الكونجرس الأمريكي قد سن قانونا يمنع الرشوة. فقامت الأيرباص بمنح خطوط الطيران المعروفة آنذاك "ايسترن" عشرة طائرات مجانية لتستخدمها بدون مقابل، وقد أثبتت تلك الطائرات جودتها وقدرتها التنافسية لتقوم شركة ايسترن فيما بعد بشراء تلك الطائرات..
(9)
ثانيا: مؤشر دافعي الرشاوي - يتبعThe Bribe Payers Indexقامت منظمة الشفافية العالمية بالتعاون مع شركة أيرنست ويونج (لديها فرع في السلطنة) بإجراء الدراسة الخاصة بمؤشر دافعي الرشاوي وذلك بطرح سؤالين للمدراء التنفيذين للشركات الأجنبية التي تعمل في 125 دولة؛ السؤال الأول:من خلال تجربتك: إلى أي مدى تقوم الشركات من الدول التي اخترتها بتقديم دفعات غير موثقة أو رشاوي؟وكان يطلب من كل مستجيب أن يوضع رقما بين 1 (الرشاوي شائعة) إلى 7 (الرشاوي معدومة)، ومن ثم يتم تحويل الاجابات إلى نتيجة تتراوح بين الصفر والعشرة ومن ثم الحصول على المتوسط. ويتم وضع النتائج في جدول كانت سويسرا أقل الدول رشوة تلتها السويد فاستراليا، وتكون دولة الامارات في الترتيب الـ14، والسعودية في الترتيب الـ22، في حين كانت الهند في الترتيب الـ30. ولم يرد ذكر السلطنة في ذلك الجدول. ومن المعلوم أن "العولمة" قد أدخلت الشركات الأجنبية لتعمل في تلك الدول (ومن بينها السلطنة) وفق بعض القوانين مثل قانون الاسثتمار الأجنبي والذي قد يبيح التملك الأجنبي نسبة تصل إلى 100% إذا ما تبين أن رأس المال الأجنبي يمكن أن يحقق عائدا اقتصاديا جيدا، ولذا تجد المناطق الحرة وهي تنشر في كثير من دول العالم بما في ذلك السلطنة.على ان كل دولة لا تخلو من اجراءات بيورقراطية قد تم وضعها سواء كانت صحيحة أو نتجت عن فكر اقتصادي عقيم لا يخدم البلاد بقدر ما يخدم شريحة معينة أو أن واضعي تلك الاجراءات هم أصحاب العقول والمدارس الاقتصادية القديمة التي ترى الاقتصاد من منظور ضيق، لذا تلجأ الشركات الكبرى والتي تسمى أيضا Multi-national corporations (اي المتعددة الجنسيات) إلى كبار المسئولين كوكيل الوزارة أو الوزير ذاته في إنهاء الاجراءات البيورقراطية بعيدا وبشكل سريع يساعد على تغلغل تلك الشركات وربما فرض هيمنتها وسيطرتها على الاقتصاد الوطني. وهنا تأتي مسألة الرشوة أو النسبة المئوية للوزير أو لأي مسئول آخر يقوم بإنهاء الاجراءات بشكل سريع.
(10)
خبر تناولته الصحف المحلية - من بينها جريدة الوطن كان كالتالي:-برلين ـ (الوطن): تأكيداً لنجاح نهج الشفافية الذي تحذوه مسيرة التنمية الشاملة في البلاد، فقد إحتلت السلطنة أمس المركز الثالث عربياً والـ41 دولياً من بين 180 دولة في التقرير السنوي لمنظمة الشفافية الدولية لعام 2008.وأعطى التقرير للسلطنة 5.5 نقطة من أصل عشر نقاط (نظيف جداً)، فيما تصدرت الدنمارك والسويد ونيوزلندا الترتيب.وأكد التقرير الذي نشر في برلين أمس وتلقت (الوطن) نسخة منه على تحسن ملحوظ للمستويات الإحصائية للسلطنة العام الماضي في مجال الشفافية ومكافحة الفساد، وقال تقرير منظمة الشفافية الدولية "يمكن ملاحظة التحسينات الإحصائية الكبيرة التي طرأت خلال العام الماضي في ألبانيا وقبرص، وجورجيا ومورشيوس، ونيجيريا، وسلطنة عمان، وقطر، وكوريا الجنوبية، وتونجا، وتركيا".وجاءت السلطنة في المركز الثالث في القائمة العربية، بعد كل من الإمارات وقطر فيما تذيلت الصومال والعراق القائمة.من جهتها لفتت هوجيت لابيل رئيسة المنظمة في بيان إلى أن "الفساد ربما يكون مسألة حياة أو موت في الدول الأكثر فقراً لا سيما عندما يكون الأمر متعلقا بالمال (الواجب توفيره) للمستفشيات او المياه الصالحة للشرب". وقالت لابيل إن "إستمرار الفساد والفقر بمستويات عالية في عدد من المجتمعات الدولية هو أشبه بكارثة إنسانية دائمة لا يجوز السماح بها".يذكر أن منظمة الشفافية الدولية غير الحكومية تنشر كل سنة منذ 1995 مؤشراً للفساد على أساس تصنيف 180 دولة وفقاً لتحليل مجموعة دولية من رجال الأعمال والخبراء والجامعيين.عندما احتلت السلطنة المراكز الأولى في سنوات قبل سنتين فقد هلهلت الصحف المحلية ورحبت بذلك الخبر، وعندما تراجعت بل وتقهقر ترتيبها إلى المركز الـ(53) بعدما كان الـ(26) فإنها سكتت دهرا، وها هي اليوم تنطق كفرا لتعود إلى الهلهلة من جديد، وهي تبارك الجهود الجبارة في "التقهقر" إلى المركز الثالث عربيا. ولا ندري ما هو المقصود بالنجاح في ذلك التقهقر، وما هو المقصود بالنجاح أيضا في ظل تفشي الفساد ودخول كبار بعض المسئولين والذين يحمل بعضهم شهادة الدكتوراه عالم الفساد وعالم المصالح وعالم "شيلني وأشيلك". فهناك أكثر من مسئول برتبة وزير منح أكثر من مسئول برتبة أيضا وزير امتيازات في شكل أراضي أو تصاريح أو مشاريع لم يكن الوزير الآخر يحصل عليها حتى ولو بقى في وزارته أكثر من عشر سنوات. عندما يتحقق حلم الوزير في أن يمتلك أرضا قيمتها السوقية تتجاوز عشرة ملايين ريال عمانيا فإن ذلك ضرب من الفساد، وعندما يمنح الوزير موافقة لإقامة عمارة أو مبنى تجاريا في ارض حكومية معفية من الضرائب فإن ذلك نوع من الفساد ذاته سوف تصمت الصحف المحلية عن الحديث معه، وإن تكلمت بخجل لكان الاستدعاء هو نصيب الذي تجرأ للكتابة في صحف تدعمها الدولة أبد الدهر...ماذا سوف يبقي هؤلاء المسئولون لأبنائنا وقد خلت الأرض مما رحبت ولم تبقى مساحة نشيد فيها "كوخا" لأبناء الجيل القادم
(11)
المسلسل العماني "درايش 2" رغم الجدل القائم عليه يوميا أذاع حلقة خاصة عن الواسطة (لم ألحق بمعرفة اسم المؤلف ولا اسم الحلقة)، وقد ركز على الفساد الإداري المستشري في الكثير من المؤسسات وإن كانت الحلقة باستحياء تحدثت عن الشركات الخاصة رغم أن "الواسطة" منتشرة في المؤسسات الحكومية أيضا حتى وإن كان هناك توظيف مركزي خاصة للجهات التابعة للخدمة المدنية. والحلقة تركز على عدد من المسؤولين أولهم "طويل العمر" والذي يمكن أن يكون مدير عام الشركة الذي يصر في البداية على كتابة شروط تعجيزية للخريجين الجدد من بينها خبرة الخمس سنوات التي يفتقر إليها الخريج سواء تخرج من الثانوية العامة أو من إحدى مؤسسات التعليم العالي. لكن عندما يأتيه اتصال من صديق بينهما مصالح فإن تلك الشروط لا يعتد بها. حتى وإن قامت تلك المؤسسة بتشكيل لجنة للتوظيف أو التعمين فإن فيها من المدراء من يحمل ملفا مليئا بالتوصيات للأقارب والأصدقاء من الجنسين، فيتم عمل مقابلات وهمية قد سبق أن تحدد أسماء المرشحين مسبقا، وبالتالي قبولهم للعمل بغض النظر عن ثقافهم السطحية التي غالى فيها الكاتب؛ كأن يسأل أحدا من المتقدمين عن مواعيد الدوام الرسمية الحكومية فلا يعرف الإجابة على الشق الثاني، وأن يسأله آخر عن برامج "ميكروسوفت أوفيس". أما إذا كان المتقدم من الناس الذين لا يحملون توصية أو واسطة فإن أعضاء اللجنة يسألونه سؤالا تعجيزيا (ما هي فحوى المادة 301 من قانون العمل؟) وخلال المقابلة يعلم كل مدير زميله أن الشخص القادم صاحب توصية من "طويل العمر" أو لصديق أو أخ له، فيتفق كل عضو من اللجنة مع بقية الأعضاء على أن يتم قبول المرشحين المحجوزين مسبقا بدون أية طلبات للكفاءة. حتى في منزل "طويل العمر" فإن زوجته تريد منه أن يتوسط لإحدى قريباتها. أي أن الواسطة متفشية بين الرجال والنساء على حد سواء. والخريجون يعانون من عدم التوظيف مدة تزيد على الخمس سنوات فيبتكر أحدهم فكرة الإعاقة مستخدما القانون في التوظيف ومع ذلك يتم ابلاغه بضرورة الانتظار للشهر القادم لحين تأتي لهم الفرصة بالاتصال به، وهو يدرك أن ذلك لن يحدث.ولأن الواسطة تتجاوز كافة السبل الصحيحة فإن الموظفين الجدد لا يثبتون كفاءتهم في العمل، فها هي طباعة أو منسقة مدير التدقيق الداخلي تفشل حتى في كتابة رسالة بسيطة ليصرخ في وجهها طالبا مقابلة مدير شئون الموظفين الذي يخبره أنها من طرف "طويل العمر" ليرفض المدير الأول حديث المدير الثاني وليريد أن يبلغ جهات عليا باعتبار أن ليس الجميع من يقبل بالواسطة، بل أن هناك من يحاربها..
(12)
جريدة عمان تنشر المقال التالي بتاريخ 2 ابريل 2009. شخصيا ذكرت في المحكمة أن قانون "من أين لك هذا" مطبق في كثير من دول العالم، لكن ليس موجود لدينا. وهذا القانون في حد ذاته لا يسئ إلى الموظف العمومي وإنما يتسأل عن ممتلكات وثروات ذلك الموظف والذي يأتي بالأدلة والقرائن المقبولة قانونيا، وإن لم يفعل فالقانون يأخذ مجراه:-معاقبة الطامعينفاطمة الزدجاليةفي اي مجتمع لا يخلو الأمر من الجيد ونقيضه ولكن على مدى رجحان إحدى الكفتين يتحدد الأمر بل المصير كله والمستقبل إن لم نبالغ ولأننا من المجتمعات التي نهضت من سبات عميق وأخذت تسير بخطوات سريعة لحاقا بركب التطور والحداثة كان الاعتماد على الكادر البشري من الاولويات بل من الأمور البديهية والمهمة تطويعا للطاقات واستثمارا للإمكانيات المادية المتاحة وكان تواصل الليل بالنهار لنحقق ما وصلنا اليه من نهضة شاملة تعتبر قياسا في تجارب الشعوب.إلا أن الأمر لا يخلو وفي اي حال من الأحوال من بعض من التجاوزات والسلبيات التي يتضح مداها في وقت لاحق وهذا واقع اي مجتمع فالكمال لله وحده ولكن بعض تلك التجاوزات والسلبيات إن لم يتم تلافيها والتصدي لها تكون عواقبها بلا شك غير محمودة إن على المستوى الآني أو على المنظور البعيد منها على سبيل المثال:أن يقتطع اللاهثون وراء الثروة والجاه من أقوات البشر ومقدراتهم لسد أطماعهم وتحقيق مكاسبهم المادية وهم كثر يتواجدون بيننا وقد نكون مضطرين للتعامل معهم وهم من فئة بعض التجار وكبار المستثمرين وأصحاب المؤسسات الربحية الخاصة والعامة والذين صعدوا على أكتاف هذا الوطن وامتلأت خزائنهم بالثروات والأموال الطائلة والقلة منهم من يراعي الضمير والتقوى وقد تجاوز الأمر في أحيان كثيرة في السعي المحموم للثروة ليصل إلى اقتطاع أجزاء من الوطن والاستيلاء على المال العام وهي امور واردة وليست بالبعيدة لمن ارتاحت ضمائرهم وأخذت غفوة في اعتقاد بان الحصانة قد تحميهم من المساءلة سواء كانت نابعة من منصب أو مكانة وظيفية أو خلافه.ولعل ما أكدته التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة سلطان البلاد المفدى من ضرب بيد من حديد لكل من تسول له نفسه بالفساد او الاستغلال المسيء للوظيفة أو المنصب سيحقق الكثير في الكشف عن هذه التجاوزات والإساءات ونتمنى أن يعم الأمر ليشمل كافة الفئات والقطاعات عامة كانت أو خاصة والاهم من ذلك تطبيق قانون من أين لك هذا؟ ذلك لتستقيم الأمور.
(13)
الموضوع التالي الجميل طرحته الاستاذة المبدعة بسمة مبارك الكيومي في العدد الثالث من ملحق (ن) الذي أصدرته الجمعية العمانية للكتاب والأدباء في 7 سبتمبر 2009 عن الفساد، مع وضع الكاتبة بعض الحلول والمرئيات للتصدي للفساد:-الفساد جريمة في حق الوطن وتهديد لأمنه ومكتسباته وتعدٍّ على حقوق شعبٍ بأسره. إنه الداء الأخطر الذي قد يقضي على مستقبل أجيالٍ بأكملها، ويضع وطناً على شفير الإنهيار. لكنه في الوقت نفسه الإختبار الأكثر صدقاً لدولة القانون.في كل بلاد الدنيا، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وفي أعرق الديمقراطيات وأقسى الأنظمة الديكتاتورية، الفساد دائماً موجود كوجه من أوجه الأنانية والجشع البشري الذي لا يطفئه إلا التراب. إنه دائماً إحتمالٌ قائم ووارد التحقق إذا سنحت الظروف ونام الضمير وغفلت عين الرقيب ولو لثوانٍ، فهو في جوهره ليس إلا مظهراً من مظاهر الضعف البشري وليس خصيصةً لنظامٍ معين.نعم قد تساهم أوضاع سياسية واقتصادية معينة في تفاقمه، لكنه يبقى موجوداً حتى في أكثر الأنظمة مثاليةً، فهناك دائمأ ثغرةٌ في مكانٍ ما بانتظار نفسٍ مريضةٍ لتعبر من خلالها. إذن أن يظهر مسئول فاسد ، فهذا في حد ذاته ليس بكارثة لأننا نقبل بالفساد كخطرٍ وارد في أي ممارسة للسلطة. لكن ما لا نقبله هو أن يمر الفساد بلا عقاب، فأي حادثة فساد تُكتشف هي اختبارٌ لحكم القانون وصرامته وسيادته على الجميع كباراً وصغاراً، مسؤولين أم مواطنين عاديين. المهم في أي حادثة فساد هو تعاطي المؤسسات المعنية معها، وأسوأ خيار في هذه الحالة هو الصمت وغض البصر. لأنه مكافأة للفاعل وتشجيع لغيره ليكرر ذات الفعل. إذا نجا المفسد بفعلته دون عقاب، فلماذا لا يفعلها غيره؟ والنتيجة أن يصبح المال العام مستباحاً لكل من أراد أن يقتطع نصيباً من الكعكة. والخاسر من هذا كله هو الوطن والمواطن كما أن القانون في هذه الحالة يفقد منطقه، فأي منطق في محاسبة سررق إطار سيارة، حين ينجو سارق قوت الشعب وأحلامه؟لذا فلا بد للفاسد من عقابٍ رادع يجعله عبرةً لسواه، ويرسخ حكم القانون وسيادته، ويمنع كل من تسول له نفسه أن يسترزق ويتنفع على حساب الوطن وأجياله القادمة. فالفساد عصاً في عجلة التنمية، ويد تمتد في جيب كل مواطن لتجعله أفقر، وتنتزع الفرصة من بين يديه واللقمة من فم أبنائه.إلا أن محاربة الفساد لا تقتصر فقط على العقاب عند وقوع الفعل وإنما تكمن في معالجة الأسباب التي أدت إلى حدوثه، وتعزيز آليات الرقابة بكافة أشكالها شعبيةً وإعلاميةً ومؤسساتية. وهنا يتضح جلياً أهمية الإعلام الحر المستقل،والبرلمان الفاعل المدرك لدوره ومسؤولياته والممتلك لصلاحيات تؤهله لأن يشكل سلطة رقابة شعبية تراقب وتراجع وتثير الأسئلة.كما يبرز كذلك دور المربين ورجال الدين في غرس قيم الأمانة والنزاهة في النفوس، لأنه على الرغم من أننا جميعاً نستنكر الفساد، إلا أن قلةً قليلةً منا تستنكف مقارفته إذا ما سنتحت الفرصة! لأن الإنسان بطبعه قادر على أن يبرر لنفسه ويستثني أفعاله تحت مبررات عديدة وبشكلٍ غير واعٍ. وحتى من لا يملكون منا سلطةً تمكنهم من التنفع، لا يمنعهم ذلك من لعب دور المحرض على الفساد عن طريق استغلال أقربائهم ومعارفهم من أصحاب السلطة والإلحاح عليهم وإحراجهم ليفسدوا. لأننا نتوسع كثيراً في تعريف ما هو حقٌ لنا، في الوقت الذي نضيق مفهوم الفساد ليشمل نمطًا معينًا لا تندرج تحته أفعالنا. كثيرٌ منا مثلاً لا يعتبر طلب إلغاء مخالفة السير تحريضاً على الفساد، أو استعمال الواسطة للحصول على وظيفة أو مقعدٍ تعليمي، أو الإعفاء من شروط ومتطلبات قانونية معينة شكلاً من الفساد. مع أنه في الحقيقة كل شكل من أشكال تجاوز القانون والإلتفاف حوله للحصول على منفعة شخصية غير مستحقة، يعتبر مظهراً من مظاهر الفساد، وكل سعيٍ من أجل تحقيق ذلك يعتبر تحريضاً على الفساد ولابد أن يخضع كذلك للعقاب.إذن محاربة الفساد تعتمد بشكلٍ أساسي على وجود آليات رقابة مستقلة فاعلة، وعقوبات قانونية رادعة تطبق دون استثناء، وقبل هذا وذاك ضمائر حية ونفوس أعف من أن تشتري مصالح آنية ضيقة، صغرت أم كبرت، على حساب مصالح الوطن وحقوق الشعب ومساواة المواطنين في الفرص وأمام القانون.
يتبــــــــــــع

المصدر : بن دارس
يبحث الإعلام العماني - الحكومي خاصة - عن أي خبر يتحدث فيه أن السلطنة حققت مركزا عالميا ونالت هذه الجائزة، دون أن يكون لذلك الخبر تمحيص أو حتى دقة في النقل. ولأن السلطنة كانت تحقق المركز الأول في أقل "الدول العربية" فسادا فإن ذلك الخبر كان يتصدر الصحف المحلية، مضافا إليه تعليقات تشيد بالجهود الحكومية في سبيل مكافحة الفساد دون أن تدخل في صميم القضية والتي أقلها ما يكون ظاهرة "الواسطة" المتفشية في العديد من وحدات الجهاز الإداري للدولة وفي الكثير من نفوس الموظفين. فلكي توظف إبنك فإن أول ما تفعله هو البحث عن واسطة، ولكي تحصل على خدمة الهاتف أو حتى الكهرباء والماء فإن تبحث عن صديق أو قريب أو جار أو صديق صديق أو حتى صديقة موظفة أو خليلة لانهاء معاملتك في تلك الجهة الحكومية. أي أن الواسطة وهي نوع من الفساد الهيكلي Structured corruption أصبحت بل وتغلغلت في النفس العمانية بشكل ينبئ بالخطر، ورغم أن هناك جهود حكومية وحتى فردية للحد منها (منها على سبيل إدخال أنظمة الكمبيوتر في الاختيار) إلا أن تلك الجهود لا تحقق النتائج المرغوبة، ولعل افضل مثال لذلك هو ما حدث ويحدث في توزيع أرقام السيارات. فمدير عام المرور السابق يصرح أن جهاز الحاسب الآلي هو الذي يختار الأرقام للسيارات بشكل عشوائي، فقد تحصل على رقم مميز أو رقم أحادي أو حتى ثنائي نظريا، لكن الواقع يقول أن تلك الارقام اقتصرت على "السيارات الفارهة" وعلى "أبناء الذوات" وعلى "من يملك المال". ومثال آخر، الأراضي الحكومية: فوزارة الإسكان من اكثر الوزارات تم تغيير وزاري وهيكلي فيها، وتبعيتها تنقلت بين البلديات وبين المواصلات وبين الكهرباء والماء وأخيرا تستقل بذاتها. أما الموظفون فيها فهم الذين "تغانوا" منها، منهم من أدين بجريمة استغلال الوظيفة وخيانة الأمانة، ومنهم من ثقلت موازنيه وتخمت كروشه. أراضي في قلب المدن الرئيسية يتم منحها للاستخدام التجاري فتكون قيمة تلك الأراضي بعشرات بل تصل إلى مئات الآلاف من الريالات العمانية، يتم منحها لذا الشيخ أو ذلك "الهامور" الذي يكون في الأصل متخما بما نال من خزائن الدولة التي وهبته الكثير دون أن يقدم ولو مقابل بسيط. هذا بخلاف المخططات السكنية الحديثة التي يتم توزيعها حتى لأعلى المسئولين بالدولة، أو يتم بيعها بثمن بخس قبل أن يعرف المواطن البسيط عن أن هناك مخططات عمرانية ومشاريع عملاقة سوف تمر بتلك الأراضي الجرداء...
(2)
لكن الإعلام العماني صمت بالأمس صمتا شديدا بعدما نشرت منظمة الشفافية الدولية تقريرها السنوي لعام 2007. صمتت جريدة عمان وجريدة الوطن صمت سكون الليل وهي تستقبل الخبر عبر مراسليها ووكالاتها أن ترتيب السلطنة في منظومة الفساد قد تراجع كثيرا بل وتقهقر مكانه بشكل ملفت وملحوظ. ففي حين حافظت السلطنة على المركز الأول في أقل الدول العربية فسادا ولثلاث سنوات متتالية (2003، 2004، 2005) متقدمة على جارتها دولة الامارات الشقيقة إلا أن عام 2006 سجل تراجعا خلف دولة الامارات، بل وتأخر المؤشر بين 2005 إلى 2006 من المركز الثامن والعشرين إلى المركز التاسع والثلاثين. أما عام 2007 والذي لم ينته بعد فإن نصيب السلطنة قد زاد من جرعة الفساد رغم سفر بعض الوزراء والوكلاء بالدولة إلى المؤتمرات التي تنعقد في هذا الشأن ورغم "الجهود الجبارة" التي طالما يطبل عليها الإعلام العماني. مركز السلطنة لهذا العام قفز قفزات ماراثونية ليكون الثالث والخمسين بعدما كان السادس والعشرين منذ أربع سنوات فقط، فدولة قطر الشقيقة تصدرت المركز الأول في قائمة أقل الدول العربية فسادا، تلتها جارتنا "الإمارات" والبحرين لتحقق المراكز32 و34 و46 على التوالي.السؤال الذي يسأل ذاته: لماذ فقدت السلطنة مكانها المرموق بين أقل الدول العربية فسادا؟ ولماذا تقهقر ترتيبها من المركز السادس والعشرين إلى المركز الثالث والخمسين في خلال أربع سنوات فقط؟ ولماذا صمت الإعلام العماني على هذا التراجع وعلى هذا التقهقر، بينما ظل يبجل ويطبل مكانتها الأولى في وقت سابق؟فتلك الأرقام يعني أن الفساد في السلطنة يستشري بشكل سريع وملفت للنظر وفق بيانات واحصاءات الوكالات الدولية، ووفق المرئيات والملاحظات التي دور حولنا. حيث أصبحنا نجد الواسطة في كل مكان، بل أصبحت جرائم الفساد أو جرائم الياقة البيضاء في ازدياد، وسوف ندعم حديثنا هذا باحصاءات وأرقام من النشرات الحكومية العمانية التي تصدر في هذا الشأن.http://www.transparency.org/policy_r...dices/cpi/2007
(3)
يبدو أن الذي صرح بما أورده المقال التالي له من السلطة ما تجعله يشير بشكل مباشر إلى "أعلى المسئولين". والمعنى يقصد به وزراء ووكلاء وزارات لهم نفوذهم الوظيفي والاجتماعي. فنحن ندرك أن هناك من المسئولين من هم فوق السلطة وله اعتباراته الاجتماعية ونفوذه السلطوي الذي يقيه من المساءلة. أما إذا ما كان قد ورد في هذا المقال صحيحا فهي خطوة إيجابية نرحب بها بل ونفرح لها كثيرا وإن جاءت متأخرة. فبالفعل نحن بحاجة إلى فرض السلطة فوق المتلاعبين وفوق المفسدين أيا كانت مناصبهم، وبحاجة إلى شخصية قوية ورجل لا يهمه منصبه إن أراد الاحاطة بالرؤوس التي تبيع البلاد وتعيش في فسادا فجعلتها تتقهقر في ترتيبها في منظومة الفساد العالمي.إنها خطوة جبارة وإيجابية نتمنى أن نراها قريبا، وهي تحارب أي مسئول يستغل نفوذه وسلطاته في تحقيق مآرب شخصية له ولأهله ولأصدقائه.فإلى الأمام يا سلطنة عمان:-أكد مصدر لـ(الشبيبة) أن المرحلة القادمة للحكومة هي محاربة ومواجهة كافة أشكال وانواع الفساد الذي أعتبره ظاهرة عالمية تواجهها الحكومات بحزم وتضع لها كل الخطط والآليات لمحاربتها ومراقبتها.واضاف المصدر أن السلطنة مثلها مثل اي دولة في العالم عرضة لهذه الظاهرة ومن ثم فإن المؤسسات المعنية في البلاد وعلى مختلف مستوياتها ستشدد آلياتها لمحاربة الفساد وكل مسؤول سيكون عرضة للمحاسبة والمساءلة في هذه القضايا في إطار القانون والقضاء.وقال المصدر "في المرحلة السابقة كانت أولويات الحكومة تأسيس البنية الأساسية ومد الخدمات الأساسية الى المواطنين والتي وبتوفيق من الله قد اكتملت منظومتها وبات المواطن العماني يجني ثمارها ومن ثم الانتقال والاشتغال في المرحلة الثانية على تثبيت دعائم دولة المؤسسات والقانون ومن ثم فإن المرحلة الحالية وقد أنجزت الدولة أو اقتربت من إنجاز البنية الأساسية والتنموية فإن محاربة الفساد ستكون من ضمن الاجندة الوطنية الداخلية مضيفا أن ذلك لن يستثني احدا من قائمة المساءلة والمحاسبة من اكبر الى اصغر مسؤول.واضاف المصدر "إن مانراه اليوم من وعي جماهيري في تناول هذه القضايا هو احد ثمار النهضة المباركة التي أوجدت مواطنا يتناول مثل هذه القضايا بروح وطنية مسؤولة بعيدا عن التجريح والتشهير مؤكدا ان أبواب مختلف المؤسسات المعنية وعلى مختلف مستوياتها مشرعة امام المواطن للإستماع الى ملاحظاته".واثنى المصدر على الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام في تناول مختلف القضايا التي تهم الوطن والمواطنين ومنها مايمكن إدراجه تحت قائمة الفساد داعيا إياها الى تفعيل دورها في إطار من الحرص والمهنية لمساعدة المؤسسات المعنية كذلك للقيام بدورها معتبرا أن الجميع في "خندق واحد".واضاف قائلا: إن إستغلال المنصب الوظيفي الحكومي لتحقيق مصالح ذاتية خاصة أمر مرفوض تماما وإن الوظيفة هي تكليف وليست تشريف وبالتالي على كل مسؤول يمارس عمله أن يضع نصب عينه في خدمة الوطن والمواطنين. واكد المصدر في نهاية تصريحه الى أن "الكمال لله عزوجل" ولذلك فإن الدولة ستقوم بكامل قوتها واجهزتها للتصدي لهذه الظاهرة معتبرا أن المال العام هو ملك للوطن ولا ينبغي أن يساء التصرف به .shabiba.com/innerpage.asp?detail=4678
(4)
تستخدم منظمة الشفافية الدولية أربعة معايير للحكم على فساد الدول، وهذه المعايير (المنشورة في الانترنت) هي كالتالي:1) مؤشر مفاهيم الفساد Corruption Perceptions Index2) مؤشر دافعي الرشاوي The Bribe Payers Index3) بارومتر الفساد العالمي The Global Corruption Barometer4) دراسات الدول عن نظام النزاهة الوطني National Ingetrity Country Studiestransparency.org/policy_researchوسوف أتحدث بنوع من التفصيل عن كل مؤشر وفق مفهومي لها مع إعطاء بعض الأمثلة..
(5)
المؤشرات التي يبنى عليها معايير تقييم الفساد في كل دولة:1) مؤشر مفاهيم الفساد Corruption Perceptions Indexأ. تستخدم المنظمة (14) مصدرا من (12) مؤسسة مستقلة. تقوم تلك المصادر بقياس النطاق العام للفساد من حيث مرات حدوث وحجم الفساد في القطاعات الحكومية وكذلك القطاعات السياسية، حيث توفر تلك المصادر ترتيبا للدول بما في ذلك تقييم العديد منها. أما المصادر الـ(14) فهي كالتالي:
-1. البنك الآسيوي للتعمير Asian Development Bank
3. البنك الأفريقي للتعمير
African Development Bank 3. مؤسسة بيرتمسان
Bertelsmann Foundation4. البنك الدولي للإنشاء والتعمير World Bank5
. وحدة الاستخبارات الاقتصادي
Economist Intelligence Unit6. دار الحرية
Freedom House7. الرؤية العالمية Global Insight8
. أي أم دي انترناشول IMD International 9. مركز المنافسة العالمي World competitiveness Center10
. المجموعة الدولية للتجار
Merchant International Group11. استشارات المخاطرة السياسية والاقتصادية Political &
Economic Risk Consultancy12.
نفس الموقع أعلاه.13. المفوضية الاقتصادية الافريقية التابعة للأمم المتحدة
United Nations Economic Commission for African14. المنتدى الاقتصادي العالمي World Economic Forum
لقد قام البروفيسور الدكتور جوهان جراف لاملبسدورف من جامعة "باساو" بالنسبة لعام 2007 بإعداد آلية علمية احصائية منشور في موقع منظمة الشفافية الدولية، وتتكون من خمس عشرة صفحة فيها تفاصيل عن تلك المصادر وكيفية التحقق من مصداقيتها، فضلا عن وجود عنوانين للانترنت لتلك المصادر والتي يمكن الرجوع إليها متى شاء الباحث. حيث أن البعض من القراء يتشكك في مصداقية تلك الاحصاءات ويعتبرها أمر سياسي للاصطياد العكر في اقتصاديات بل وفي سياسات الدول. فنحن مازلنا ننظر إلى العالم الآخر بنظرية المؤامرة..
(6)
في الدراسة الآنفة الذكر يوجد جدول لتقييم الدول فيما يخص الفساد ويتكون من عشر خانات رأسية، وهي كالتالي:-1) رقم المصدر (مثل البنك الأسيوي للإنشاء والتعمير، أو البنك الدولي).2) اختصار الكلمات لذلك المصدر (ADB وتعني البنك الآسيوي).3) المصدر: البنك الآسيوي، البنك الدولي، الخ.4) الاسم، ويعني اسم التقييم أو المؤشر الذي يستخدمه المصدر (مثلا البنك الآسيوي يستخدم تقييما بإسم تقييم أداء الدول Country Performance Assessment Ratings، في حين يستخدم البنك الدولي تقييما باسم الدول في مرحلة العبور Nations in Transit)5) تاريخ النشر: مثلا 2006/20076) موقع المصدر على الانترنت7) من الذين تم المسح عليهم: فريق من الدول، خبراء من البنك الدولي، المراسلين المحليين، مدراء من الشركات المحلية والدولية (أحب أن أعلق هنا على أن الشركات العالمية خاصة يكون بعض مدرائها على اتصال مع تلك الجهات الخارجية، كما أن البنك الدولي للإنشاء والتعمير والذي يقدم الدراسات وبالطبع القروض لا بد له أن يجري تقييما لتلك الدول، ولعل تقييم السلطنة ورد من ضمن تقييم البنك الدولي)8) المواضيع التي تم الاستبيان بشأنها: احتمالية تقديم رشوة للمسئولين، هل يوجود فساد أو رشوة في تلك الدولة، الفساد الذي يمكن أن يشمل رشوة الوزير وحتى الغفير، مدى فداحة الفساد في القطاع العام، مدى مراقبة الفساد من خلال القوانين والضبط القضائي، والجهاز التنفيذي، المبالغ التي يتم دفعها سرا للموظفين الحكوميين، سوء استغلال المنصب الحكومي لأشياء شخصية، مدى تغطية قضايا أو مواضيع الفساد في الأعلام المحلي، تضارب المصالح، تحويل الموارد المالية لجهود محاربة الفساد، نظام معاقبة المفسدين،، الخ.9) عد الاجابات: تتراوح بين عدم الاستجابة إلى (11) ألف جواب.10) التغطية، أي نطاق شمولية الاستبيان: أحيانا يضم أكثر من (165) دولة.
(7)
كما أسلفت أعلاه فهناك من يشكك في مصداقية مصادر منظمة الشفافية الدولية. المتأمل في اسم المنظمة وهو "الشفافية" فإن الزائر لموقعها يجد أن كل معلومة مسجلة عن دولة إنما تتستم بالمصداقية إن أردنا أن ندخل في تفاصيل وحيثيات ذلك الموقع. فمثلا، نجد أن هناك خبراء عن الدول Country Experts، وكذلك المقيمين وغير المقيمين من رجال الأعلام، فضلا عن البنوك الدولية التي تمد منظمة الشفافية بالبيانات عن كل دولة. أتذكر في هذا السياق عن "بروفيسورة" كانت تقيم في ولاية فلوريدا الأمريكية، وكانت تعرف أشياء عن السلطنة سواء كانت تاريخية أو سياسية أو اجتماعية أو موروثات أو عادات أو تقاليد أو أعمال قلما نعرفها نحن عن بلادنا الحبيبة، فهؤلاء متخصصون في بلادنا ويعرفون الشئ الكثير.. بالطبع هناك معلومات قد تكون مغلوطة وهذا أمر عادي يحدث في كل بلد. فكما ذكرت سابقا فإن مسلسل خالد بن الوليد (سيف الله المسلول) يذكر أن العمانيين أسلموا كرها وبالسلاح وليس طوعا كما نعرف نحن...ولنبقى في سياق الموضوع:-اعتمدت المنظمة على الأسلوب الإحصائي في ترتيب الدول، وهناك مصطلحات مثل القيمة المتوسطة Mean Value والتقييس Standardization والتي تستخدم في أسلوب النسب المئوية. وهذه الطريقة مفيدة في ربط المصادر التي يكون لها توزيع مختلف باعتبار عدم توفر كافة البيانات لكافة الدول وبالتالي يجعل هذا الأسلوب النتائج المبلغ عنها باقية في حدود مؤشرات مفاهيم الفساد، والتي تكون بين الصفر والعشرة. فهمتوا شئ
(8)
ثانيا: مؤشر دافعي الرشاوي The Bribe Payers Indexويقصد به المؤشر الذي يبين مدى قيام الشركات العالمية المصدرة وذلك باستخدام الرشوة كوسيلة للدخول إلى تلك الأسواق.تعتمد منظمة الشفافية الدولية على هذا المقياس باستخدام نظام الاستبيان، وقد قامت في عام 2006 بجمع البيانات من أكثر من (11) ألف مدير في (125) دولة وذلك لـ(30) دولة مصدرة من بينها السعودية ودولة الإمارات. والدراسة التي جاءت في (16) ورقة نشرت في موقع المنظمة تبرز تفاصيل تلك المؤشرات وبشكل منهجي..إنه من السائد أن "الرشوة" نوع من جرائم الياقة البيضاء White-Collar والتي تلحق الضرر بالوطن والمواطن بشكل مغاير للجرائم المعروفة كونها مستخدمة بأساليب بعضها بدائي والآخر متطور. فالرشوة ليس بالضرورة في شكل دفعات نقدية وإنما تستخدم عدة صور منها النسبة المئوية في هذا المشروع أو تلك المناقصة. ولتسليط الضوء على هذا الجانب، قامت مجلة (المجلة) منذ عدة سنوات بإجراء تحقيق شامل حول "الرشوة" في الدول العربية وتوصلت إلى ما يسمى بـ "مستر تن برسنت كوميشن" أي السيد ذو الـ10% عمولة". حيث يقوم المسئول الحكومي بالتفاوض مع شركة لتخدم خدمة ما في تلك البلد ويكون هو الذي يقبض نسبة الـ10% من تلك المناقصة إما في شكل توكيلات (كأن يكون الوكيل لها)، وكما قرأنا في الصحف العالمية عن شركة اريكسون السويدية التي نشرت بعض المعلومات التي نجهلها عن وزير البريد والبرق والهاتف السابق. كما أن الرشوة وفق هذا المؤشر هي الطريق لاختراق ذلك السوق المحصن بسياسة الحماية Protectionism Policies. حيث أن بعض الدول تقوم بحماية منتجاتها الوطنية بمنع دخول السلع الأجنبية، وبالتالي تأتي الرشوة لتشق طريقها عن طريق كبار المسئولين. وأتذكر في هذا الصدد أن شركة الايرباص والتي أصبحت المنافس الشرس لطائرات البوينج الامريكية فإنها لم تكن لتحقق النجاح سوى برشوة كبار وزراء النقل أو المواصلات لتدخل الأسواق لخطوط الطيران الحكومية خاصة في دول العالم الثالث، وهناك قصة وزير المواصلات السوري الذي انتحر منذ بضع سنوات بعد أن تم كشفه بالصدفة لصفقة طائرات الايرباص مقابل رشوة من "العيار الثقيل". والايرباص نفسها لم تستطع أن تدخل السوق الأمريكية التي كانت تسيطر عليها شركات البوينج والمكدونالد دوجلاس ولوكهيد، فعملت خطة ذكية استطاعت من خلالها أن تدخل السوق الأمريكية بدون أن تقع في المساءلة القانونية كون الكونجرس الأمريكي قد سن قانونا يمنع الرشوة. فقامت الأيرباص بمنح خطوط الطيران المعروفة آنذاك "ايسترن" عشرة طائرات مجانية لتستخدمها بدون مقابل، وقد أثبتت تلك الطائرات جودتها وقدرتها التنافسية لتقوم شركة ايسترن فيما بعد بشراء تلك الطائرات..
(9)
ثانيا: مؤشر دافعي الرشاوي - يتبعThe Bribe Payers Indexقامت منظمة الشفافية العالمية بالتعاون مع شركة أيرنست ويونج (لديها فرع في السلطنة) بإجراء الدراسة الخاصة بمؤشر دافعي الرشاوي وذلك بطرح سؤالين للمدراء التنفيذين للشركات الأجنبية التي تعمل في 125 دولة؛ السؤال الأول:من خلال تجربتك: إلى أي مدى تقوم الشركات من الدول التي اخترتها بتقديم دفعات غير موثقة أو رشاوي؟وكان يطلب من كل مستجيب أن يوضع رقما بين 1 (الرشاوي شائعة) إلى 7 (الرشاوي معدومة)، ومن ثم يتم تحويل الاجابات إلى نتيجة تتراوح بين الصفر والعشرة ومن ثم الحصول على المتوسط. ويتم وضع النتائج في جدول كانت سويسرا أقل الدول رشوة تلتها السويد فاستراليا، وتكون دولة الامارات في الترتيب الـ14، والسعودية في الترتيب الـ22، في حين كانت الهند في الترتيب الـ30. ولم يرد ذكر السلطنة في ذلك الجدول. ومن المعلوم أن "العولمة" قد أدخلت الشركات الأجنبية لتعمل في تلك الدول (ومن بينها السلطنة) وفق بعض القوانين مثل قانون الاسثتمار الأجنبي والذي قد يبيح التملك الأجنبي نسبة تصل إلى 100% إذا ما تبين أن رأس المال الأجنبي يمكن أن يحقق عائدا اقتصاديا جيدا، ولذا تجد المناطق الحرة وهي تنشر في كثير من دول العالم بما في ذلك السلطنة.على ان كل دولة لا تخلو من اجراءات بيورقراطية قد تم وضعها سواء كانت صحيحة أو نتجت عن فكر اقتصادي عقيم لا يخدم البلاد بقدر ما يخدم شريحة معينة أو أن واضعي تلك الاجراءات هم أصحاب العقول والمدارس الاقتصادية القديمة التي ترى الاقتصاد من منظور ضيق، لذا تلجأ الشركات الكبرى والتي تسمى أيضا Multi-national corporations (اي المتعددة الجنسيات) إلى كبار المسئولين كوكيل الوزارة أو الوزير ذاته في إنهاء الاجراءات البيورقراطية بعيدا وبشكل سريع يساعد على تغلغل تلك الشركات وربما فرض هيمنتها وسيطرتها على الاقتصاد الوطني. وهنا تأتي مسألة الرشوة أو النسبة المئوية للوزير أو لأي مسئول آخر يقوم بإنهاء الاجراءات بشكل سريع.
(10)
خبر تناولته الصحف المحلية - من بينها جريدة الوطن كان كالتالي:-برلين ـ (الوطن): تأكيداً لنجاح نهج الشفافية الذي تحذوه مسيرة التنمية الشاملة في البلاد، فقد إحتلت السلطنة أمس المركز الثالث عربياً والـ41 دولياً من بين 180 دولة في التقرير السنوي لمنظمة الشفافية الدولية لعام 2008.وأعطى التقرير للسلطنة 5.5 نقطة من أصل عشر نقاط (نظيف جداً)، فيما تصدرت الدنمارك والسويد ونيوزلندا الترتيب.وأكد التقرير الذي نشر في برلين أمس وتلقت (الوطن) نسخة منه على تحسن ملحوظ للمستويات الإحصائية للسلطنة العام الماضي في مجال الشفافية ومكافحة الفساد، وقال تقرير منظمة الشفافية الدولية "يمكن ملاحظة التحسينات الإحصائية الكبيرة التي طرأت خلال العام الماضي في ألبانيا وقبرص، وجورجيا ومورشيوس، ونيجيريا، وسلطنة عمان، وقطر، وكوريا الجنوبية، وتونجا، وتركيا".وجاءت السلطنة في المركز الثالث في القائمة العربية، بعد كل من الإمارات وقطر فيما تذيلت الصومال والعراق القائمة.من جهتها لفتت هوجيت لابيل رئيسة المنظمة في بيان إلى أن "الفساد ربما يكون مسألة حياة أو موت في الدول الأكثر فقراً لا سيما عندما يكون الأمر متعلقا بالمال (الواجب توفيره) للمستفشيات او المياه الصالحة للشرب". وقالت لابيل إن "إستمرار الفساد والفقر بمستويات عالية في عدد من المجتمعات الدولية هو أشبه بكارثة إنسانية دائمة لا يجوز السماح بها".يذكر أن منظمة الشفافية الدولية غير الحكومية تنشر كل سنة منذ 1995 مؤشراً للفساد على أساس تصنيف 180 دولة وفقاً لتحليل مجموعة دولية من رجال الأعمال والخبراء والجامعيين.عندما احتلت السلطنة المراكز الأولى في سنوات قبل سنتين فقد هلهلت الصحف المحلية ورحبت بذلك الخبر، وعندما تراجعت بل وتقهقر ترتيبها إلى المركز الـ(53) بعدما كان الـ(26) فإنها سكتت دهرا، وها هي اليوم تنطق كفرا لتعود إلى الهلهلة من جديد، وهي تبارك الجهود الجبارة في "التقهقر" إلى المركز الثالث عربيا. ولا ندري ما هو المقصود بالنجاح في ذلك التقهقر، وما هو المقصود بالنجاح أيضا في ظل تفشي الفساد ودخول كبار بعض المسئولين والذين يحمل بعضهم شهادة الدكتوراه عالم الفساد وعالم المصالح وعالم "شيلني وأشيلك". فهناك أكثر من مسئول برتبة وزير منح أكثر من مسئول برتبة أيضا وزير امتيازات في شكل أراضي أو تصاريح أو مشاريع لم يكن الوزير الآخر يحصل عليها حتى ولو بقى في وزارته أكثر من عشر سنوات. عندما يتحقق حلم الوزير في أن يمتلك أرضا قيمتها السوقية تتجاوز عشرة ملايين ريال عمانيا فإن ذلك ضرب من الفساد، وعندما يمنح الوزير موافقة لإقامة عمارة أو مبنى تجاريا في ارض حكومية معفية من الضرائب فإن ذلك نوع من الفساد ذاته سوف تصمت الصحف المحلية عن الحديث معه، وإن تكلمت بخجل لكان الاستدعاء هو نصيب الذي تجرأ للكتابة في صحف تدعمها الدولة أبد الدهر...ماذا سوف يبقي هؤلاء المسئولون لأبنائنا وقد خلت الأرض مما رحبت ولم تبقى مساحة نشيد فيها "كوخا" لأبناء الجيل القادم
(11)
المسلسل العماني "درايش 2" رغم الجدل القائم عليه يوميا أذاع حلقة خاصة عن الواسطة (لم ألحق بمعرفة اسم المؤلف ولا اسم الحلقة)، وقد ركز على الفساد الإداري المستشري في الكثير من المؤسسات وإن كانت الحلقة باستحياء تحدثت عن الشركات الخاصة رغم أن "الواسطة" منتشرة في المؤسسات الحكومية أيضا حتى وإن كان هناك توظيف مركزي خاصة للجهات التابعة للخدمة المدنية. والحلقة تركز على عدد من المسؤولين أولهم "طويل العمر" والذي يمكن أن يكون مدير عام الشركة الذي يصر في البداية على كتابة شروط تعجيزية للخريجين الجدد من بينها خبرة الخمس سنوات التي يفتقر إليها الخريج سواء تخرج من الثانوية العامة أو من إحدى مؤسسات التعليم العالي. لكن عندما يأتيه اتصال من صديق بينهما مصالح فإن تلك الشروط لا يعتد بها. حتى وإن قامت تلك المؤسسة بتشكيل لجنة للتوظيف أو التعمين فإن فيها من المدراء من يحمل ملفا مليئا بالتوصيات للأقارب والأصدقاء من الجنسين، فيتم عمل مقابلات وهمية قد سبق أن تحدد أسماء المرشحين مسبقا، وبالتالي قبولهم للعمل بغض النظر عن ثقافهم السطحية التي غالى فيها الكاتب؛ كأن يسأل أحدا من المتقدمين عن مواعيد الدوام الرسمية الحكومية فلا يعرف الإجابة على الشق الثاني، وأن يسأله آخر عن برامج "ميكروسوفت أوفيس". أما إذا كان المتقدم من الناس الذين لا يحملون توصية أو واسطة فإن أعضاء اللجنة يسألونه سؤالا تعجيزيا (ما هي فحوى المادة 301 من قانون العمل؟) وخلال المقابلة يعلم كل مدير زميله أن الشخص القادم صاحب توصية من "طويل العمر" أو لصديق أو أخ له، فيتفق كل عضو من اللجنة مع بقية الأعضاء على أن يتم قبول المرشحين المحجوزين مسبقا بدون أية طلبات للكفاءة. حتى في منزل "طويل العمر" فإن زوجته تريد منه أن يتوسط لإحدى قريباتها. أي أن الواسطة متفشية بين الرجال والنساء على حد سواء. والخريجون يعانون من عدم التوظيف مدة تزيد على الخمس سنوات فيبتكر أحدهم فكرة الإعاقة مستخدما القانون في التوظيف ومع ذلك يتم ابلاغه بضرورة الانتظار للشهر القادم لحين تأتي لهم الفرصة بالاتصال به، وهو يدرك أن ذلك لن يحدث.ولأن الواسطة تتجاوز كافة السبل الصحيحة فإن الموظفين الجدد لا يثبتون كفاءتهم في العمل، فها هي طباعة أو منسقة مدير التدقيق الداخلي تفشل حتى في كتابة رسالة بسيطة ليصرخ في وجهها طالبا مقابلة مدير شئون الموظفين الذي يخبره أنها من طرف "طويل العمر" ليرفض المدير الأول حديث المدير الثاني وليريد أن يبلغ جهات عليا باعتبار أن ليس الجميع من يقبل بالواسطة، بل أن هناك من يحاربها..
(12)
جريدة عمان تنشر المقال التالي بتاريخ 2 ابريل 2009. شخصيا ذكرت في المحكمة أن قانون "من أين لك هذا" مطبق في كثير من دول العالم، لكن ليس موجود لدينا. وهذا القانون في حد ذاته لا يسئ إلى الموظف العمومي وإنما يتسأل عن ممتلكات وثروات ذلك الموظف والذي يأتي بالأدلة والقرائن المقبولة قانونيا، وإن لم يفعل فالقانون يأخذ مجراه:-معاقبة الطامعينفاطمة الزدجاليةفي اي مجتمع لا يخلو الأمر من الجيد ونقيضه ولكن على مدى رجحان إحدى الكفتين يتحدد الأمر بل المصير كله والمستقبل إن لم نبالغ ولأننا من المجتمعات التي نهضت من سبات عميق وأخذت تسير بخطوات سريعة لحاقا بركب التطور والحداثة كان الاعتماد على الكادر البشري من الاولويات بل من الأمور البديهية والمهمة تطويعا للطاقات واستثمارا للإمكانيات المادية المتاحة وكان تواصل الليل بالنهار لنحقق ما وصلنا اليه من نهضة شاملة تعتبر قياسا في تجارب الشعوب.إلا أن الأمر لا يخلو وفي اي حال من الأحوال من بعض من التجاوزات والسلبيات التي يتضح مداها في وقت لاحق وهذا واقع اي مجتمع فالكمال لله وحده ولكن بعض تلك التجاوزات والسلبيات إن لم يتم تلافيها والتصدي لها تكون عواقبها بلا شك غير محمودة إن على المستوى الآني أو على المنظور البعيد منها على سبيل المثال:أن يقتطع اللاهثون وراء الثروة والجاه من أقوات البشر ومقدراتهم لسد أطماعهم وتحقيق مكاسبهم المادية وهم كثر يتواجدون بيننا وقد نكون مضطرين للتعامل معهم وهم من فئة بعض التجار وكبار المستثمرين وأصحاب المؤسسات الربحية الخاصة والعامة والذين صعدوا على أكتاف هذا الوطن وامتلأت خزائنهم بالثروات والأموال الطائلة والقلة منهم من يراعي الضمير والتقوى وقد تجاوز الأمر في أحيان كثيرة في السعي المحموم للثروة ليصل إلى اقتطاع أجزاء من الوطن والاستيلاء على المال العام وهي امور واردة وليست بالبعيدة لمن ارتاحت ضمائرهم وأخذت غفوة في اعتقاد بان الحصانة قد تحميهم من المساءلة سواء كانت نابعة من منصب أو مكانة وظيفية أو خلافه.ولعل ما أكدته التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة سلطان البلاد المفدى من ضرب بيد من حديد لكل من تسول له نفسه بالفساد او الاستغلال المسيء للوظيفة أو المنصب سيحقق الكثير في الكشف عن هذه التجاوزات والإساءات ونتمنى أن يعم الأمر ليشمل كافة الفئات والقطاعات عامة كانت أو خاصة والاهم من ذلك تطبيق قانون من أين لك هذا؟ ذلك لتستقيم الأمور.
(13)
الموضوع التالي الجميل طرحته الاستاذة المبدعة بسمة مبارك الكيومي في العدد الثالث من ملحق (ن) الذي أصدرته الجمعية العمانية للكتاب والأدباء في 7 سبتمبر 2009 عن الفساد، مع وضع الكاتبة بعض الحلول والمرئيات للتصدي للفساد:-الفساد جريمة في حق الوطن وتهديد لأمنه ومكتسباته وتعدٍّ على حقوق شعبٍ بأسره. إنه الداء الأخطر الذي قد يقضي على مستقبل أجيالٍ بأكملها، ويضع وطناً على شفير الإنهيار. لكنه في الوقت نفسه الإختبار الأكثر صدقاً لدولة القانون.في كل بلاد الدنيا، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وفي أعرق الديمقراطيات وأقسى الأنظمة الديكتاتورية، الفساد دائماً موجود كوجه من أوجه الأنانية والجشع البشري الذي لا يطفئه إلا التراب. إنه دائماً إحتمالٌ قائم ووارد التحقق إذا سنحت الظروف ونام الضمير وغفلت عين الرقيب ولو لثوانٍ، فهو في جوهره ليس إلا مظهراً من مظاهر الضعف البشري وليس خصيصةً لنظامٍ معين.نعم قد تساهم أوضاع سياسية واقتصادية معينة في تفاقمه، لكنه يبقى موجوداً حتى في أكثر الأنظمة مثاليةً، فهناك دائمأ ثغرةٌ في مكانٍ ما بانتظار نفسٍ مريضةٍ لتعبر من خلالها. إذن أن يظهر مسئول فاسد ، فهذا في حد ذاته ليس بكارثة لأننا نقبل بالفساد كخطرٍ وارد في أي ممارسة للسلطة. لكن ما لا نقبله هو أن يمر الفساد بلا عقاب، فأي حادثة فساد تُكتشف هي اختبارٌ لحكم القانون وصرامته وسيادته على الجميع كباراً وصغاراً، مسؤولين أم مواطنين عاديين. المهم في أي حادثة فساد هو تعاطي المؤسسات المعنية معها، وأسوأ خيار في هذه الحالة هو الصمت وغض البصر. لأنه مكافأة للفاعل وتشجيع لغيره ليكرر ذات الفعل. إذا نجا المفسد بفعلته دون عقاب، فلماذا لا يفعلها غيره؟ والنتيجة أن يصبح المال العام مستباحاً لكل من أراد أن يقتطع نصيباً من الكعكة. والخاسر من هذا كله هو الوطن والمواطن كما أن القانون في هذه الحالة يفقد منطقه، فأي منطق في محاسبة سررق إطار سيارة، حين ينجو سارق قوت الشعب وأحلامه؟لذا فلا بد للفاسد من عقابٍ رادع يجعله عبرةً لسواه، ويرسخ حكم القانون وسيادته، ويمنع كل من تسول له نفسه أن يسترزق ويتنفع على حساب الوطن وأجياله القادمة. فالفساد عصاً في عجلة التنمية، ويد تمتد في جيب كل مواطن لتجعله أفقر، وتنتزع الفرصة من بين يديه واللقمة من فم أبنائه.إلا أن محاربة الفساد لا تقتصر فقط على العقاب عند وقوع الفعل وإنما تكمن في معالجة الأسباب التي أدت إلى حدوثه، وتعزيز آليات الرقابة بكافة أشكالها شعبيةً وإعلاميةً ومؤسساتية. وهنا يتضح جلياً أهمية الإعلام الحر المستقل،والبرلمان الفاعل المدرك لدوره ومسؤولياته والممتلك لصلاحيات تؤهله لأن يشكل سلطة رقابة شعبية تراقب وتراجع وتثير الأسئلة.كما يبرز كذلك دور المربين ورجال الدين في غرس قيم الأمانة والنزاهة في النفوس، لأنه على الرغم من أننا جميعاً نستنكر الفساد، إلا أن قلةً قليلةً منا تستنكف مقارفته إذا ما سنتحت الفرصة! لأن الإنسان بطبعه قادر على أن يبرر لنفسه ويستثني أفعاله تحت مبررات عديدة وبشكلٍ غير واعٍ. وحتى من لا يملكون منا سلطةً تمكنهم من التنفع، لا يمنعهم ذلك من لعب دور المحرض على الفساد عن طريق استغلال أقربائهم ومعارفهم من أصحاب السلطة والإلحاح عليهم وإحراجهم ليفسدوا. لأننا نتوسع كثيراً في تعريف ما هو حقٌ لنا، في الوقت الذي نضيق مفهوم الفساد ليشمل نمطًا معينًا لا تندرج تحته أفعالنا. كثيرٌ منا مثلاً لا يعتبر طلب إلغاء مخالفة السير تحريضاً على الفساد، أو استعمال الواسطة للحصول على وظيفة أو مقعدٍ تعليمي، أو الإعفاء من شروط ومتطلبات قانونية معينة شكلاً من الفساد. مع أنه في الحقيقة كل شكل من أشكال تجاوز القانون والإلتفاف حوله للحصول على منفعة شخصية غير مستحقة، يعتبر مظهراً من مظاهر الفساد، وكل سعيٍ من أجل تحقيق ذلك يعتبر تحريضاً على الفساد ولابد أن يخضع كذلك للعقاب.إذن محاربة الفساد تعتمد بشكلٍ أساسي على وجود آليات رقابة مستقلة فاعلة، وعقوبات قانونية رادعة تطبق دون استثناء، وقبل هذا وذاك ضمائر حية ونفوس أعف من أن تشتري مصالح آنية ضيقة، صغرت أم كبرت، على حساب مصالح الوطن وحقوق الشعب ومساواة المواطنين في الفرص وأمام القانون.
يتبــــــــــــع
المصدر : بن دارس
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions