حريّة بثمَن الخُبز .. لا آلهَة .. لا أرباب ! - جديد عائشَة السيفي

    • حريّة بثمَن الخُبز .. لا آلهَة .. لا أرباب ! - جديد عائشَة السيفي

      أصدقَائي ..

      سأشارككمُ اليَوم ، قطعَة صغيرَة في حيَاتيْ .. لعلّها لا تعنيْ شيئاً .. لكنْ لربّما هي من صنعَتْ داخليْ حبّي للانسان والوطَن .. وللحريّة ..

      يسألنيْ كثيرون لماذا أطلقتُ على مدوّنتي "حريّة بثمن الخبز" .. وهل معنَى الحريّة أن أكتب كلّ يومٍ ضد الحكُومة فإن أخطأت لعنتُها وإن أصابتْ لعنتُها كذلك كما يفعلُ المدوّنون عادةً ..

      يقولُون: لا تعبّر مدوّنتك عن الحريّة فأنت تكتبين عن طفولتك .. وتارةً عن القمر ، وأخرى عن صحُون أمّك الكثيرة ..

      وأنا .. سأخبركُم أوّل آيةٍ حفظتها من القرآن .. أوّل آيةٍ لم تكنْ "الحمدلله رب العالمِين" من سُورة الفانحَة .. ولا "قلْ هوَ الله أحَد" آوّل آيةٍ من أقصرَ سورةٍ في القرآن كما كلّ طفلٍ ..

      كانتْ أوّل آيةٍ حفظتها وأنا في سنوَات طفولتي الأولَى .. هي الآيَة التي كنتُ كلما اقتربتُ من والدي سمعتهُ يقرؤها ..

      " لَّكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا"

      كانَ والدي كلّما احتضنَ أحد أشقائي .. وكلّما اقتربَ من مائدَة الطعام وكلما رأيتهُ داخلاً أو خارجاً .. يردّد هذه الآية ..

      وقد استغرقتُ وقتاً طويلاً لأدركَ تماماً لماذا كانَت هذهِ الآية لا تفارقه ..

      لقدْ علّمتني هذهِ الآية ُ الحريَّة بمعناها الحقيقيّ ..

      علّمتنيْ ألا أعبدَ ما حوليْ، ومنْ حوليْ .. وعلمتنيْ أن أدركَ تماما القيمَة الحقيقيّة للحياة ..

      علّمتني أن أتعاملَ مع الأشياء حولي بعقلانيّة .. وأن أحبّها بعقلانيّة .. وأن أعيشها بعقلانيّة



      لأننا يا أصدقائي مستعبدُون بأشكالٍ مختلفةٍ كلّ يوم ..

      مستعبدُون منذ الطفولة ، حينَ نرَى آباءنا يخطؤون ولا نصوّبهم لأنّا نخاف العصا.. مستعبدُون بقطعَة شوكولا قد نرتكبُ الخطأ من أجلِ أن نحصلَ عليها .. مستعبدَاتٌ بجمالهنّ لأنّهن على استعدادٍ ليظهرنَ ما خفيَ مقابلَ أن يلاحقهنّ الشباب ويهتفُون لهنّ بأنّهن جميلات ..

      مستعبدون من قبلِ المُدير الذي نراهُ يرتشي أمامنا ونسكت .. لأننا نخافُ أن نفقد الترقيَة ..

      مستعبدُون من قبل العاملة الآسيويّة التي سيغرق المنزل في القذارَة بدونها ولأجلِ ذلك نغضّ الطرف عن أخطائها التي لا تعدّ حتى نكتشف أنّ بطنها "مليان" أو نكتشفها ذات يومٍ مع البوي فريند داخل غرفتها .. فنجلبَ عاملَة أخرى جديدة ندخلُ معها في نفسِ الدائرة



      لكنّ العبُوديّة يا أصدقائي بدرجَات .. أسوؤها أن تنتزعَ العبُوديَّة الانسان داخليْ ..

      قالَ لي أحدُ المعلقينَ على مقالي "نحنُ والأحلام وعنترة" أني مصابة بالغيرَة الشديدة والحقد غير المبرر علَى الأثرياء وعلَى من يحصلُون على المكافآت والتكريم الحكوميّ .. وتذكرتً حينها ذلك اليوم الذي كنتُ فيه برفقة زوجي في السيارَة مساءً في طريقنا من مسقط لنزوَى ومررنا ببيتِ أحد الأثرياء .. كانَ قصراً كبيراً زيّنه ذلك الرجل بالأضواء فازدادَ القصرُ جمالاً وهيبَة وهوَ يضيءُ وسطَ عتمَة الليلِ .. قلتُ له: الله ما أجمله ! سألنيْ زوجي: تريدينَ أن تملكي مثله؟ فكّرت قليلاً ثم رفعتُ حاجبيّ: لم لا؟

      فردّ قائلاً: أنا لا أريد .. أخافُ أن يستعبدنيْ المال .. أخافُ أن أتحوّل مثل عشراتِ الأثرياء في بلادي .. لهاث وهوَس لزيَادة ثروتهم .. ألا تخافينَ عبُوديّة الثراءِ والسلطَة؟!

      تصدّقون؟ لساعَة ونصف طوالَ الطريق إلى نزوَى لم أكنْ أفكّر بأيّ شيءٍ سوَى بفكرَة عبُوديّة المال والسلطَة ..

      وقد أرعبتنيْ فكرَة أن يحبنيْ الناس لأني صاحبَة سلطَة ومال .. أرعبتنيْ فكرَة أن أخرج للتسوق والتنزّه مع صديقاتي اللاتي لا يحببنني سوَى لأنّي ثريّة ووالدِي ذا سلطَة ..

      أرعبتنيْ فكرَة أني سأفقدُ حريّة اللحظَة حين أقرر وزوجي "فجأةً" .. أن نذهب للمشي عند كورنيش السيب ... أو أقرر أن نذهب للتسوق في السيتي سنتر ..

      أرعبتنيْ فكرة خوفي الدائم من أن أفقدَ مالي ومنصبيْ وأفقد حياة الـ VIP التيْ اعتدتُ أن أعيشها .. أرعبتنيْ فكرَة أن أفقدَ مكانتيْ الاجتماعيّة أمام المجتمع ..

      أرعبتنيْ فكرَة لهاثي الدائم لأكون الأجمل وأمتلك الحقيبة الأجمل .. والعباءة الأكثر أناقة ..

      وللحظَة ما .. شعرتُ بالاختناق وأنا أفكّر .. كم أننا نحسدُ الأثرياء على ثرواتهم ، ولا ندركُ ما تخبّئ جدران قصورهُم ، وهياكل حديدِ سياراتهم الفارهَة .. بحقّ أرعبني ذلك للغاية .. وشعرتُ بكميّة كبيرةٍ من الشفقةِ عليهم



      أصدقائي ..

      الحريّة أن نحلّق كالعصافير في عوالمنا .. دون أن نعيش عبوديّة الخوف الساكن في دواخلنا كلّ لحظة ..

      أن نفتقد "داخلنا" سلطَة العصا الذي يلاحقنا في كلّ مكان ..



      فيْ هذهِ المدوّنة .. لا أريدُ على أن أفهمَ كمصلحَة للمجتمع .. ويعاملنيْ القارئ كمصلحة للمجتمع .. ويسخرَ أحدهم من كوني أرغب أن "أكون مصلحَة للعالَم غصباً عنّه" ..

      رغمَ أني بالمناسبَة لستُ ضدّ فريردك هايك الذي كتبَ في كتابه "أصنّفه كأعظم كتُبِ القرن" " الطريق إلى الرق" : كتبَ أنّ على المثقفِ أن يكونَ مصلحاً للمجتمع لأنّ جمِيع من غيّروا التاريخ سياسيين كانُوا أو فلاسفَة استقوا أفكارهم بطريقةٍ أو بأخرى من مثقفين .. وليسَ من سياسيين فقط أو فلاسفة .. ولأنّ المثقف وحدهُ هوَ الأقرب لجميع طبقات المجتمع دوناً عن البقيّة ..

      هذهِ المدوّنة هي مساحتي التيْ أقولُ فيها ما تفكّر فيهِ فتاةٌ في سنّي تعيشُ مع مجتمعها كلّ تفاصيله .. ليس بالضرورة اجتماعياً وإنما بكلّ قوالب المجتمع ، السياسيّة والثقافيّة وحتى مشاركَة القارئ قواسم من طفولتها التيْ تراها جديرَة بالقراءَة .. لم لا .. أليسَ هذا حقي في مساحة هذه المدوّنة ؟!



      الحريّة يا أصدقائي أن نقدّر أوطاننا .. بكلّ الأشكال ..وأن يعتبرَ كلّ مواطن أنّ بإمكانهِ تغيير الخطأ فيهَا: بيدهِ ، بلسَانهِ ، وبقلبهِ وذلك أضعف الإيمان ..

      سأحكِي لكم قصّة قرأتها في مقالٍ للدكتُور علاء الاسوانِي يقولُ فيها

      عندما اندلعت الثورةُ الفرنسيّة فى عام 1789 وحاصرَت الجَمَاهيرُ الغاضِبة الجَائعَة قصرَ فرسَاي. سألتْ ملكَة فرَنسا ماريْ انطوَانيت عن سببِ هذه المظاهَرَاتِ فقال أحدُ مُعاونيها:
      ـ إنّهمْ غاضِبونَ لأنّهم لا يجِدُون الخبزَ يَا صاحَبةَ الجَلالة


      .


      بدُون الحريّة يا أصدقائي .. لن نمَارسَ أدنَى مستوَيات التفكِير السليم الذي يكفلُ لنا وعياً حقيقياً بمجتمعنا وقضاياه ..

      الحريّة بثمن الخبز الذي دونهُ نحنُ لسنَا بشراً ذوي حقوق ..

      التفكير السليم نفسهُ الذي تكفلهُ لنا أدنَى مستويَات المعيشة الكريمَة وهوَ أن نمتلك المال لشراء الخبز .. وإلا فإن هبطنا عن مستوَى هذه المعيشة فنحنُ سنفقد التفكير في قضايانا الجوهريّة لأنا غارقُون في الجوع .. في البحث عمّا نأكله .. أليسَ ثمّة مثلاً يقول: جوّع كلبك يتبعك؟




      على كلٍ منكم أن يمتلك حريّته في التعبير عن كونه فرداً ضمن هذه المنظومة المسمّاة مجتمع .. وإلا فحينها نحنُ "روبوتات" تذهبُ كلّ يومٍ للدوام صباحاً وتعود مساءً لتمارس روتين رقمِي ..



      والدِي علّمني وأنا طفلَة أنّ الله ربّي ولا أشرك بربّي أحدا..



      ولذا فسأفكّر بصوتٍ عالٍ .. وسأقولُ ما يروقني في وطنِي .. فإن أعجبني صفّقت وهتفت وكتبتُ وسأنتقد ما لا يروقنيْ بأزرار الكيبُورد التي أضغط عليها الآن .. أو بقلبيْ ..

      فمن أرَاد أن يتّخذ الأرباب والآلهَة .. فليفعلها في مساحاتهِ .. أمّا مدوّنتي .. فلا ربّ فيها ولا إله إلا الله ..





      المصدر : عائشَة السيفي


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions