المعتصمون وبلاغة الاصلاح.. جديد النوارس لا تحلّق بعيداً

    • المعتصمون وبلاغة الاصلاح.. جديد النوارس لا تحلّق بعيداً


      "الصورة من دوّار الاصلاح-صُحار بعدسة الرائع محمّد الحبسي"


      بعض الأحلام تحققت,رغم امتناع المفسرين عن تأويلها خشية فؤوس قاطعي أشجار التعبير في وطني..الأحلام التي كانت تقبع في الظلام سنوات وسنوات
      استيقظ العماني بنمطيته المعروفة واستقبل ظهورها بحذر وقد تحول المحظور إلى مباح
      لم يتعود العماني على قول كلمته إلا أن يكون مسئولا أو خطيبا أو كاتب عمود أو شيخا مبجلا
      لكنه سيتعود منذ أن اعتصم شباب ينشدون الإصلاح في في صحار و مسقط وصلالة و غيرها من ولايات السلطنة ,اعتصامات علّمت العماني أن ثمة أمكنة اخرى ليست مخيفة كالغرف السرية المغلقة التابعة للجهات الأمنية ,قرر الشباب العماني خوض تجربة -لم يكن يعلم مصيرها لكنه كان يثق بحكمة سلطان البلاد-,بدأوا في اعتصامات وخرجوا في مسيرات تطالب بالإصلاح وتحقيق العدالة الاجتماعية ومحاسبة الحرس القديم الذي كرّس قضايا الفساد لمصالحه الخاصة فاخذ من خيرات الوطن من اموال وأسس الشركات التي أصبحت تقود مشاريع الوطن لتدور أموال الشعب في حلقة خاصة بهم ,خرج الشباب يعلن علنا عن صوته كالأذان دون وسيط فالسماء واسعة وهي رغبة ما أنفك يطلبها منذ أزالته لآخر خياطة أطبقت شفتيه ..
      أصبح الحلم واقعا فالساحة رحبة مفتوحة ..لم تعد الاحلام تأتي من جريدة متملقة ولا أخبار العاشرة التي كانت يتنظرها فلربما أعلن فيها عن مرسوم يقضي بزيادة في راتبه البسيط وربما منحة,هبة ,خدمة لمجتمعه بملايين الريالات تسند إلى احدى شركات الحرس القديم او رفاقهم ..
      تساءل الشباب كثيرا كيف يمكننا العيش طويلا في وطن يعاني مغص حرية التعبير بينما تعيش أوطان أخرى حالة إسهال حاد قد يفتك بها في أية لحظة .. فبدأ ينشد التوازن بين هذه وتلك

      خرجوا ورسموا بلاغة الإصلاح..

      في فبراير كانت مسيرة الاصلاح ككرة ثلج تتحرج كل يوم ليكبر حجمها واختفى قاطعوا أشجار التعبير خلف رماد دخانهم القديم,كلما كانت تزداد سرعتها كانت لغة خطاباتها تتغير لتظهر بلاغا في لغة الاصلاح في ربوع الوطن

      تنوعت الشعارات المرفوعة ,والهتافات السابحة في الدوارات والميادين فمن دعوة إلى تحقيق العدالة الاجتماعية ومقاومة الفساد في مؤسسات الدولة وإصلاح المؤسسة الاعلامية إلى المطالبة بمحاسبة الحرس القديم والتخلص من سطوته.

      لا يجب اختزال الاصلاح في تسمية وشعارات وهتافات فحسب بل تجلّت في البيانات التي أصدرها الشباب المنادي بالاصلاح وشهد فبراير ما سميّ بأقوى بيان موجه إلى السلطان "بيان الوئام والسلم الوطني",كما تجلّى الاصلاح في الأغاني والقصائد التي كانت تذاع هنا وهناك وليتهم أذاعوا نشيد "الشباب قادمون"! فهو بحق يشعر بقيمة الشباب في هذه المرحلة,وتجلّى الاصلاح في كاريكاتيرها فأظهرت المعاناة بصورها ورسمت الحرس القديم تارة وهو ينهش أجساد الشباب وتارة وهو يلتهم ملايين الريالات,وتجلّت في كتاباتهم على جدران الميادين ودوّارت الاصلاح و لافتات أكدت ولائهم للسلطان وانتمائهم لهذا الوطن في وقت تورطت فيه اذرع الحرس القديم بتشويه سمعة الشباب المعتصم هنا وهناك.

      لأي خطاب اصلاحي أبجديات وظهرت هذه الأبجديات في هتافات المعتصمين وهي تنسج مطالبهم الحقيقية في أسلوب بلاغي,جمّلها الترديد الجماعي لينقلوا لنا ايمانهم ورضاهم الجماعي بها.

      أبرز الهتافات خلال فبراير الاصلاح في عمان كان (الشعب يريد اصلاح النظام) (العدالة الاجتماعية) وسيلاحظ أنها موجهه لشخصيات الحرس القديم التي تسمرت في مؤسسات الدولة لتكرّس طوال فترة عملها الطبقية والمحسوبية والفساد.

      وهي مطالب اشتركت فيها شعارات أخرى ربما كان أكثرها واقواها (لا مكي لا مقبول) الذي يوجه ما حدث من تجاوزات وفساد نخرت مؤسسات الاقتصاد في الدولة إلى شخصيتين من الحرس القديم يحملها الشباب العماني مسؤولية ما آلت إليه الأحداث إضافة إلى ما يعرف بالفريق الامني (مالك ,بن ماجد).

      سعت هتافات كثيرة إلى وصف تماسك المعتصمين بمختلف توجهاتهم الفكرية لصد الهجمات التي حاولت تفتيتهم وشق صفوفهم وكانت تحاول اللعب على وتر الجغرافيا لتتحول إلى رسائل تشق ظلام القلق لتسكن في صناديق البريد الخاصة بالهواتف المحمولة للشعب بأكمله! كانت تحريضية وتشكك في وطنية شباب الشمال العماني فكان رد شباب صحار وشناص ولوى بلافتات تؤكد انهم جزء لا يتجزء من الوطن وحماة أحد أهم ثغوره, فكانت لافتات دوار الاصلاح مثلا تقول:"تزهو صحار بك يا أبي" ,تزين اللافتة صورة السلطان,ولافتة أخرى "قابوس يا قمرا يضيء سماء صحار" ليؤكدوا ان ذات السلطان مصونة ولم تمس ولن تمس.

      لافتات الشباب المعتصم في صحار وأمام مجلس الشورى سعت لتحقيق الاستجابة الآنية لما أثير ضدها في بعض وسائل الاعلام الحكومية –للأسف-من تخوين وتعاون من جهات خارجية تريد جلب الخراب للوطن.

      اللافتات في مختلف الامكنة التي تواجد ويتواجد فيها المعتصمون تنوعت أحجامها وطريقة طباعتها فكانت البداية بسيطة بخط اليد ثم تطورت لتخرج من مطابع بجودة عالية مزيّنة بصور السلطان والوطن وميادين الاصلاح.

      في الجنوب كانت هناك صورة لا تقل جمالا حسب ما نقل إلينا وحسب ما شاهدته بنفسي خلال النقل المباشر لها من خلال إحدى الوصلات التي مدني بها أحد الشباب الرائعين المنادي بالاصلاح,كانت الهتافات المنادية بالاصلاح وكانت الشعارات اللفظية تتعالي, وتجلى التنظيم الخطابي في وجود عدد من الشباب يتناقلون أجهزة الميكروفونات لعرض مطالبهم وتوضيحها بشكل مفصل ,وكانت تتخلل تلك الخطابات والبيانات قصص الحرس القديم بأسلوب فكاهي كان يضحك الحضور وهو ما خلق جوا تفاعليا ساهم في جذب آخرين إلى أمكنة المعتصمين.

      وكان للفكاهة دورها في تقليل حالة القلق والتوتر التي تشوب الأجواء وكسرت من حدة الحدث لتحق انفصالا جزئيا عنه إضافة إلى ما خلقته من حالة تفاعل اجتماعي بين الشباب الذين ألفوها من جهة ومن تلقفها وروّج لها أمام المعتصمين من جهة اخرى وجهة ثالثة من كان ملتصقا بجداره على الفيس بوك وهو في حالة ترقب لتأتي هذه الفكاهات بإبتسامة تخفف من حالة القلق والتوجس.

      الفكاهة كانت حاضرة بعد تدشين "لا مكي لا مقبول للمشروبات الساخنة" أمام مجلس الشورى من قبل بعض المعتصمين الجميلين مما رفع من معنوياتهم وجلب شيئا من الفكاهة للأجواء الحماسية هناك.

      أمام مجلس الشورى والذي يدخل اعتصام المواطنين فيه يومه الخامس ظهر فيه تلاحم مكونات الشعب من خلال الجلسات التنويرية لكتّاب ومثقفين ,ومن خلال صلوات الجماعة التي كانت ولا زالت تقام هناك وهي توجه رسالة قويّة لمن يحاول العزف على وتر المذهبية مفادها "انظر"...

      يقال أن الجمعة القادمة ستحمل اسم "جمعة الاصلاح" وأن المفتي العام للسلطنة سيؤم المعتصمين في صحار في أحد جوامع المدينة, وهذا ان حدث سيخفف من حدة التوتر والاحتقان التي يتحمل جزءً من مسؤوليتها الاعلام الحكومي –قبل أن تتغير رسالته فجأة البارحة ليلا وأكدت مداخلة الدكتور حسين العبري المتحدث باسم المعتصمين ذلك- وسيكون له تأثير بالغ على معنويات المعتصمين وكذلك المتابعين لهم والمؤمنين بمطالبهم المشروعة وسيحسب للمفتي هذا الموقف النبيل.

      لم يلتزم المعتصمون في صحار ولا في أي مكان آخر هتافا موحدا أو شعارا موحدا بل إن هذه التجربة للشباب العماني استفزت طاقاتهم الابداعية فكان الجميع يشارك ليصنع شعارا يحمل بصمته مما شكّل حصيلة كبيرة لم تكن لتأخذ مكان الهدف العام الذي توافق عليه جيمع المعتصمين وهو الاصلاح.

      لم يكن المعتصمون ينتمون إلى توجهات فكرية بعينها وكأن تجربة شباب ثورة مصر تتكرر هنا ,فكانوا ينتمون إلى حلم واحد فحسب "من أجل مستقبل أفضل لعمان "

      فلم ينادي "المطاوعة" بشعاراتهم وأفكارهم بل رأيتهم –بنفسي- إلى جانب الليبراليين وهم يرفعون ايديهم ويقبلون رؤوس بعض الشخصيات التنويرية.

      إن أبرز ما تحقق خلال هذه الاعتصامات هو كسر حالة الخوف رغم تراكمات حقبة الامن الذي كان يشعر الشباب بأنّ ثمة من يراقبهم من ثقب الباب!

      تخلص العمانيون أخيرا من حيل لغوية كان يلجأ إليها البعض على خجل نتيجة سنوات الخوف من البطش وحكايات الخطف و "جواني الفلفل" وأدوات هذه الحيل كانت استخدام المجازات والحيل التعبيرية والتمثيل والرمزية وترسخ الاسلوب غير المباشر ورسم شخصيات تحاكي شخصيات الفساد من الحرس القديم واتباعهم.

      لكن المعتصمين كسروا حاجز الخوف ,كل أنواع الخوف بما فيها الخوف الذي كان يتلبّس لغتهم فأصبحت لغتهم صارمة تجاه الفساد وظهرت لافتات وشعارات ضد الحرس القديم إلى العلن لاول مرة في الدوّارت و المسيرات "الوزير التاجر ,التاجر الوزير" , "من أين لهم هذا؟! , "لا مكي لا مقبول" وهي شعارات لم تكون تطفو قبل فترة وجيزة لأسباب ذكرتها آنفا.

      كل هذا جعل البعض ينزع جلده القديم المتخرق من الخوف ليكشف من موقعه تجاوزات هذا وذاك والتعرض لأشياء كانت في عرف العماني من المسكوت عنه والمحرم الخوض فيه!

      نقطة أخيرة: ما حدث البارحة في التلفزيون الحكومي من عرض لمداخلة الدكتور الجميل حسين العبري أحد المتحدثين بأسم المعتصمين يمثل نقلة نوعية, خطوة يجب ان تتلوها خطوات أخرى وهي من ضمن مطالبات قادها الشباب لسنوات من إجل اصلاح المؤسسة الاعلامية الحكومية لإنها يجب ان تكون صوت الشعب الحر المحب لوطنه الغيور عليه ,وبإنتظار ان نرى مداخلات لمعتصمين آخرين ليصل صوتهم إلى جميع أفراد الشعب وإلى السلطان الذي عودنا على الاقتراب من شعبه, فالحكيم الذي طأطأ رأسه تواضعا وعزة وشموخا لطاعن في السن ليسمع منه سيكون أقرب من شباب يؤمن هو بأنهم سيكملون مسيرة النهضة التي رسم معالمها.

      المجد للشباب

      (الشباب قادمون..قادمون)



      موسى البلوشي

      الخميس 3/3/2011 م





      المصدر : النوارس لا تحلّق بعيداً


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions