لم أحضر –وغيري كثيرون- المسيرتين الخضراوين، ليس شكا في نبل أهدافها والقائمين عليها، ولكن لأن غاياتها لم تكن واضحة بالنسبة لي، خصوصا أن المطالب التي رفعت إلى جلالة السلطان لم يجمع عليها سوى من حضر المسيرة أو من نظمها، ورغم ذلك فإن أهم ما تحقق في المسيرة الخضراء الثانية بالذات هو زيادة مساحة حرية التعبير وفق ما يكفله النظام والقانون، بعد أن مل العاقلون الاستماع إلى الإذاعة العمانية ومشاهدة التلفزيون العماني.
كانت لدي مطالب شخصية كثيرة لكنها لا تفرق عن مطالب الآخرين، لذلك توجهت إلى ساحة الشعب لأضم صوتي إلى الآخرين، دون أن أعلي صوتي عليهم من منطلق وطني بحت لا يفرقني عنهم، فالفساد والظلم في المؤسسات يعم الجميع، كنت هناك مستمعا إلى أصوات العقلاء، وكان الاعتصام هزيلا في بدايته لم يلق اهتماما سوى من فئة قليلة من الناس، لكن ذلك الجمع كانت تسوده الألفة وكانت شرائح مختلفة موجودة في الاعتصام، وحين توجهت إلى ساحة الشعب بعد 3 أيام فوجئت بالحشد الهائل وبالتنظيم السريع لتشكيل لجان مختلفة في الاعتصام، في ذلك اليوم أثيرت مسألة الدستور التعاقدي، فأحسست بالطعنة الغادرة التي كانت مخبأة في المسيرة الخضراء الثانية، وأحسست بطعنة أخرى حين اختلف بعضهم على الدستور التعاقدي ليطالبوا بدستور قرآني نابع من الشريعة الإسلامية، ثم تحدث صالح العامري عن الوزراء المفسدين وما ثار ضده من لغط حول إقحامه الشيخ أحمد الخليلي وسط المفسدين كما قيل لي، بدأت شرارة الاختلاف بين الحشد ولما تنته، فقد جاء عبدالله حبيب من بعد صالح العامري وقال ما قال، وجاء محمد الحارثي من بعدهما فأثار حنق الحاضرين حتى رفع أحدهم نعاله.
إذا كنا غير قادرين على احتمال بعضنا البعض حتى في المواقف الحرجة التي تتطلب منا التكاتف ولم الشمل فإن هذا الاعتصام باطل وقد خرج عن غايته التي قام من أجلها، وبدأت تظهر الأجندات المخفية لدى العلمانيين والدينيين على السواء.
في مثل هذه الظروف ينبغي على أذان العقل أن يرفع وأن تخرس الأفواه الغوغائية، كي لا تفسد المطالب الأساسية، وأن يقشع ذلك المسرح المرتجل الذي اعتلاه بعض الحمقى ممن أعرف تماما أنهم من المخضرمين (جيل ما قبل قابوس بن سعيد) أصحاب مدرسة (الحمد لله حنوه ف خير ونعمة) قبل أن يحدث هذا الاعتصام.
أيها الغوغائيون عودوا إلى وطنيتكم، وذروا بيع الكلمات الساقطة في مسرحكم المرتجل، فالوطن يتنظر بناةً لا هدامين.
المصدر : مدونة وليد النبهاني