
اليوم الجُمعة السّاعة التّاسعة و25 دقيقة صباحا ...أفقتُ بعدما قضيتُ ليلة كـ بقيّة ليالي هذِه الفترة .. إلتهاب لوز .. وآلام الحلق ..ويبدو من أحلامي أنّ الحُمى تحومُ حول الحِمى .. ليتني قليلا اكترِث .. وأُفاجئها بزيارة الطّبيب...
منذُ أسابيع لم أكتُب يوميّاتي ..مُجملا مضت أيّامي بـ لا بأس .. توفّت جدّتي منذُ ما يُقارِب العشرة أيّام ..فـ أتعبني وجعُ فقدِ الأُم .. يومها كنتُ أكتُبُ كثيرا في ذهني.. ولا أُفرِّغُ شيئا لـ الورق...
ماتت جدّتي الّتي قضت قُرابة الثّلاث سنوات الأخيرة من عمرها معنا .. ماتت جدّتي في يومٍ بارِد...لا أستطيع نسيان الجسد المُسجّى .. وبُكاء أُمِّي على قدميها!
صباح ثُلاثاء..عاملة المنزِل بـ هستيريا تطرُق باب غُرفتي ، وغُرفة أخي ، وأُختي...تُتمتم بكلماتٍ مُتقاطعة مفادها " ماتت جدّتي".
وأن تستفيق بشكلٍ كالّذي أفقنا عليه كان أمرا مُرعِبا.. لا أعلم كيف تخطّيت السُّلم.. لـ أصل لـ غُرفة جدّتي..وقفتُ على الباب صامِتة!
أُمِّي تبكي على قدميها ..وتعتذر لها.. إذ نامت عنها في آخر ساعة..وجدّتي برودة الموت تشعُّ من وجهِها..منظرٌ لا يُفارقني .. بل ويوجعني أكثر!
بكلِّ جُمود أنا واقِفة..اُمِّي تأمرني بمهاتفة والدي الّذي أطلّ قبل أقل من ساعة على جدتي لـ يُحيِّها إلّا أنّ أُمِّي طلبت منهُ أن يتركها نائِمة ، كونها قضت اللّيل تتألّم من بطنِها...!
كانت فُرصة لأخرُج من الجو.. صعدتُ غُرفتي .. اتّصلتُ بـ والدي... ولا أعلم ما أفعل!
بكلِّ برود .. كنتُ في غُرفتي لم أستوعب بعد ما الّذي حدث.. غسلتُ وجهي وأسناني... وبعدها نزلتُ ثانيةً.. !
أُختي تبكي .. زوجة أخي في رُكنٍ آخر .. جاءت زوجة أبي ..وأُمِّي مكانها تُحاول إيقاظ جدّتي.
وصل أخي .. وابن أخي .. وبعدها أبي .. وزوجة أخي ..عجّلهم أبي في أخذِها لـ المُستشفى .. علّها تكونُ على قيدِ الحياة .. سريعا وضعوها في السيّارة .. اذكُرُ ابن أخي وهو يرفع قدمي جدّتي.. والصُّفرة تبدو عليهما.. أيقنتُ أنّها فارقت الحياة!
والدي كان يتأمّل غير ذلِك . يتحسّس موضع قلبها علّ نبض ما يُحدِثُ مُعجزة...إلّا أنّها بالفعل كانت قد فارقت الحياة!
عادوا من المركزِ الصّحي.. أُمِّي منهارة تماما .. والدي كذلِك... وما أوجع بُكاء الوالدين .. !
كان يوما بلا ألوان..لا أعلم كيف مضى ..فقدُ جدّتي لم يكُن يوجعني بقدرِ وجع أُمِّي.. جدّتي العصاميّة أحالها المرضُ إلى الفِراش منذُ ثلاثِ سنوات..شللٌ نصفيٌّ جعلها تنقمُ من كلِّ شئ..تمنّت الموت كثيرا .. وأتاها في حينٍ لم يتوقّعه أحد..
جدّتي مِثالٌ لـ امرأةٍ صامِدة في شبابِها ، فقدت شريك حياتِها باكِرا جدّا.. فأمضت حياتها تؤمِّن حياة أبنائِها السِّتة ..وكبُر الأبناء .. وانشغلوا بـ حياتِهم .
كان لـ حضور جدّتي في منزلِنا طعمٌ آخر ..نترجّاها أن تزورنا .. وتبخلُ بذلِكَ كثيرا..لا يطيبُ لها المُقامُ إلّا بين أبنائِها.. وأحفادِها وجيرانِها ..في سمائِل..زياراتها لنا استطيع أن أقول أنّها في كلِّ سنةٍ أُسبوع..
ماتت جدّتي بعدما انطفأت كلّ تِلكك الطُّقوس.. فـ المرضُ أحالها للعجزِ .. وشيئا فـ شيئا لم تعُد جدّتي تِلك المرأةُ الصّامِدةُ الحكيمة .. ماتت جدّتي قبل موتِ جسدِها.. ماتت يوم أسلمها الشّللُ لـ التّعبِ النّفسي .. والغضبِ من الموجودات...
لم أكُن بارّةً جدّا بجدّتي من ناحيةِ مدِّ بساطِ الحوار.. فـ بيننا اختلافٌ كبيرٌ .. لكن في الوقتِ ذاتِه لم أكُن عاقّةً تماما.. آخر عهدي بجدّتي كان كوب " شاي" ..
جدّتي دائِمة الانتقاد لي ..خاصّة في أولى أيّامِها معنا .. كان يُتعبني ذلِك .. لكنّ أُمِّي كانت تقول لي " سـ تتعوّد"...كان صِراعُ أجيال حقّا!
رحلت جدّتي لكنّها تركت روحا تحومُ في منزلِنا .. تجعلُ أمر دخول غُرفتِها ليلا مُخيفا.. رحلت جدّتي وتركت دُموع أُمِّي تنضح على وجنتيها كلّما جلست وحيدة .. رحلت جدّتي بعدما انطفئ فيها كلّ شئ..
انطفأت عيناها.. فـ استحالتا لـ بركِ ماءٍ آسنٍ تغشاهُ زُرقةٌ باهِتة ...انطفئ وجهُها .. فـ فقد نضارتهُ لشدّةِ ما رفضت الطّعام .. انطفأت روحها.. فـ ندر أن تستدعي موقِفا مُضحِكا ، أو تذكُرُ أحدا بخير.. انطفأت جدّتي قبل أن يُطفئ الموت شمعتها..لكنّها كانت مع كلِّ ذلِك الانطفاء الظِّل الّذي استظلّ بِه الجميع .. أبناءً وأحفادا..
مع كلِّ ذلِك الانطفاء لكنّها تركت خواءً موحِشا في منزِلنا..كلّما عدتُ لـ المنزِل مازلتُ أطلُّ على غُرفتِها ...قبل أن أتذكّر أنّها رحلت!
كلّما بحثتُ عن أُمِّي أنسى أنّها ما عادت في تِلك الغُرفة.. كلّما زارتنا خالاتي .. أو أخوالي .. أو أحدُ أبناءهم.. ينفتحُ وجعٌ جديدٌ يُغرِق أُمِّي في البُكاء.
ماتت جدّتي.. وبقى الكثيرُ منها.. هيئتها ، صوتها المحفوظُ في تسجيلِ إحدى الحكايا الّتي حكتها وتركتها ذات يومٍ هُنا ..صورها .. وسمائِل!
سمائِل الّتي ربطتنا بِها جدّتي.. وما أن عاشت معنا حتّى ندرت زياراتِنا لها... أخشى أن ننقطِع عنها لـ مُجرد رحيل جدّتي..
ماتت جدّتي.. وفي الموتِ راحةٌ لها.. لكنّها أوجعتني بـ وجعِ أُمِّي!
سـ أعودُ بلا شك لأكتُبَ شيئا آخر .. هُنا الموتُ لم يترُك لـ بقيّة الأشياء مِساحة.. مع أنّه الموت لم يعُد يُخيفني بقدرِ ما يُحزنني!
حكاية حكتها جدّتي ذات يوم :
badriyaalamri.blogspot.com/2010/03/blog-post_07.html
صباح الرُّوح
10:06
11 مارس 2011-03-11
المصدر : مدونة بدرية العامري
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions