جثنر تشنابل*
في الدول التي بها قطاعات مواد خام ضخمة، يتسبب التضخم في أسعار المواد الخام والمدفوع بتدفقات السيولة المالية العالمية، في فوائض تجارية ضخمة
في الوقت الذي تتواصل فيه معاناة الاقتصادات المتقدمة المختلفة حول العالم من معدلات البحث عن عمل المرتفعة - والتي لا يبدو أنها ستعود قريبا لمستوياتها الطبيعية- ومن مستويات ديون خارجية قياسية- بعضها غير مسبوق- نجد أن هناك توسعات نقدية هائلة جدا في الاقتصادات المتقدمة نفسها تغذي موجة مد هائلة جدا من ارتفاعات أسعار الأصول المختلفة والمواد الخام المختلفة، وتغذي موجة كبيرة أيضا من معدلات النمو المتسارع في الاقتصادات الناشئة المختلفة حول العالم؛ من الاقتصاد البرازيلي في أمريكا الجنوبية مرورا باقتصادات الشرق الأوسط الى الاقتصاد الصيني في آسيا.
وبينما تدفع تدفقات رأس المال العديد من الطفرات الاقتصادية الخارقة في مختلف أنحاء العالم وتحفزها - وبعد أن تعلمت (الاقتصادات الناشئة) الدرس من الأزمة الضخمة الحالية- تعي السلطات النقدية في الأسواق الناشئة المختلفة خطورة ضخامة السوق المالي.
لذا، تحاول السلطات النقدية في هذه الأسواق الناشئة، تحاول في المقام الأول، أن تعمل على حماية الاقتصاد والأسواق من التضخم ومن فقاعات النمو المختلفة، في شتى قطاعات الاقتصاد، وذلك من خلال امتصاص فوائض السيولة المالية، ومن خلال وضع تدابير وإجراءات ترمي الى تقييد نمو سوق الإئتمان.
ومع هذا، وبقيام السلطات النقدية المختلفة بذلك الأمر، هي تتسبب من ناحية أخرى في تشوهات كبيرة في القطاعات الحقيقية في اقتصاداتها، والتي لا تظهر حاليا على شاشة رادار كيانات وأجهزة ومؤسسات الإشراف المالي المختلفة القديم منها والمستحدث، والمتضخمة حاليا بأكبر قدر ممكن، وبصورة غير مسبوقة أيضا.
كما أن تدخلات السياسة النقدية لإنقاذ القطاعات المالية في الاقتصادات المتقدمة يعقبها – وبشكل شبه تلقائي- عمليات إحياء للتدخل الحكومي والسياسة الصناعية في الأسواق الناشئة.
فكيف يتم هذا؟ في العادة، تميل تدفقات رأس المال- التي تراهن في الأغلب على الأحوال الاقتصادية وحالة سوق المال تحديدا- ومراكمة إحتياطي العملة الصعبة بشكل متسارع ومبالغ فيه في الأسواق الناشئة، تميل الى أن تُقابل في العادة بعمليات وتدابير أشبه بالتعقيم والتحصين من الأمراض، بالإضافة الى ضوابط جديدة لحركة رأس المال.
ففي البرازيل مثلا، تمنع ضوابط رأس المال و قيوده المختلفة والتي تضعها الحكومة ما يسمى بالتخصيص الحر لرأس المال من أجل تحقيق الإستخدامات الأفضل له. وفي الصين- من الناحية الأخرى من العالم- يتم استخدام تقنين الإئتمان (الاقتراض؛ سواء أكان سياسة أو سوقا) غير القائم على السوق من أجل توسعة التحفيز المالي لقطاع التصدير المبالغ في الاستثمار فيه بالفعل.
وبينما يبقى كل من الضبط والربط سوق الإئتمان بشكل عام مقيدا، تتمتع الصناعات القائمة على التصدير والشركات التجارية المملوكة للدولة في الاقتصادات سريعة النمو، تتمتع بائتمان منخفض التكلفة، من أجل الحفاظ على نمو مخزون رأس المال بها.
ولأن عمليات الضبط والربط هذه تبقي على معدل التضخم منخفض المستوى، يظل سعر تغيير العملة الحقيقي دون قيمة العملة الفعلية في السوق، الأمر الذي يساعد الصين كثيرا على زيادة إنتاجها الذاهب الى الأسواق العالمية المختلفة.
والأسوأ من هذا كله هو أنه في الدول التي بها قطاعات مواد خام ضخمة، يتسبب التضخم في أسعار المواد الخام والمدفوع بتدفقات السيولة المالية العالمية، يتسبب في فوائض تجارية عمومية ضخمة. وتحل النفقات العامة المرتفعة و صناديق الاستقرار المزدهرة محل "المنافسة"، على يد تغيير هيكلي منظم ومخطط له، وعلى يد تنمية اقتصادية ممولة من قبل الدولة ذاتها.
فدبي مثلا تحب ضخ الاستثمارات الكبيرة في جزيرة صناعية على شكل نخلة وفي أبراج عملاقة كما أبراج بابل القديمة.
بينما يرى البيروقراطيون الروس أن هناك إمكانات كبيرة في القطاعات المختلفة في صناعة الدواء والصناعة العسكرية.
أما فنزويلا والجزائر فيضخان المال في نظم الضمان الاجتماعي المختلفة من أجل توفير الاستقرار السياسي للبلاد والحفاظ عليه. وفي السعودية، تجهز هيئة الاستثمار العامة وتشيد مدنا جديدة فخمة، يتوافر المزيد من الوظائف للسعوديين.
وبينما يمكن القول أن كل هذه السياسات مدفوعة بحسن النية، هي تشوه الأسواق، لأن الاستثمار العام في الصناعات المدعومة ماليا من قبل الحكومة يضلل قرارات الاستثمار الخاص. ليصبح الاستثمار في الصناعات التي مدت لها الحكومة يد العون أمرا فيه مخاطرة.
وحالما ينغلق باب السماء الذي يمطر ذهبا، تبدأ عمليات إعادة التهيئة والتعديل ممارسة مهامها. وربما يحدث هذا بمجرد أن تخرج الاقتصادات المتقدمة من سياسات المال السهل، عندما يتحقق لها معدلات نمو قوي، أو عندما تنخفض وتيرة تسارع معدل التضخم.
حينها فقط، سيكون واضحا سيتضح لنا أي من المعجزات الاقتصادية الكثيرة التي نشهدها بأعيننا حاليا حقيقي وأيها محض أوهام وخداع.
*أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية في كلية الاقتصاد والإدارة، بجامعة ليبزج في المانيا. له العديد من المؤلفات، أهمها كتاب "مناطق العملة والنمو الأفضل في الاقتصادات الناشئة"
كريستيان ساينس- ش
أكثر...
في الدول التي بها قطاعات مواد خام ضخمة، يتسبب التضخم في أسعار المواد الخام والمدفوع بتدفقات السيولة المالية العالمية، في فوائض تجارية ضخمة
في الوقت الذي تتواصل فيه معاناة الاقتصادات المتقدمة المختلفة حول العالم من معدلات البحث عن عمل المرتفعة - والتي لا يبدو أنها ستعود قريبا لمستوياتها الطبيعية- ومن مستويات ديون خارجية قياسية- بعضها غير مسبوق- نجد أن هناك توسعات نقدية هائلة جدا في الاقتصادات المتقدمة نفسها تغذي موجة مد هائلة جدا من ارتفاعات أسعار الأصول المختلفة والمواد الخام المختلفة، وتغذي موجة كبيرة أيضا من معدلات النمو المتسارع في الاقتصادات الناشئة المختلفة حول العالم؛ من الاقتصاد البرازيلي في أمريكا الجنوبية مرورا باقتصادات الشرق الأوسط الى الاقتصاد الصيني في آسيا.
وبينما تدفع تدفقات رأس المال العديد من الطفرات الاقتصادية الخارقة في مختلف أنحاء العالم وتحفزها - وبعد أن تعلمت (الاقتصادات الناشئة) الدرس من الأزمة الضخمة الحالية- تعي السلطات النقدية في الأسواق الناشئة المختلفة خطورة ضخامة السوق المالي.
لذا، تحاول السلطات النقدية في هذه الأسواق الناشئة، تحاول في المقام الأول، أن تعمل على حماية الاقتصاد والأسواق من التضخم ومن فقاعات النمو المختلفة، في شتى قطاعات الاقتصاد، وذلك من خلال امتصاص فوائض السيولة المالية، ومن خلال وضع تدابير وإجراءات ترمي الى تقييد نمو سوق الإئتمان.
ومع هذا، وبقيام السلطات النقدية المختلفة بذلك الأمر، هي تتسبب من ناحية أخرى في تشوهات كبيرة في القطاعات الحقيقية في اقتصاداتها، والتي لا تظهر حاليا على شاشة رادار كيانات وأجهزة ومؤسسات الإشراف المالي المختلفة القديم منها والمستحدث، والمتضخمة حاليا بأكبر قدر ممكن، وبصورة غير مسبوقة أيضا.
كما أن تدخلات السياسة النقدية لإنقاذ القطاعات المالية في الاقتصادات المتقدمة يعقبها – وبشكل شبه تلقائي- عمليات إحياء للتدخل الحكومي والسياسة الصناعية في الأسواق الناشئة.
فكيف يتم هذا؟ في العادة، تميل تدفقات رأس المال- التي تراهن في الأغلب على الأحوال الاقتصادية وحالة سوق المال تحديدا- ومراكمة إحتياطي العملة الصعبة بشكل متسارع ومبالغ فيه في الأسواق الناشئة، تميل الى أن تُقابل في العادة بعمليات وتدابير أشبه بالتعقيم والتحصين من الأمراض، بالإضافة الى ضوابط جديدة لحركة رأس المال.
ففي البرازيل مثلا، تمنع ضوابط رأس المال و قيوده المختلفة والتي تضعها الحكومة ما يسمى بالتخصيص الحر لرأس المال من أجل تحقيق الإستخدامات الأفضل له. وفي الصين- من الناحية الأخرى من العالم- يتم استخدام تقنين الإئتمان (الاقتراض؛ سواء أكان سياسة أو سوقا) غير القائم على السوق من أجل توسعة التحفيز المالي لقطاع التصدير المبالغ في الاستثمار فيه بالفعل.
وبينما يبقى كل من الضبط والربط سوق الإئتمان بشكل عام مقيدا، تتمتع الصناعات القائمة على التصدير والشركات التجارية المملوكة للدولة في الاقتصادات سريعة النمو، تتمتع بائتمان منخفض التكلفة، من أجل الحفاظ على نمو مخزون رأس المال بها.
ولأن عمليات الضبط والربط هذه تبقي على معدل التضخم منخفض المستوى، يظل سعر تغيير العملة الحقيقي دون قيمة العملة الفعلية في السوق، الأمر الذي يساعد الصين كثيرا على زيادة إنتاجها الذاهب الى الأسواق العالمية المختلفة.
والأسوأ من هذا كله هو أنه في الدول التي بها قطاعات مواد خام ضخمة، يتسبب التضخم في أسعار المواد الخام والمدفوع بتدفقات السيولة المالية العالمية، يتسبب في فوائض تجارية عمومية ضخمة. وتحل النفقات العامة المرتفعة و صناديق الاستقرار المزدهرة محل "المنافسة"، على يد تغيير هيكلي منظم ومخطط له، وعلى يد تنمية اقتصادية ممولة من قبل الدولة ذاتها.
فدبي مثلا تحب ضخ الاستثمارات الكبيرة في جزيرة صناعية على شكل نخلة وفي أبراج عملاقة كما أبراج بابل القديمة.
بينما يرى البيروقراطيون الروس أن هناك إمكانات كبيرة في القطاعات المختلفة في صناعة الدواء والصناعة العسكرية.
أما فنزويلا والجزائر فيضخان المال في نظم الضمان الاجتماعي المختلفة من أجل توفير الاستقرار السياسي للبلاد والحفاظ عليه. وفي السعودية، تجهز هيئة الاستثمار العامة وتشيد مدنا جديدة فخمة، يتوافر المزيد من الوظائف للسعوديين.
وبينما يمكن القول أن كل هذه السياسات مدفوعة بحسن النية، هي تشوه الأسواق، لأن الاستثمار العام في الصناعات المدعومة ماليا من قبل الحكومة يضلل قرارات الاستثمار الخاص. ليصبح الاستثمار في الصناعات التي مدت لها الحكومة يد العون أمرا فيه مخاطرة.
وحالما ينغلق باب السماء الذي يمطر ذهبا، تبدأ عمليات إعادة التهيئة والتعديل ممارسة مهامها. وربما يحدث هذا بمجرد أن تخرج الاقتصادات المتقدمة من سياسات المال السهل، عندما يتحقق لها معدلات نمو قوي، أو عندما تنخفض وتيرة تسارع معدل التضخم.
حينها فقط، سيكون واضحا سيتضح لنا أي من المعجزات الاقتصادية الكثيرة التي نشهدها بأعيننا حاليا حقيقي وأيها محض أوهام وخداع.
*أستاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية في كلية الاقتصاد والإدارة، بجامعة ليبزج في المانيا. له العديد من المؤلفات، أهمها كتاب "مناطق العملة والنمو الأفضل في الاقتصادات الناشئة"
كريستيان ساينس- ش
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية