
إنّ معرفة الخيرِ والشّرِّ هي الفضيلة الأساسيّة الّتي يجب أن يتطلّع لها الإنسان ،ويُكافِح من أجلِها ؛ ليتبنّى بعدها أيُّ السُّبلُ يسلُك ، ولا يُمكن لتلك المعرِفة أن تتحقّق مع وجود عائِق يحول بينها والعقل ، فالقيود المُتعالِقة الّتي تتغلل في نسيجِ المُجتمعات من شأنِها بِناء جُدرانا عازِلة تُقدّس من خِلالها بعض الظّواهِر والشّخصيّات ، وتُحذر من مساسِها أو الاقتراب بالنّقدِ منها ، وما ذلِك إلّا استهانة بالعقلِ الّذي مُيّز بِه الإنسان ، واستخفاف بِه .
لا يُمكن للمرءِ تحرير نفسهُ من وهمِ السُّلطات ما لم يُجاسر بالتّفكير ، فالقيود المُتعالِقة الّتي تفرضها السُّلطات الاجتماعيّة والدِّينيّةِ والسِّياسيّة تسعى لخلقِ أفراد يتقولبون والقالب الّذي تُريدهم عليه ، و بطبيعةِ الحالِ غالبا ما ينحو الفرد في تكوين شخصيّته إلى التّوافقِ مع الصُّورة العامة لممارسات الحياة ، فالإنسان ميّالٌ للتّوافُقِ مع الجماعةِ ، يخشى النّبذ أو العُزلة ، يُشكّل شخصيّتهُ اتِّساقا مع المنظومةِ الاجتماعيّةِ والدِّينيّة والسّياسيّةِ للمُجتمعِ ، إلّا أنّ هذا الاتِّساق الّذي يعمد إليه الكثيرون يحدُّ من تطوّر الشّخصيّة ، بل ويُذيبها ، مما يجعلها سهلة الانقياد ، مُسلِّمةً بما يُسلِّم بِه البقيّة دونما تدبُّر.
إنّ الانقياد الأعمى ، والتّسليم النّاتِج عن ثقة وإيمان عميق بتِلك السُّلطات ، يُغيِّب الأفراد عن حيثيّاتِ قوانينها، بل ويجعلهم يؤمنون أنّ تِلك القوانين لن يأتيها الباطِلُ من بين يديها ولا من خلفِها ، كلّ ذلِك الإيمان والثِّقة جاء من إيمانهم وثِقتهم بمُشرِّعِ تِلك القوانين ، إلّا أنّ تغييب الفرد لنفسِه ، وتغييب السُّلطات للأفراد يخلق منهم أفراد اتِّكاليّين مُستهلكيين ، فكما أنّ فضيلة معرفة الخيرِ والشّرِّ لا يُمكن لها أن تتجلّى دون حُريّةً وانعتاقٍ من القيودِ المتوارثة ، كذلِك لا يُمكن لها أن تتجلّى في مُجتمعاتٍ امتاز أفرادُها بالاتّكاليّةِ والتّسليم ، إذ لا يُمكن للمرء أن يجروءعلى التّفكير تفكيرا مستقلّا من خِلالِه يستطيع التّمييز بين الحقِّ والباطِلِ ، إلّا إذا نما ، وكفّ عن الاتِّكاليّةِ ، والاعتمادِ على سُلطاتٍ دينيّةٍ كانت أو سياسيّةٍ أو اجتماعيّةٍ ، يهابها وتُوجّه فِكرهُ حيثُ تشاء دونما تدبُّر .
كما أنّ تغييب التّفكير النّقدي من خِلالِ الامتثالِ والإذعانِ دونما تدبُّرٍ أو مُساءلةٍ لقوانين اجتماعيّةٍ تتمثّلُ في العاداتِ والأعراف ، ودينيّة تتمثّلُ في أوامِر رجالِ الدِّين ، وسياسيّة تتمثّلُ في رِجالِ السُّلطة ، يؤدِّي إلى إغلاق العقل ، فكبت التّفكير النّقدي عند حدٍّ معيّنٍ من شأنِهِ إفقار القُدرات النّقديّة للعقلِ في مجالاتٍ أُخرى ، والمنظومات عندما تُقدِّس مؤسّسات أو سُلطات بعينِها ، بذلِك تجعلها خارِج دائِرة النّقد ..مسيّجةً إيّاها بالكثير من القُدسيّة ، مُرهِبةً كل من يُحاول نقدها ، إلّا أنّهُ وفي الجانبِ الآخر يظلُّ مُعظم الأفراد مكتوفي الأيدي حيال كلّ تِلك القوانين ، مُسلِّمين بِها خاضعينَ لها ،إمّا إيمانا منهم بصلاحيّتها ، أو إيمانا منهم بفشلِهم في تحمُّل المسؤوليّةِ ، إذ أنّ الأفراد الّذين يخشون المسؤوليّة غالِبا ما يرفضون فِكرة الحُريّةِ والانعتاقِ من القيودِ المفروضة ، فقد اعتادوا على تعليقِ الكثيرِ من الأمور الّتي يأتونها على شمّاعاتٍ اختلقوها ، وتوارثوها ، لذا فأمرُ الحُريِّةِ من الأمورِ الّتي تجعلهم في مواجهةٍ حاسِمةٍ مع الكثير مما يخشونه.
وفي الجهةِ الأُخرى يرى مُقدِّسو قوانين المنظوماتِ الدِّينيّة والسِّياسيّة والاجتماعيّة أي محاولة نقد هو خُروجٌ عليها ، وتشكيكٌ في شريعيّتِها ، بل ويذهب بعضهم إلى أبعدِ من ذلِكَ مُتّبِعا أمر التّخوينِ والتّآمرِ لزعزعةِ الاستقرارِ ، ونشرِ الأفكارِ الدّخيلةِ ، غاضِّين الطّرف عن ضرورة النّقد لتصحيحِ المساراتِ ، واستحداثِها وِفق ما يتناسب وجميع الأفراد ، كما أنّ في تجاهلهم لحقِّ المرءِ في تبنِّي ما يراهُ مُناسِبا هو تأكيد لوصايةٍ مقيتة تفرضها المنظومات على الأفراد ، وترى من خِلالِها أنّ إدراكها ومعرفتها بما يصلُح للجميع هو الواجِب اتّباعه.
ويبدو أنّ وجوب تسليم الأفراد بقوانين المنظومات المُتوارِث ، وتغييبهم عن المُشاركةِ في اتِّخاذِ ما يمُس حياتهم ، يُزعزع ثِقتهم بقُدراتهم ، ويجعلهم أفرادا مغيّبين عن ذواتهم من خلالِ تبنِّيهم لقوالب جاهِزة ، ولسُنن واجب اتّباعها ، فيفقد المرءإحساسه بقيمةِ ذاتِهِ ،إذ ينتظرُ على الدّوامِ من القائِمين على الدِّين مثلا إجازةِ أعمالِه ،وينتظرُ من المُجتمع استحسان تصرُّفاتِه ، وتصبح حاجته مستمرّة ومُلحّة إلى الموافقة ، وبذلِك يتوالد العجز في النّفس ، وعدم الاستقرار ، فيفقد المرء هويّته ، ويغترِب عن نفسِه ، ويصبُح فردا استهلاكيّا لا مُباليا .في حين تتأصّل محبّة النّفس وتقبّلها ، والإيمان بِقُدراتِها ، وتحمُّل مسؤوليّة الأفعال ، والذّود عن المُمتلكات المعنويّة والماديّة ، عندما يكون للفرد رأي مُستقل تبنّاهُ عن قناعة ، من خِلالِ مُناقشةٍ ، وإماطةِ حُجُب ، ومحاولةِ إدارك ، لا تسليما لا مفرّ منه ، من هُناك ينطلق الفرد مؤسِّسا بقاعدة الإيمان والفِكر بناءً صلبا للمعرفةِ والإنتاج دونما تثبيطاتٍ تعوق فهم الموجودات ، وفهم الذّات.
إنّ وعي الأفراد بذواتِهم ، وتقديرهم لها يأتي من إعمالهم لفكرِهم ، وتحرُّرهم من وهمِ تسلُّطِ المنظوماتِ ، فالحُريّة أحد أنبل وأعمق مطامِح الرُّوح البشريّة ، وعلى الدّوامِ ثمّة قوى تسلُّطيّة تحاول تقييد الأفراد ، أمارست تِلك القوى تسلُّطها من خِلالِ القوّة أو الوهم الّذي زرعته ، وتوارثتهُ الأجيال ،ويبقى أن لا يُمكن للمرءِ معرفة الخيرِ والشّرِّ ما لم يكُن حُرّا متجرِّدا من الكثيرِ من المحمولات ، فكما أنّ اتِّباعه للخيرِ لا يُمكن أن يُعدّ فضيلةً ما لم يأتِه دون إكراه ،كذلِك انتهائِه عن الشّرِّ لن يكون فضيلةً ما لم يتجنّبهُ المرء عن قناعةٍ .
noon-ow.com/saite/?p=444
المصدر : مدونة بدرية العامري
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions