
من " عادل إمام " إلى " دريد لحام " ..!
" جريدة الرؤية العمانية "
هي " ثورة " كانت طفلة وغدت مكتملة ، وفي اكتمالها قطعت عهدا على نفسها وهي تتأمل هتافات الآخرين من أجل إحيائها بالتضحية في سبيلها ، على أن تبذل هي الأخرى جل طاقاتها ؛ كي تقدم لهم قرابين حبهم وثقتهم ووفائهم وتضحيتهم مثلما تعاهدت قوانين الحب في الكون ، وعدت وفعلت ، وجرفت من جرفت ، واقتلعت من اقتلعت من رؤوس الفساد والفتنة ، ورميت من رميت في شرور أعمالهم ومازالت تواصل دربها للخلاص ، وأنفار آخرون لهم حكايتهم مع " الثورة " حينما كانت طفلة لم يربتوا على كتفها بحب ، لم تثر اهتمامهم والبعض شكك في قدرتها على جرف ما تراكم من قرون ، والبعض حقن فيها سموم اتهاماته واتخذها سخرية يتندر عليها وعلى من كان سببا في وجودها ، ولكن حينما استطالت أفعالها الآمال ، غسلوا وجوههم وأزالوا أقنعتهم والبسوها أقنعة أخرى تلائم الوضع الجاري ، كما حدث مع أصحاب الشهرة والملايين والفنانين ، الذين كانوا ما بين كر وفر وخسر من خسر وربح من ربح ..!
على رأس قائمة الفنانين الذين قال وقيل عنهم الكثير الفنان " عادل إمام " الذي يجر خلفه أضواء الشهرة حيثما مشى على السجادات حمراء يفرشها له محبيه من العالم العربي والعالمي ، " عادل إمام " تستعيد الذاكرة العربية أفلامه في فترة السبعينات وهي وامضة في ذاكرة العرب حتى هذه اللحظة ، ذاك الشاب النحيل الذي أضحك الملايين بنقاء قلب ، الشاب المعدم الذي كان مع الغلابة وقضاياهم حبا بحب ، المواطن الصالح في فيلمه " إرهاب وكباب " الذي احتل المبنى الحكومي مع بعض رهائن وظل يضخ فيهم الأمنيات طوال فترة الرهن لعرض مطالبهم على الحكومة ، وفي النهاية لم يطلبوا سوى الكباب ، فقد كان حلم أولئك - المعدومين - تناوله ولو لمرة واحدة في حياتهم على الأقل ..! ومثله مثل أفلامه الأخرى ذات النزعة السياسية الاجتماعية كما في " الإرهابي " و" طيور الظلام " وغيرها ، وكلها كانت تناصر المصري المظلوم الواقع بين أنياب المتوحشين في مجتمع يستبد فيه أسياده ..
لكن ماذا عن " عادل الإمام " خارج شاشة السينما والتلفزيون وخشبة المسرح ..؟!حين كانت الثورة في مناهضتها الأولى صرّح " عادل إمام " واصفا الشباب في ميدان التحرير أنهم مجرد غوغائيين والمظاهرات بأنها " قلة أدب " ، وقد بعث بعقولهم وعليهم العودة إلى بيوتهم ، فسياسية الحاكم المتنحي " حسني مبارك " كانت جيدة ولا تشكو من أي نقصان ..!وحينما هجم محبّوه من الملايين في صفحات الفيس بوك قائلين له بصوت متفق : " عيب يا زعيم " ، عاد " عادل إمام " قافزا من شاشة إلى شاشة ؛ كي يمسح كل لفظة جاحدة من فمه في حق الثورة ، ليسجل عوضا عنها عبارات تصفق في صالح الشعب ، مضيفا أن من حق الحكومة الاستماع للشباب ومطالبهم في الحرية والكرامة والعدل والديمقراطية ، ليؤوّلها إلى قوله المصرح أخيرا : " أنا معكم وفي صفكم " ، بعدما رأى بأمّ عينيه " سقوط التمثال " الذي اتكأ عليه ..!
إلى " دريد لحام " الفنان السوري الذي جسّد شخصية " غوار الطوشة " التي ألصقت بجلده رغم حشد الشخصيات التي مثلها هذا الفنان ، " غوار الطوشة " الشخصية التي رمزت إلى الشخص السوري العادي الذي كان يكافح من أجل لقمة عيشه ، ويتحدث عما يصادفه من مشاكل في حياته كلها ، هذه الشخصية التي من تأثيرها في مجال التمثيليات اعتلت منصة المسرح ، وعرف عنه في الماضي بأنه يكتب ويخرج ويمثل أفلامه ، وينقد ما هو خطأ في المجتمع العربي ، ويبصر المشاهد بمآسي الإنسان البسيط ، حيث كان غوار يجمع في سياق حديثه المصائب الشخصية للمواطن ، والمآسي التي تواكبت على الإنسان العربي في كل بقعة من أرجاء المعمورة ، بل من ينسى الفنان في مسرحيته " كأسك يا وطن " التي كانت دعوة لإيقاظ المواطن العربي من سباته العميق.. وتنتصب أيضا هنا " لكن " الاستدراكية ، وهي هنا تحتمل معان عدة ضمنية إضافة إلى معناها الحقيقي هي هنا " تستنكر " و" تندهش " و" تثور " و" تحتار " وأشياء أخرى كثيرة ..!
في قصيدة " ترميم قضية أو مجد الصغائر " يقول مؤلف مسرحية " كأسك يا وطن " الشاعر " محمد الماغوط " : " تصرخ أدوات تعبيري في وجه القدر والطغيان / كما لم يصرخ ثائر من قبل .." وكلنا يعرف جيدا أن " ماغوطا " كان جسدا من قول معجون بفعل وكان سيسقطها ثائرا صارخا في وجه الطغيان حتما إن كان قلبه ما يزال ينبض كما كلماته تنبض ..
وندرك كما سيدرك الآخرون أن " دريد لحام " ما هو سوى ممثل وكم فاتنا ذلك ، وأن صرخاته الثائرة طوال تلك الأعوام على أنظمة القمع والطغيان ، لم تكن سوى سطور حفظها من سيناريوهات التمثيل ، خطها غيره بدم كرامته وحريته ورغباته المتأججة في نيل المستحيل للمعدمين في كل مكان ، ما كانت سوى أصوات كاتبيها ، وما كانوا هم سوى ممثلين.. ولهذا هل على معجبي ومحبيّ الفنانين " عادل إمام " و" دريد لحام " وما يماثلهما أولئك الممثلين على إلقاء اللوم عليهم أو حتى محاسبتهم .؟!
الحقيقة تقول : إنهم " ممثلون " يا سادة ، يا أيها المعدمين ، يا من تركتم أحلامكم الفقيرة على أبوابهم ، يا من منيتم أنفسكم المهزومة على نيل ربق انتصاراتها منهم .. إنهم " ممثلون " يقومون بأعمال يأخذون عليها أجرا ماليا وقدره .. وتلك المبالغ هي نفسها حولتهم من شابين لا يملكان قرشا إلى أصحاب الملايين ، ألبستهم الكرافتة والبذلة الأنيقة ووجه منفوخ الخدين مع كرش متدل ، ومنزل فخم مفروش بالسجاد الفاخر وسيارات فارهة ، خدم وحشم وأحلام لا تصاغر أبدا أحلام الفقراء ، التي نسوها تماما إلا في أدوار مكتوبة النص بقلم كاتب حالم عن المعدمين .. !
وكأن أوضاعنا العربية في هذا العام بالتحديد ليست قضية ما " قبل " و" بعد " وحدها بقدر ما هي قضية مأزومة ما بين " لكن " و" لكن " ..! لكن الناس ، محبيهم ، لم يقنعوا بفكرة أنهم " مجرد ممثلين " ، خصوصا في وزن فنانين كـ " عادل إمام " و" دريد لحام " ، فهذين الممثلين أضحكوهم ، أبكوهم ، جسوا معاناتهم بعمق ، ربتوا على أكتافهم بمحبة ، صرحت أدوارهم عن المكشوف في عوالم الفساد والطغاة ، حرضوا العقول على بعث الوعي وإيقاظ الضمائر وهتافات المنادية بالكرامة والحريات والقيم النبيلة والقومية والوطنية ، حتى غدا كليهما رمزين لامعين من رموز الوطن والمواطن العربي في كل قلب وعقل ، وهو السبب العميق والكبير الذي جعل وجود اسميهما على أفيش أي فيلم هو صك الضمان لجماهيرية الفيلم ونجاحه ، وهو السبب عينه الذي راكبهما في مكانة عالية من النجومية ، بقيت حتى آخر رمق دون أن يأفل قمرها ولو للحظة ، رغم جمهرة الممثلين آخرين في مضمار التمثيل ..
وهنا تحتشد الأسئلة القلقة الحائرة : فهل مهنة التمثيل هي " حمالة أدوار " فقط ؟ لأنهم يخاطبون أكثر العقول بساطة ، فهي تؤمن بهم وتصدق كل ما يعرضونه على أنه واقعهم هم ، على أنهم داخل وخارج الشاشات يناصرون القضايا نفسها ، ولكن أليس " الفن " رسالة " كالكتابة وكالفن التشكيلي بأنواعها المختلفة ..؟! لماذا يحاسب الكاتب على كل كلمة وعبارة يسجلها ، أليست القصص والروايات حكايات على ورق من الخيال ..؟! وتلكم الرسوم التي تستصرخ ألوانها على شراسة الواقع الموجع ، هل هي مجرد فنون للتعبير ليست من الضرورة أن تمثل مبادئ راسميها ..؟!
ليس من حقنا أن نلومهما أو حتى نلوم غيرهم ، وهذا المقال خارج مبدأ التأنيب أساسا ، لكن ونعود للفظة " لكن " على هذين الرمزين الكبيرين إقناع الناس " الدراويش " أن كل ما كانوا يفعلونه طوال سنوات تمثليهم ، كان ضمن التمثيل لا أقل ولا أكثر ؛ كي لا يرجمهم جمهورهم بعد الآن بقول : " ما يصحش كده يا زعيم " و قول : " يا عيب الشوم يا غوار الطوشة " ..! عليهم أن يقنعوا العالم الذي صفق لهم من قلوبهم المحبة ، أن ما كانوا يمارسونه مجرد دور سلطت عليه كاميرا شاشاتهم الصغيرة ، لا تمت إلى شخصياتهم الواقعية بصلة في شاشة العالم الواقعي ..! فليعلنوا أنهم أحرار كبشر ، في تعاطي مواقفهم ، من السلطة ومن الشعب ومن كل شيء ، ولكن أيضا عليهم بألا يطالبوا أولئك الشعوب بتصديقهم بعد الآن مطلقا ، وأنهم مجرد " أراجيز " خيوطها بيد السيناريو في النص ، وبيد المصالح في خارج النص ..!
أولئك البسطاء ، كم صدقوهم حد السذاجة ، دون أن يدوّرا طاحونة الرحى في عقولهم ولو لمرة واحدة أن ما كانوا يذرفونه تلكم الرموز من دموع ، كان مجرد دموع " مسلسلات " ..!
ليلى البلوشي
المصدر : مدونة ليلى البلوشي
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions
رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني Eagle Eye Digital Solutions