العنف السياسي والدولة 1/2 أراء الكتاب الشبيبة

    • العنف السياسي والدولة 1/2 أراء الكتاب الشبيبة

      * العنف يصبح "عنفاً سياسياً" عندما تكون دوافعه سياسية وعندما تكون أهدافه سياسية في المطلق، رغم وجود فوارق بين المقاربات حول طبيعة هذه الأهداف وكينونتها، رغم وجود اختلاف في طبيعة القوى المنخرطة فيه أكان ذلك داخل حدود الدولة أو خارجها.

      د.محمد العريمي

      أجمع المشتغلون في العلوم الاجتماعية على أن ظاهرة "العنف" هي ظاهرة عامّة مركّبة ذات أبعاد سياسية واقتصادية وأمنية واجتماعية وثقافية ونفسية وفكرية وفي ذات الوقت إنسانية، إلى جانب أنها "مشهودة" في معظم، إن لم يكن، في كل المجتمعات البشرية ولكن على مستويات متباينة وبدرجات مختلفة، وبأشكال متعددة، نتيجة لأسباب متنوعة تختلف من فترة إلى أخرى ومن مكان إلى آخر.

      كما رصدت هذه الدراسات أن "العنف" ربما يمارسه "الفرد" ضد فرد أو أفراد آخرين، وربما تمارسه "الدولة" ضد دول أخرى أو ضد أفرادها في أحايين مختلفة، أو قد تمارسه جماعات منظمة أو غير منظمة ضد مجتمعاتها أو ضد مجتمعات أخرى أو أفراد آخرين.

      وراح هؤلاء الدارسون يصنفون الممارسات العنيفة بين مظاهر "سلبية" ومظاهر "إيجابية"، حيث تكون الأولى متمثلة بتلك التصرفات التي تقوم بها دول أو يقوم بها أفراد بهدف تحقيق مصالح فردية جزئية دون الالتفات إلى المصالح الجمعية أو الإنسانية في المجموع.

      أما الثانية فتتمثل في كون العنف أحياناً هو ضرورة تاريخية، وذلك عندما يذهب الأفراد أو الجماعات أو حتى الدول إلى استخدام القوّة والعنف لكبح جماح الجهات المتطرفة أو الاستقواء الدولي الجديد المتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية ومن يسير في فلكها، والذي يسعى وفي جميع الأوقات إلى الوصول إلى أهدافه وتحقيق مصالحه بالطرق المشروعة وغير المشروعة.

      من هذا السياق يجب أن نفهم آليات التحركات الاجتماعية الأخيرة التي شهدتها بعض الدول العربية والخليجية التي تُعاني الظلم وتفشي الفساد بأشكاله المالي والإداري، بالإضافة إلى تعظيم المصالح الشخصية والعائلية على مصالح المواطن والوطن في المجموع.

      وفي هذا الاتجاه يجب أن نُدرك أيضاً أن مفاهيم الثورات الصغرى والكبرى في التاريخ البشري الحديث والقديم لم تكن لتحدث في معظمها لولا وجود هذه الممارسات غير الإنسانية، والتي لا تمت للمواطنة الحقّة بصلة. الأمر الذي يدفع بها لأن توفر درجة عالية من الاستعداد لاستخدام العنف، رغم الخسائر المادية والمعنوية، التي ربما تنجم عن استخدامه.

      إن طرح قضية العنف السياسي في المنطقة التي نعيش فيها تأتي، بالضرورة، كجزء من المقاربة العامّة للعنف المجتمعي الشامل. ويقوم هذا النوع من العنف على خلفية طبيعة السلطة أي على خلفية النظام السياسي المعمول به داخل الدولة، وما يتبع ذلك من تتبع للمبادئ والقيم الأممية داخل المجتمع.

      وعليه فإن العلاقة القائمة بين الحاكم والشعب أي بين الهيئة الحاكمة والأفراد في الإقليم المحدد بالدولة قانوناً هي التي تحدد تماماً حدود الرضا الحر غير المغشوش الذي يتوجب أن يكون بين الطرفين، حيث تتحقق الشرعية الصالحة والحقيقيّة في الدولة الراشدة والصالحة.

      من هنا يجب الإيمان بأن أي مساس أو تغوّل أو إضرار في هذا السياق بالحريات العامّة للشعب من قبل السلطة الحاكمة، يعني حتماً قيام إرهاصات ودوافع لتفجر العنف السياسي الذي يكون وفي كثير من الأحيان غير ظاهر في بداياته.

      هذا من جانب، ومن جانب آخر، فإن أي عمل عدواني تقوم به الأجهزة الأمنية التابعة للدولة ضد الشعب أو تقوم به دولة ضد دولة أخرى دون مبرر، أو تقوم به مجموعة ضد الآخرين لتحقيق أهدافها الذاتية، يمهد الطريق أمام قيام العنف السياسي، بل وأحياناً كثيرة يترافق مع هذا العنف، العنف العسكري، والعنف الشعبي والمتمثل في استخدام القوة المادية والبشرية بكل مكوناتها المتاحة لدى الفرد والجماعات.

      والعنف يصبح "عنفاً سياسياً" عندما تكون دوافعه سياسية وعندما تكون أهدافه سياسية في المطلق، رغم وجود فوارق بين المقاربات حول طبيعة هذه الأهداف وكينونتها، رغم وجود اختلاف في طبيعة القوى المنخرطة فيه أكان ذلك داخل حدود الدولة أو خارجها.

      ويكاد تعريف مفهوم العنف السياسي يلتقي بجزئية كبيرة من تعريف الإرهاب إلا أن الفرق بينهما، وبوضوح، هو طبيعة الأهداف في كثير من الأحيان والأطراف الداخلة فيه. حيث يمكن إدراك ذلك عندما نلحظ أن معظم الدارسين قد عرّفوا العنف السياسي بأنه استخدام القوة المادية المتوفرة لدى بعض الجهات المحتجة، أو التهديد باستخدام هذه القوة لتحقيق أهداف سياسية أو غير سياسية داخل الدولة وخارجها.

      إن أي تناول لقضية العنف السياسي في دولنا يقتضي رصد هذه الظاهرة وتحديد معالمها ومظاهرها بصدق وموضوعية متجردة، وذلك حتى يُمكن الإحاطة بحجمها ودرجة حدتها، وبالتالي إمكانية معرفة تداعياتها وطبيعة مخرجاتها وأشكالها التي لا تكون واضحة وبالشكل الدقيق لأي شخص أو مؤسسة أمنية كون هذه المؤسسات وفي الكثير من الأوقات تعمل وتسمع ما تريد الاستماع إليه لا ما يتوجب أن تسمعه.

      هذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكن أن نسلكها في سبيل تفسير الظاهرة، وذلك من خلال صياغة عدد من الفرضيات التي تتضمن إطار العلاقة بين هذه الظاهرة والظواهر الأخرى.

      ومن مثل هذه الظواهر ارتباط العنف بالتنمية الاقتصادية للشعوب، إضافة إلى دراسة الترابط بين درجة التعبئة الاجتماعية والعنف السياسي، وما يرافق ذلك من العلاقة بين الظلم وغياب العدالة في توزيع القيم السلطوية وبين العنف السياسي، إلى غير ذلك من المكونات والخلفيات التي تعاني منها دولنا منذ خروج المُستعمر بشكله المنظور سبعينيات القرن الفائت. باحث في الشؤون السياسية Alaraimi1@live.com

      أكثر...

      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية