* "اصبح من الواجب الآن في ظل التخمة المعلوماتية وتزايد ظاهرة التلاعب بالعقول أن نفكر جديا ودون إبطاء في التربية الإعلامية، ووضع برامج دراسية لها".
د. حسني نصر
استاذ بجامعة السلطان قابوس حتى الآن لا يستطيع أحد- رغم توافر المعلومات-أن يصدر حكما قاطعا على حقيقة ما يجري في سوريا، وهل يمثل ثورة شعبية مشابهة لما تم في تونس ومصر، كما يقول العالم كله تقريبا؟ أم أنه تمرد محدود كما يزعم النظام السوري. تماما مثلما لا يستطيع أحد أن يقرر بضمير مستريح ما إذا كانت الاحتجاجات الشعبية المتواصلة في اليمن والتي تسعى إلى إسقاط نظام الرئيس علي عبد الله صالح تمثل خطوة للأمام بالنسبة للشعب اليمني أم أنها خطوة للخلف وإشاعة الفوضى، أو أن استمرار المجلس العسكري الحاكم في مصر في السلطة بشكل أو بآخر كما فعل ثوار يوليو في صالح مصر ام أنه يمثل ثورة مضادة بشكل ما ؟
الواقع أن عدم قدرتنا كأفراد على إصدار مثل هذه الأحكام حول حقيقة ما يجري في سوريا وليبيا واليمن ومصر وفي غيرها من دول العالم، رغم أننا نتعرض يوميا لعشرات الأخبار والتقارير حول هذه الأحداث التي أشرنا إليها، يرجع في رأيي إلى ما نسميه "التخمة الإعلامية"، التي جعلت الكثيرين منا غير قادرين على هضم المعلومات الكثيرة والتقارير المتضاربة التي تحاصرنا بها وسائل الإعلام ليل نهار.إنها تخمة مركبة لا تترك للقارئ والمستمع والمشاهد فرصة لالتقاط الأنفاس والتفكير النقدي الواعي فيما يقرأه ويسمعه ويشاهده، وهي أيضا تخمة مقصودة تدخل ضمن ما يسميه علماء الاتصال الآثار المقصودة والمستهدفة لوسائل الإعلام لتمييزها عن الآثار غير المستهدفة التي تحدث عرضا نتيجة التعرض للرسالة الإعلامية.
لقد أدركت القوى الكبرى في العالم منذ الحرب العالمية الأولى أهمية وسائل الإعلام والدعاية في تشكيل الرأي العام العالمي والتأثير في توجهاته نحو القضايا العالمية المختلفة. ونجحت هذه القوى في استغلال هذه الوسائل على مدار القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحالي لتحقيق مصالحها والدفاع عنها. وتوسعت هذه القوى في استخدام آليات إعلامية كثيرة للتأثير في عقول الناس.وكان من بين هذه الآليات إغراق الناس بالرسائل الإعلامية وإحداث تخمة معلوماتية لديهم شبيهة بالتخمة الغذائية التي تترك من تصيبه عاجزا عن الحركة والفعل. ولعل هذا ما دفع واحدا من ابرز أساتذة الاتصال في العالم وهو هربت شيللر إلى وصف وسائل الإعلام والإعلاميين بانهم "المتلاعبون بالعقول"، واصدر، بغرض كشفهم والتحذير منهم، كتابا مهما يحمل نفس الاسم، تُرجم إلى العربية وصدر في سلسلة عالم المعرفة الكويتية منذ سنوات.
ومع تقديرنا للدور الذي تقوم به وسائل الإعلام الإخبارية في تزويد الجماهير بالمعلومات عما جرى ويجري في العالم العربي،إلا أن الأمر لا يخلو بالقطع من وجود أجندة إخبارية لدى هذه الوسائل موضوعة بدقة لتغطية الأحداث بما يخدم أهدافها ويحقق مصالح ملاكها والقوى التي تقف وراءهم دون النظر للتأثيرات السلبية الناتجة عن التخمة الإعلامية والتلاعب بعقول الجماهير. والشاهد في ذلك الدور الذي قامت وتقوم به الفضائيات الإخبارية وعلى رأسها قناة الجزيرة في إشعال الاحتجاجات الجماهيرية، ودعم الثورات الشعبية المطالبة بإسقاط الأنظمة ومدها إلى أكثر من دولة. ولعل هذا الدور الخفي هو ما جعل البعض يتساءل في أكثر من مناسبة عن العائد الذي تحصل عليه قناة الجزيرة ودولة قطر من انفاق ملايين الدولارات على قنواتها الإخبارية المتعددة باللغتين العربية والإنجليزية، خاصة قنوات البث المباشر الجديدة التي تعمل على مدار الساعة، والتي تفرغت لتغطية أحداث تونس ثم مصر وليبيا واليمن وسوريا، ومنها قناة مخصصة لمصر لعبت منذ إطلاقها دورا مهما ومؤثرا سيذكره التاريخ في الترويج للثورة، والمساعدة في تحويلها من مجرد مظاهرات احتجاج تطالب بالحرية والعدالة إلى ثورة شاملة أسقطت النظام.
لا يمكن بالقطع أن يكون ما فعلته وتفعله الجزيرة والفضائيات الإخبارية الأخرى من أجل الشعوب فقط، خاصة وأنها تأخذ جانب الشعوب في أماكن ومناسبات، بينما تأخذ جانب الأنظمة في أماكن ومناسبات أخرى. ومن المهم أن نؤكد هنا على أنه ليس عيبا أن تكون لدى الوسيلة الإعلامية أجندة وأهداف تسعى إلى تحقيقها، فهذا هو الأمر الطبيعي، ولكن من المهم أيضا أن يعرف جمهور هذه الوسائل طبيعة وحدود هذه الأهداف، وذلك من خلال تعريفه بتلك الوسائل ونمط ملكية وإدارة كل منها وربما تاريخها في تسويق الأفكار والتلاعب بالعقول.
لقد توقف العالم منذ فترة طويلة عن الحديث عن موضوعية الإعلام، بعد أن ثبت للجميع من خلال التغطية الإعلامية المتحيزة للقضايا الدولية أنه ليس هناك إعلام موضوعي في العالم كله، وأن الموضوعية في حد ذاتها وهم لا يوجد إلا في عقول البسطاء وخطابات المتلاعبون بالعقول. وبالتالي يجب أن ندرك بوصفنا جمهور مستهلك لرسائل وسائل الإعلام ان ما يصلنا من هذه الوسائل ليس بالضرورة صحيح كله، وأن نعطي انفسنا الفرصة للتفكير النقدي فيما نقرأ في الصحف ونشاهدعلى شاشات التلفزيون.
يقودنا ما سبق إلى تأكيد أهمية إدخال الثقافة الإعلامية في المناهج الدراسية العربية وعدم قصرها على دارسي الإعلام فقط. فمن حق شبابنا الذين لا زالوا على مقاعد الدراسة أن يتعلموا كيفية التعامل مع وسائل الإعلام بعقلية متفتحة ومفكرة وناقدة وليس بعقلية الاستسلام التام لها دون مقاومة. لقد مضى الزمن الذي كان فيه الإعلام هو إعلام الصوت الواحد والرؤية الواحدة، وانتهى العصر الذى كان يمكن فيه للدولة القومية أن تحصن مواطنيها من التدفق الإعلامي الدولي، وتعددت المنافذ الإعلامية الصالح منها والطالح وأصبحنا محاصرين طوال الوقت بكم هائل من الأخبار والمعلومات لا يمكن فهمها وحل تناقضاتها بإمكاناتنا الفردية. لقد اصبح من الواجب الآن في ظل التخمة المعلوماتية وتزايد ظاهرة التلاعب بالعقول أن نفكر جديا ودون إبطاء في التربية الإعلامية، ووضع برامج دراسية لها في المدارس بالإضافة إلى تنمية النزعة النقدية لدى الجمهور لكل ما ينشر ويبث من وسائل الإعلام، حتى نستطيع ان نهضم رسائلها وحتى لا تفقدنا التخمة القدرة على الحركة.
أكثر...
د. حسني نصر
استاذ بجامعة السلطان قابوس حتى الآن لا يستطيع أحد- رغم توافر المعلومات-أن يصدر حكما قاطعا على حقيقة ما يجري في سوريا، وهل يمثل ثورة شعبية مشابهة لما تم في تونس ومصر، كما يقول العالم كله تقريبا؟ أم أنه تمرد محدود كما يزعم النظام السوري. تماما مثلما لا يستطيع أحد أن يقرر بضمير مستريح ما إذا كانت الاحتجاجات الشعبية المتواصلة في اليمن والتي تسعى إلى إسقاط نظام الرئيس علي عبد الله صالح تمثل خطوة للأمام بالنسبة للشعب اليمني أم أنها خطوة للخلف وإشاعة الفوضى، أو أن استمرار المجلس العسكري الحاكم في مصر في السلطة بشكل أو بآخر كما فعل ثوار يوليو في صالح مصر ام أنه يمثل ثورة مضادة بشكل ما ؟
الواقع أن عدم قدرتنا كأفراد على إصدار مثل هذه الأحكام حول حقيقة ما يجري في سوريا وليبيا واليمن ومصر وفي غيرها من دول العالم، رغم أننا نتعرض يوميا لعشرات الأخبار والتقارير حول هذه الأحداث التي أشرنا إليها، يرجع في رأيي إلى ما نسميه "التخمة الإعلامية"، التي جعلت الكثيرين منا غير قادرين على هضم المعلومات الكثيرة والتقارير المتضاربة التي تحاصرنا بها وسائل الإعلام ليل نهار.إنها تخمة مركبة لا تترك للقارئ والمستمع والمشاهد فرصة لالتقاط الأنفاس والتفكير النقدي الواعي فيما يقرأه ويسمعه ويشاهده، وهي أيضا تخمة مقصودة تدخل ضمن ما يسميه علماء الاتصال الآثار المقصودة والمستهدفة لوسائل الإعلام لتمييزها عن الآثار غير المستهدفة التي تحدث عرضا نتيجة التعرض للرسالة الإعلامية.
لقد أدركت القوى الكبرى في العالم منذ الحرب العالمية الأولى أهمية وسائل الإعلام والدعاية في تشكيل الرأي العام العالمي والتأثير في توجهاته نحو القضايا العالمية المختلفة. ونجحت هذه القوى في استغلال هذه الوسائل على مدار القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحالي لتحقيق مصالحها والدفاع عنها. وتوسعت هذه القوى في استخدام آليات إعلامية كثيرة للتأثير في عقول الناس.وكان من بين هذه الآليات إغراق الناس بالرسائل الإعلامية وإحداث تخمة معلوماتية لديهم شبيهة بالتخمة الغذائية التي تترك من تصيبه عاجزا عن الحركة والفعل. ولعل هذا ما دفع واحدا من ابرز أساتذة الاتصال في العالم وهو هربت شيللر إلى وصف وسائل الإعلام والإعلاميين بانهم "المتلاعبون بالعقول"، واصدر، بغرض كشفهم والتحذير منهم، كتابا مهما يحمل نفس الاسم، تُرجم إلى العربية وصدر في سلسلة عالم المعرفة الكويتية منذ سنوات.
ومع تقديرنا للدور الذي تقوم به وسائل الإعلام الإخبارية في تزويد الجماهير بالمعلومات عما جرى ويجري في العالم العربي،إلا أن الأمر لا يخلو بالقطع من وجود أجندة إخبارية لدى هذه الوسائل موضوعة بدقة لتغطية الأحداث بما يخدم أهدافها ويحقق مصالح ملاكها والقوى التي تقف وراءهم دون النظر للتأثيرات السلبية الناتجة عن التخمة الإعلامية والتلاعب بعقول الجماهير. والشاهد في ذلك الدور الذي قامت وتقوم به الفضائيات الإخبارية وعلى رأسها قناة الجزيرة في إشعال الاحتجاجات الجماهيرية، ودعم الثورات الشعبية المطالبة بإسقاط الأنظمة ومدها إلى أكثر من دولة. ولعل هذا الدور الخفي هو ما جعل البعض يتساءل في أكثر من مناسبة عن العائد الذي تحصل عليه قناة الجزيرة ودولة قطر من انفاق ملايين الدولارات على قنواتها الإخبارية المتعددة باللغتين العربية والإنجليزية، خاصة قنوات البث المباشر الجديدة التي تعمل على مدار الساعة، والتي تفرغت لتغطية أحداث تونس ثم مصر وليبيا واليمن وسوريا، ومنها قناة مخصصة لمصر لعبت منذ إطلاقها دورا مهما ومؤثرا سيذكره التاريخ في الترويج للثورة، والمساعدة في تحويلها من مجرد مظاهرات احتجاج تطالب بالحرية والعدالة إلى ثورة شاملة أسقطت النظام.
لا يمكن بالقطع أن يكون ما فعلته وتفعله الجزيرة والفضائيات الإخبارية الأخرى من أجل الشعوب فقط، خاصة وأنها تأخذ جانب الشعوب في أماكن ومناسبات، بينما تأخذ جانب الأنظمة في أماكن ومناسبات أخرى. ومن المهم أن نؤكد هنا على أنه ليس عيبا أن تكون لدى الوسيلة الإعلامية أجندة وأهداف تسعى إلى تحقيقها، فهذا هو الأمر الطبيعي، ولكن من المهم أيضا أن يعرف جمهور هذه الوسائل طبيعة وحدود هذه الأهداف، وذلك من خلال تعريفه بتلك الوسائل ونمط ملكية وإدارة كل منها وربما تاريخها في تسويق الأفكار والتلاعب بالعقول.
لقد توقف العالم منذ فترة طويلة عن الحديث عن موضوعية الإعلام، بعد أن ثبت للجميع من خلال التغطية الإعلامية المتحيزة للقضايا الدولية أنه ليس هناك إعلام موضوعي في العالم كله، وأن الموضوعية في حد ذاتها وهم لا يوجد إلا في عقول البسطاء وخطابات المتلاعبون بالعقول. وبالتالي يجب أن ندرك بوصفنا جمهور مستهلك لرسائل وسائل الإعلام ان ما يصلنا من هذه الوسائل ليس بالضرورة صحيح كله، وأن نعطي انفسنا الفرصة للتفكير النقدي فيما نقرأ في الصحف ونشاهدعلى شاشات التلفزيون.
يقودنا ما سبق إلى تأكيد أهمية إدخال الثقافة الإعلامية في المناهج الدراسية العربية وعدم قصرها على دارسي الإعلام فقط. فمن حق شبابنا الذين لا زالوا على مقاعد الدراسة أن يتعلموا كيفية التعامل مع وسائل الإعلام بعقلية متفتحة ومفكرة وناقدة وليس بعقلية الاستسلام التام لها دون مقاومة. لقد مضى الزمن الذي كان فيه الإعلام هو إعلام الصوت الواحد والرؤية الواحدة، وانتهى العصر الذى كان يمكن فيه للدولة القومية أن تحصن مواطنيها من التدفق الإعلامي الدولي، وتعددت المنافذ الإعلامية الصالح منها والطالح وأصبحنا محاصرين طوال الوقت بكم هائل من الأخبار والمعلومات لا يمكن فهمها وحل تناقضاتها بإمكاناتنا الفردية. لقد اصبح من الواجب الآن في ظل التخمة المعلوماتية وتزايد ظاهرة التلاعب بالعقول أن نفكر جديا ودون إبطاء في التربية الإعلامية، ووضع برامج دراسية لها في المدارس بالإضافة إلى تنمية النزعة النقدية لدى الجمهور لكل ما ينشر ويبث من وسائل الإعلام، حتى نستطيع ان نهضم رسائلها وحتى لا تفقدنا التخمة القدرة على الحركة.
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية