"الطريقة التي قتل بها القذافي لن تخدم بأي حال من الأحوال قضية العدالة في ليبيا؛ لقد سقط العقاب في فخ الجريمة وهذا ما لا يرضاه أي قانون وضعي أو دين سماوي "
د. خالد محمد غازي
من المؤكد أن العدالة تطلب منطقا آخر غير الانتقام والتشفي .. قتل العقيد الليبي معمر القذافي، على يد الثوار من أبناء شعبه، ورغم مطالبته لهم قبل قتله بأن يرحموه، إلا أنه لم يرحم شبابهم عندما قصفهم بالطائرات وفتح عليهم نيران المدافع الثقيلة، رافضا أن يحكم صوت العقل؛ لذلك كان مصيره أسوأ ممن سبقوه من الرؤساء العرب الذين هبت عليهم رياح "الياسمين"، فمنهم من هرب أو سجن، واختار العقيد مصيره بنفسه، وراح ضحية عناده ومكابرته وجنون عظمته، لكن الطريقة التي قتل بها القذافي لن تخدم بأي حال من الأحوال قضية العدالة في ليبيا، لقد سقط العقاب في فخ الجريمة، وهذا ما لا يرضاه أي قانون وضعي أو دين سماوي .
(1)
قتل مقاتل البادية، ودفنت معه أسرار عربية وأوروبية كثيرة جدا، ربما مقتله هذا رفع رؤوس العديد من الزعماء من تحت مقصلة الاتهامات، وكم كانت سعادتهم برحيله عن دنيانا، ورغم أن كل من يسري في عروقه الدم العربي كان ناقما على ما يفعله القذافي مع شعبه، بل ومع جميع شعوب العالم، إلا أن الجميع استنكر هذه النهاية المهينة له، الأسر، والقتل، والتمثيل بالجثة، ووضعها أضحوكة للجميع، بل وفرجة لكل من يريد تصويرها، أو الفرجة على رجل حكم بلاده اثنين وأربعين عاما أصيب خلالها بـ"عظمة الجنون".
نهاية القذافي كانت متوقعة، وحتى لو لم يقتله الثوار، واكتفوا باعتقاله فقط كان سيقتل نفسه؛ لأن "جنون العظمة" لديه كان يصور له الكثير من الأشياء، ناهيك عن صدمته الكبيرة في العديد من الدول الأفريقية التي رفضت استقباله، رغم انه كان يدعي انه ملك ملوك أفريقيا، ووصف ثوار ليبيا بالجرذان؛ فأمسكوا به وهو يختبئ في مأسورة الصرف الصحي ، وقال أيضا : "طاردوهم "بيت بيت وزنقة زنقة"، فطاردوه هم "شارع شارع وبيت بيت وزنقة زنقة" حتى وقع أسيرًا في أيدي الثوار وقتلوه.
(2)
رحل القذافي أكبر دكتاتور معمر، بعد أن أغرق ليبيا في ظلمات الجهل كثيرا، ولكن العقلاء كان يتمنون أن يلقي محاكمة عادلة وعاجلة وتنتزع منه الأسرار، ويعدم شرعيا، حتى لا تعطي فرصة للاتهامات.
من المؤكد أن المجلس الانتقالي الليبي، بدأ حكمه بـ"العار"؛ لأن قتل الأسير جريمة قانونية وسماوية، وعليهم أن يكفروا عن هذا الذنب، وأن يبدأوا في الشروع باعمار ليبيا، و دخول القرن الحادي والعشرين؛ ورغم أنه دخول متأخر، إلا أنهم قادرون على تحقيق ما فاتهم.
من أجل هذا نتساءل عن الأسرار الحقيقية وراء اغتيال معمر القذافي بدلًا من اعتقاله ومحاكمته؟ ولكن يبدو أننا لن نجد أجوبة شافية لهذه الأسئلة، إلا بعد الفرضيات التي طرحها مراقبون للشأن الليبي - قد تكون إحداها صحيحة وتفسر هذا اللغز.
الفرضية الأولى: أن يكون القذافي ضحية للفوضى التي اختارها هو بنفسه، حين وجد نفسه في مواجهة شعب استصغره بشكل مقيت، ووصفه بأبشع النعوت، وحين اختار مواجهته بالسلاح، تدفق بين أيدي مجموعات متعددة، كل واحدة اختارت اسما، بعضها مستلهم من التاريخ الإسلامي، وبعضها من تاريخ ليبيا، وبعضها من الفضاء القبلي؛ لذلك نجد ان من قتلوه ربما يكون من أجل أن ينسبوا هذا العمل لأنفسهم، ويؤكدوا للعالم كله - والمجتمع الليبي بشكل خاص - أنهم وضعوا خاتمة الجلاد الذي كان الليبيون يرتعشون حتى من اسمه .
الفرضية الثانية: تميل إلى قراءة معطيات ترتبط بالمعركة ككل؛ فسواء كان القذافي قنبلة تهدد بحرق المقربين منه سابقا؛ قبل أن ينقلبوا عليه ويتحولوا إلى مسؤولين بالمجلس الانتقالي أو الذين تحولوا إلى معارضين له دون أن يكونوا في المجلس.. فقد يكون هناك توجه لردم كل الأسرار التي يمكن أن تخرج بعد القبض عليه حيا؛ حيث ينتقل الصراع إلى داخل المساهمين في معارضته وإسقاطه، خصوصا أن أصواتا ارتفعت مباشرة بعد مقتله، تدعو إلى تنحية المسؤولين الذين خدموا معه لفترة، وعلى رأسهم محمود جبريل ومصطفى عبد الجليل، وهو صراع موجود وترجم في الظروف الغامضة لمقتل عبد الفتاح يونس قبل ذلك.
وهذه الفرضية قد يقبلها البعض، ولكن هنا نطرح سؤالًا: هل أجرى الثوار اتصالا بمصطفى عبدالجليل وأخبروه باعتقال القذافي أو أنهم في الطريق لاعتقاله؟ فإذا كان هذا قد حدث وطلب عبد الجليل أن يقتلوه، فتلك هي الجريمة التي من المفترض ألا يسكت عنها المجتمع الدولي.
والفرضية الثالثة: قد تكون في حسم كل التداعيات المحتملة لبقائه حيا؛ سواء في تحريك أنصاره ومؤيديه في عدد من المدن الليبية أو خارجها، فهم أظهروا جسارة واستماتة بخروجهم الى شوارع "طرابلس"، بالسلاح لمواجهة قوات الثوار والمجلس الانتقالي، وهم موجودون في عدد من المدن الأخرى بكثافة، وسيكون تحركهم على شكل عصابات، وهو أمر ذكره محمود جبريل، خلال زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية لطرابلس قبل مقتل القذافي، وبذلك قد يكون قرار التصفية الفورية اغتيالا للهذه الاحتمالات.
والفرضية الرابعة : أن مقتل القذافي بهذه الصورة، قد يكون من مصلحة عدد من قادة الدول الذين شاركوا بقوة في إسقاطه، وسبق للقذافي وابنه سيف الإسلام أن هددا بفضح أسرار حملة الرئيس الفرنسي "نيكولا ساركوزي" الانتخايبة، كما تحدثت صحيفة "الجارديان"، عن علاقة غامضة كانت تجمع "توني بلير" رئيس مجلس الوزراء البريطاني السابق بـ"معمر القذافي"، وغيرها من الأسرار مع عدد من رؤساء الدول.
(3) الفرضيات تطرح لتفسر اللغز الغامض الذي سيظل يشغل العالم كله شهورا طويلة، خاصة بعدما دعت منظمة العفو الدولية السلطات الليبية الجديدة إلى إجراء تحقيق حول ظروف مقتل القذافي بهذه الطريقة .. محذرة من أنه إذا ما تأكد مقتله بصورة متعمدة بعد أسره، فستعتبر ذلك "جريمة حرب". وهو ما أعلنه كلاوديو كوردون المدير العام لهذه المنظمة غير الحكومية التي تتخذ من لندن مقرا، "إذا كان العقيد القذافي قتل بعد وقوعه في الأسر، فسيشكل ذلك جريمة حرب، ويتعين على المسؤولين عن قتله المثول أمام القضاء".
وقد أسر القذافي حيًّا من قبل مقاتلين ليبيين قرب معقله سرت، وقتل بعد قليل في ظروف ما زالت غامضة. وهذا ما حمل المفوضية العليا للأمم المتحدة لحقوق الإنسان على أن تطلب أيضا إجراء تحقيق.. مؤكدة على أن "ليبيا الجديدة يجب أن تبنى على احترام حقوق الإنسان والعدالة وليس على الانتقام".
وطالبت المفوضية بتشكيل لجنة للتحقيق في ملابسات مقتل "القذافي".. وقال المتحدث باسم المفوضية "روبرت كولفيل" إنه "فيما يتعلق بمقتل القذافي فإن الملابسات لا تزال غير واضحة. ونعتبر أن إجراء تحقيق هو أمر ضروري؛ في إشارة إلى المشاهد التي ظهرت على وسائل الإعلام حول اعتقال القذافي حيا قبل إعلان وفاته.
وبعد مقتل القذافي لابد أن نعترف بأن الغرب سيتنفس الصعداء لهذه النهاية، ولا يمكن أن نلوم القذافى على أنه اعتقد طوال فترة حياته أنه من أفضل الرجال، وأنه كان يفعل الصواب – طالم وجد من يغذي هذه النزعة - وهذا ما كتبه "روبرت فيسك" في مقاله بصحيفة "الإندبندنت" البريطانية ؛ فقال : إن هذه النهاية ستدفن معها العديد من الحقائق المؤلمة التي يمكن أن تثير جدلا واسعا في الغرب، فقد كانت حياة العقيد مليئة بالأحداث والأسرار المريبة والعلاقات الغريبة والمتشابكة، والنهاية الأفضل لشركاء وأصدقاء أي شخصية من هذا النوع، هي القتل المفاجئ بدون محاكمات وجلسات يكثر فيها الكلام والفضائح التي يمكن أن تضر بالآخرين، ومحامون يدافعون ويكشفون السر تلو الآخر.
وأوضح " فيسك "بأن العقيد لم يكن بعيدا عن عمليات تعذيب وقطع أعضاء جنسية ودعم متمردين وإرهابيين وإيواء لاجئين ومشبوهين ومعاملات مع حكومات وأجهزة مخابرات غربية، وتزويد حركات ومنظمات بالأسلحة مثل منظمة الجيش الجمهوري الأيرلندي وغيرها.
ولعل ذلك يفسر بوضوح: لماذا أحبه الغرب ثم كرهه ثم أحبه ثم كرهه. فقد رحبت به بريطانيا عندما انقلب على الملك إدريس السنوسي، ثم عادت لتكرهه بعد أن أمد الجيش الجمهوري الأيرلندي بالأسلحة. وقد أحبه توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، ثم كرهه.. وداعبته هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية عبر جهاز "البلاك بيري" ثم عاد الغرب ليكرهه.
أيا كانت الفرضيات فإن الغرب قد تورط مع الرجل في كثير من الأمور.
(4) المرحلة الحرجة قد بدأت في ليبيا، حيث ستتكشف اسرار ظلت خافية على الرأي العام الليبي والرأي العام العالمي، فالشعب الليبي ينتظر الكثير من كشف أسرار الحقبة الماضية، ينتظرون الكشف عن الذين قتلوا في سجن أبو سليم أواخر عقد تسعينيات القرن الماضي، وينتظرون أسرار عمليات الاعتقالات والاختطاف لمئات المواطنين الليبيين، ينتظرون أسرار السرقات التي قام بها أتباع القذافي وأبناؤه وحاشيته؛ حيث سيتكلم من بقي حيًا، ولم يعد يخاف من المحاسبة؛ حيث ذهب "البعبع" الذي كان يخوفهم ويهتفون بحياته حتى لا تلاحقهم سياط جلاديه.
واللبنانيون كذلك ينتظرون معرفة مصير موسى الصدر، الذي اختفى منذ ثلاثة عقود في ليبيا، وينتظرون جوابا شافيا لماذا اختفى؟ ولأي سبب اختفى؟ وهل قتل أم ما زال حيا؟
العالم ينتظر أسرار العمليات الإرهابية التي نفذتها أجهزة القذافي ضد أهداف مدنية.. وضحايا طائرة "لوكربي" ينتظرون معرفة من كان وراء تفجيرها فوق في اسكتلندا، والمقراحي المتهم الأول في تلك العملية، والذي يرقد على فراش الموت، يقول بأن هناك أناسًا آخرين يعرفون تفاصيل العملية، لاسيما وأن وزير الخارجية ورئيس المخابرات الليبية حي ويعرف كما هائلا من المعلومات.
لا نستغرب – اذن - أن نفاجأ بسيل من المعلومات والأسرار عن حقبة القذافي بعد مقتله، وبعد زوال عامل الخوف من نفوس الأحياء.
الأمر المهم هو البناء بعد هذا الهدم الكبير الذي أصاب البنى الاساسية في المدن الليبية طوال الأشهر الثمانية الماضية.. والبناء المادي أمره سهل - لاسيما عند توفر السيولة المالية - أما الأمر الجلل فهو اتفاق القوى التي شاركت في الانتفاضة ضد نظام القذافي، والصراع الذي قد يحصل بين الثوار الذين قدموا قرابة المائة ألف قتيل، وبين المعارضة التي لحقت بالثوار وشكلت المجلس الوطني الانتقالي، وبين تيارات قوى المعارضة ذاتها، خاصة بين التيارات الإسلامية والليبرالية واليسارية والقومية.
مهمة البناء أصعب من الهدم، فهدم بناية يتم خلال دقائق بل ثوان، أما بناؤها فيحتاج إلى أشهر عدة.. كما أن بناء الإنسان يحتاج إلى وقت طويل، لاسيما بعد أربعين سنة من الشحن الثقافي وتدريس الكتاب الأخضر، وبعد العديد من النظريات الخرافية التي سنها القذافي طيلة مدة حكمه. ------- * رئيس تحرير وكالة الصحافة العربية بالقاهرة. k@k-ghazy.com
أكثر...
د. خالد محمد غازي
من المؤكد أن العدالة تطلب منطقا آخر غير الانتقام والتشفي .. قتل العقيد الليبي معمر القذافي، على يد الثوار من أبناء شعبه، ورغم مطالبته لهم قبل قتله بأن يرحموه، إلا أنه لم يرحم شبابهم عندما قصفهم بالطائرات وفتح عليهم نيران المدافع الثقيلة، رافضا أن يحكم صوت العقل؛ لذلك كان مصيره أسوأ ممن سبقوه من الرؤساء العرب الذين هبت عليهم رياح "الياسمين"، فمنهم من هرب أو سجن، واختار العقيد مصيره بنفسه، وراح ضحية عناده ومكابرته وجنون عظمته، لكن الطريقة التي قتل بها القذافي لن تخدم بأي حال من الأحوال قضية العدالة في ليبيا، لقد سقط العقاب في فخ الجريمة، وهذا ما لا يرضاه أي قانون وضعي أو دين سماوي .
(1)
قتل مقاتل البادية، ودفنت معه أسرار عربية وأوروبية كثيرة جدا، ربما مقتله هذا رفع رؤوس العديد من الزعماء من تحت مقصلة الاتهامات، وكم كانت سعادتهم برحيله عن دنيانا، ورغم أن كل من يسري في عروقه الدم العربي كان ناقما على ما يفعله القذافي مع شعبه، بل ومع جميع شعوب العالم، إلا أن الجميع استنكر هذه النهاية المهينة له، الأسر، والقتل، والتمثيل بالجثة، ووضعها أضحوكة للجميع، بل وفرجة لكل من يريد تصويرها، أو الفرجة على رجل حكم بلاده اثنين وأربعين عاما أصيب خلالها بـ"عظمة الجنون".
نهاية القذافي كانت متوقعة، وحتى لو لم يقتله الثوار، واكتفوا باعتقاله فقط كان سيقتل نفسه؛ لأن "جنون العظمة" لديه كان يصور له الكثير من الأشياء، ناهيك عن صدمته الكبيرة في العديد من الدول الأفريقية التي رفضت استقباله، رغم انه كان يدعي انه ملك ملوك أفريقيا، ووصف ثوار ليبيا بالجرذان؛ فأمسكوا به وهو يختبئ في مأسورة الصرف الصحي ، وقال أيضا : "طاردوهم "بيت بيت وزنقة زنقة"، فطاردوه هم "شارع شارع وبيت بيت وزنقة زنقة" حتى وقع أسيرًا في أيدي الثوار وقتلوه.
(2)
رحل القذافي أكبر دكتاتور معمر، بعد أن أغرق ليبيا في ظلمات الجهل كثيرا، ولكن العقلاء كان يتمنون أن يلقي محاكمة عادلة وعاجلة وتنتزع منه الأسرار، ويعدم شرعيا، حتى لا تعطي فرصة للاتهامات.
من المؤكد أن المجلس الانتقالي الليبي، بدأ حكمه بـ"العار"؛ لأن قتل الأسير جريمة قانونية وسماوية، وعليهم أن يكفروا عن هذا الذنب، وأن يبدأوا في الشروع باعمار ليبيا، و دخول القرن الحادي والعشرين؛ ورغم أنه دخول متأخر، إلا أنهم قادرون على تحقيق ما فاتهم.
من أجل هذا نتساءل عن الأسرار الحقيقية وراء اغتيال معمر القذافي بدلًا من اعتقاله ومحاكمته؟ ولكن يبدو أننا لن نجد أجوبة شافية لهذه الأسئلة، إلا بعد الفرضيات التي طرحها مراقبون للشأن الليبي - قد تكون إحداها صحيحة وتفسر هذا اللغز.
الفرضية الأولى: أن يكون القذافي ضحية للفوضى التي اختارها هو بنفسه، حين وجد نفسه في مواجهة شعب استصغره بشكل مقيت، ووصفه بأبشع النعوت، وحين اختار مواجهته بالسلاح، تدفق بين أيدي مجموعات متعددة، كل واحدة اختارت اسما، بعضها مستلهم من التاريخ الإسلامي، وبعضها من تاريخ ليبيا، وبعضها من الفضاء القبلي؛ لذلك نجد ان من قتلوه ربما يكون من أجل أن ينسبوا هذا العمل لأنفسهم، ويؤكدوا للعالم كله - والمجتمع الليبي بشكل خاص - أنهم وضعوا خاتمة الجلاد الذي كان الليبيون يرتعشون حتى من اسمه .
الفرضية الثانية: تميل إلى قراءة معطيات ترتبط بالمعركة ككل؛ فسواء كان القذافي قنبلة تهدد بحرق المقربين منه سابقا؛ قبل أن ينقلبوا عليه ويتحولوا إلى مسؤولين بالمجلس الانتقالي أو الذين تحولوا إلى معارضين له دون أن يكونوا في المجلس.. فقد يكون هناك توجه لردم كل الأسرار التي يمكن أن تخرج بعد القبض عليه حيا؛ حيث ينتقل الصراع إلى داخل المساهمين في معارضته وإسقاطه، خصوصا أن أصواتا ارتفعت مباشرة بعد مقتله، تدعو إلى تنحية المسؤولين الذين خدموا معه لفترة، وعلى رأسهم محمود جبريل ومصطفى عبد الجليل، وهو صراع موجود وترجم في الظروف الغامضة لمقتل عبد الفتاح يونس قبل ذلك.
وهذه الفرضية قد يقبلها البعض، ولكن هنا نطرح سؤالًا: هل أجرى الثوار اتصالا بمصطفى عبدالجليل وأخبروه باعتقال القذافي أو أنهم في الطريق لاعتقاله؟ فإذا كان هذا قد حدث وطلب عبد الجليل أن يقتلوه، فتلك هي الجريمة التي من المفترض ألا يسكت عنها المجتمع الدولي.
والفرضية الثالثة: قد تكون في حسم كل التداعيات المحتملة لبقائه حيا؛ سواء في تحريك أنصاره ومؤيديه في عدد من المدن الليبية أو خارجها، فهم أظهروا جسارة واستماتة بخروجهم الى شوارع "طرابلس"، بالسلاح لمواجهة قوات الثوار والمجلس الانتقالي، وهم موجودون في عدد من المدن الأخرى بكثافة، وسيكون تحركهم على شكل عصابات، وهو أمر ذكره محمود جبريل، خلال زيارة وزيرة الخارجية الأمريكية لطرابلس قبل مقتل القذافي، وبذلك قد يكون قرار التصفية الفورية اغتيالا للهذه الاحتمالات.
والفرضية الرابعة : أن مقتل القذافي بهذه الصورة، قد يكون من مصلحة عدد من قادة الدول الذين شاركوا بقوة في إسقاطه، وسبق للقذافي وابنه سيف الإسلام أن هددا بفضح أسرار حملة الرئيس الفرنسي "نيكولا ساركوزي" الانتخايبة، كما تحدثت صحيفة "الجارديان"، عن علاقة غامضة كانت تجمع "توني بلير" رئيس مجلس الوزراء البريطاني السابق بـ"معمر القذافي"، وغيرها من الأسرار مع عدد من رؤساء الدول.
(3) الفرضيات تطرح لتفسر اللغز الغامض الذي سيظل يشغل العالم كله شهورا طويلة، خاصة بعدما دعت منظمة العفو الدولية السلطات الليبية الجديدة إلى إجراء تحقيق حول ظروف مقتل القذافي بهذه الطريقة .. محذرة من أنه إذا ما تأكد مقتله بصورة متعمدة بعد أسره، فستعتبر ذلك "جريمة حرب". وهو ما أعلنه كلاوديو كوردون المدير العام لهذه المنظمة غير الحكومية التي تتخذ من لندن مقرا، "إذا كان العقيد القذافي قتل بعد وقوعه في الأسر، فسيشكل ذلك جريمة حرب، ويتعين على المسؤولين عن قتله المثول أمام القضاء".
وقد أسر القذافي حيًّا من قبل مقاتلين ليبيين قرب معقله سرت، وقتل بعد قليل في ظروف ما زالت غامضة. وهذا ما حمل المفوضية العليا للأمم المتحدة لحقوق الإنسان على أن تطلب أيضا إجراء تحقيق.. مؤكدة على أن "ليبيا الجديدة يجب أن تبنى على احترام حقوق الإنسان والعدالة وليس على الانتقام".
وطالبت المفوضية بتشكيل لجنة للتحقيق في ملابسات مقتل "القذافي".. وقال المتحدث باسم المفوضية "روبرت كولفيل" إنه "فيما يتعلق بمقتل القذافي فإن الملابسات لا تزال غير واضحة. ونعتبر أن إجراء تحقيق هو أمر ضروري؛ في إشارة إلى المشاهد التي ظهرت على وسائل الإعلام حول اعتقال القذافي حيا قبل إعلان وفاته.
وبعد مقتل القذافي لابد أن نعترف بأن الغرب سيتنفس الصعداء لهذه النهاية، ولا يمكن أن نلوم القذافى على أنه اعتقد طوال فترة حياته أنه من أفضل الرجال، وأنه كان يفعل الصواب – طالم وجد من يغذي هذه النزعة - وهذا ما كتبه "روبرت فيسك" في مقاله بصحيفة "الإندبندنت" البريطانية ؛ فقال : إن هذه النهاية ستدفن معها العديد من الحقائق المؤلمة التي يمكن أن تثير جدلا واسعا في الغرب، فقد كانت حياة العقيد مليئة بالأحداث والأسرار المريبة والعلاقات الغريبة والمتشابكة، والنهاية الأفضل لشركاء وأصدقاء أي شخصية من هذا النوع، هي القتل المفاجئ بدون محاكمات وجلسات يكثر فيها الكلام والفضائح التي يمكن أن تضر بالآخرين، ومحامون يدافعون ويكشفون السر تلو الآخر.
وأوضح " فيسك "بأن العقيد لم يكن بعيدا عن عمليات تعذيب وقطع أعضاء جنسية ودعم متمردين وإرهابيين وإيواء لاجئين ومشبوهين ومعاملات مع حكومات وأجهزة مخابرات غربية، وتزويد حركات ومنظمات بالأسلحة مثل منظمة الجيش الجمهوري الأيرلندي وغيرها.
ولعل ذلك يفسر بوضوح: لماذا أحبه الغرب ثم كرهه ثم أحبه ثم كرهه. فقد رحبت به بريطانيا عندما انقلب على الملك إدريس السنوسي، ثم عادت لتكرهه بعد أن أمد الجيش الجمهوري الأيرلندي بالأسلحة. وقد أحبه توني بلير رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، ثم كرهه.. وداعبته هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية عبر جهاز "البلاك بيري" ثم عاد الغرب ليكرهه.
أيا كانت الفرضيات فإن الغرب قد تورط مع الرجل في كثير من الأمور.
(4) المرحلة الحرجة قد بدأت في ليبيا، حيث ستتكشف اسرار ظلت خافية على الرأي العام الليبي والرأي العام العالمي، فالشعب الليبي ينتظر الكثير من كشف أسرار الحقبة الماضية، ينتظرون الكشف عن الذين قتلوا في سجن أبو سليم أواخر عقد تسعينيات القرن الماضي، وينتظرون أسرار عمليات الاعتقالات والاختطاف لمئات المواطنين الليبيين، ينتظرون أسرار السرقات التي قام بها أتباع القذافي وأبناؤه وحاشيته؛ حيث سيتكلم من بقي حيًا، ولم يعد يخاف من المحاسبة؛ حيث ذهب "البعبع" الذي كان يخوفهم ويهتفون بحياته حتى لا تلاحقهم سياط جلاديه.
واللبنانيون كذلك ينتظرون معرفة مصير موسى الصدر، الذي اختفى منذ ثلاثة عقود في ليبيا، وينتظرون جوابا شافيا لماذا اختفى؟ ولأي سبب اختفى؟ وهل قتل أم ما زال حيا؟
العالم ينتظر أسرار العمليات الإرهابية التي نفذتها أجهزة القذافي ضد أهداف مدنية.. وضحايا طائرة "لوكربي" ينتظرون معرفة من كان وراء تفجيرها فوق في اسكتلندا، والمقراحي المتهم الأول في تلك العملية، والذي يرقد على فراش الموت، يقول بأن هناك أناسًا آخرين يعرفون تفاصيل العملية، لاسيما وأن وزير الخارجية ورئيس المخابرات الليبية حي ويعرف كما هائلا من المعلومات.
لا نستغرب – اذن - أن نفاجأ بسيل من المعلومات والأسرار عن حقبة القذافي بعد مقتله، وبعد زوال عامل الخوف من نفوس الأحياء.
الأمر المهم هو البناء بعد هذا الهدم الكبير الذي أصاب البنى الاساسية في المدن الليبية طوال الأشهر الثمانية الماضية.. والبناء المادي أمره سهل - لاسيما عند توفر السيولة المالية - أما الأمر الجلل فهو اتفاق القوى التي شاركت في الانتفاضة ضد نظام القذافي، والصراع الذي قد يحصل بين الثوار الذين قدموا قرابة المائة ألف قتيل، وبين المعارضة التي لحقت بالثوار وشكلت المجلس الوطني الانتقالي، وبين تيارات قوى المعارضة ذاتها، خاصة بين التيارات الإسلامية والليبرالية واليسارية والقومية.
مهمة البناء أصعب من الهدم، فهدم بناية يتم خلال دقائق بل ثوان، أما بناؤها فيحتاج إلى أشهر عدة.. كما أن بناء الإنسان يحتاج إلى وقت طويل، لاسيما بعد أربعين سنة من الشحن الثقافي وتدريس الكتاب الأخضر، وبعد العديد من النظريات الخرافية التي سنها القذافي طيلة مدة حكمه. ------- * رئيس تحرير وكالة الصحافة العربية بالقاهرة. k@k-ghazy.com
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية