"إن كارثة فوكوشيما التي تعد الآن، على الأقل في اليابان، نسخة جديدة من هيروشيما ونجازاكي، يجب أن تقود المجتمع الدولي بقوة وللأبد إلى مسار خال من الطاقة النووية "
ليستر براون ويول تشوي
في أغسطس الفائت، وبعد شهور فقط من أزمة مفاعل فوكوشيما النووي في اليابان، اجتمع المؤتمر العالمي لمناهضة القنابل الذرية والهيدروجينية لعام 2011 في كل من هيروشيما ونجازاكي، وهما المدينتان اليابانيتان اللتان دمرتا عام 1945 بالقنابل الذرية فأصبحتا للأبد ترتبطان بمولد الأسلحة النووية والعصر النووي. وقد نشأ هذا المؤتمر العالمي عام 1995 للعمل على حظر الأسلحة النووية وتبني التضامن والدعم للناجين من القنابل وضحايا الكوارث النووية.
وقد انضم إلينا عدد قليل من ضحايا كارثة فوكوشيما البالغ عددهم 70000 في اجتماع أغسطس، فزودوا الحاضرين بروايات مباشرة عن الآثار المدمرة للتلوث الإشعاعي. وبحسب التقارير التي قدمها شهود العيان هؤلاء، فإن نحو 300000 طفل من أطفال فوكوشيما يواصلون العيش في ظروف بائسة، حيث يتعرضون باستمرار لأخطار الإشعاع. والأخطار الصحية الناجمة عن الإشعاع هي أكثر فتكا بالأطفال من آثار الإشعاع على البالغين. وقد أصبحت فحوصات الدم السنوية الآن ضرورة لحفظ الحياة لتتبع ظهور أي مرض محتمل.
وبسبب تلوث التربة فإن تربة فوكوشيما لا يمكن حرثها مرة أخرى، وقد تم حظر استهلاك المحاصيل التي تنمو في مثل هذه المساحات بشدة. وقد أفلست الكثير من الشركات المحلية، كما أن نحو 20000 من الملاك الأفراد أصبحوا على وشك الإفلاس. كما قامت شركة طوكيو للطاقة الكهربائية مؤخرا بتسريح 7400 موظف بسبب التعويضات المالية التي ستدفعها لضحايا الحادث النووي. ورغم أن الشركة مازالت مكتفية ذاتية فإنه من المتوقع أن تنهار قريبا بسبب استثمارها الهائل في الطاقة النووية التي تواجه الآن مصيرا مجهولا في اليابان وأماكن أخرى.
ولا تقتصر آثار حادث فوكوشيما على شمال اليابان، فالحقيقة أن الحوادث النووية قد أصبحت حوادث عالمية. فرغم أن خمس وعشرين سنة كاملة قد مرت منذ كارثة تشرنوبل في الاتحاد السوفييتي السابق فمازال سكان تلك المنطقة لا يستطيعون استهلاك الفطر الذي ينمو في أجزاء معينة من جنوب ألمانيا بسبب الإشعاع الذي تحمله الرياح. فالإشعاع لا يعرف حدودا جغرافية. فإذا ما حدث حادث نووي على شواطئ الصين، مثلا، فإن مواطني كوريا واليابان سيكونون حتما عرضة للإشعاع.
وحتى لو تجاهلنا الأخطار البيئية المتعددة، فإن الطاقة النووية لا معنى لها من ناحية التحليل الاقتصادي. فالطاقة النووية ببساطة ليست اقتصادية عندما نأخذ في الحسبان تأثير المصروفات والنفقات غير المباشرة، ومن ثم فهي لا تستطيع المنافسة في سوق مفتوح غير مدعوم من أجل توليد الكهرباء. ففي أغلب الأحيان، في الحقيقة، تجد دافعي الضرائب مضطرين لدفع فاتورة التخلص من المخلفات المشعة وتخزينها. وقد أصبحت تكاليف التغطية التأمينية لمنشآت الطاقة النووية باهظة. كما أن تكاليف تفكيك منشأة نووية بعد تجاوزها لعمرها الافتراضي تساوي تقريبا التكاليف الإنشائية لبناء المنشأة من البداية. ومثل كثيرين، فإننا نرى أن البديل المنطقي الوحيد لسد الفجوة التي يحتمل أن تخلفها قلة الاهتمام بالطاقة النووية هو الاستثمار الأكبر والتسريع من إنتاج الطاقة الطبيعية المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لزيادة ما يتم إنتاجه عالميا من الوقود الأحفوري. إن بالإمكان مضاعفة كمية طاقة الرياح وحدها التي يتم إنتاجها على مستوى العالم بنسبة 30% سنويا، بحسب أكثر التقديرات تحفظا. وهناك الدنمارك التي تقوم بالفعل بإنتاج ربع طاقتها من الرياح، في حين أن هناك ثلاث ولايات ألمانية تلبي نحو 60% من احتياجاتها من نفس هذا المصدر. وفي ولاية لوا الأمريكية، التي تعد المؤشر الأمريكي للاستثمار في طاقة الرياح، يتم توليد نحو خمس احتياجات الولاية من الطاقة من الرياح.
ويؤكد تقرير نشر في مجلة العلوم أن بإمكان الصينيين زيادة ناتج بلادهم الراهن من الطاقة الكهربائية المتولدة من الرياح، حيث يمكن أن تكون القدرة التوليدية لمجمع واحد لتوليد الطاقة من الرياح في محافظة قانسو في شمال غرب الصين، عندما يكتمل، 38000 ميجاوات من الكهرباء، وهو قدر يكفي للإمداد بإجمالي الكهرباء التي تحتاجها دول بأكملها مثل بولندا ومصر.
إن مثل هذه المصادر النظيفة المتجددة للطاقة يجب أن تواصل استحواذها على القدر الأكبر من استثماراتنا في إنتاج الطاقة. فمن ثري مايل آيلاند إلى تشرنوبل إلى فوكوشيما، أثبتت الطاقة النووية أنها لا يمكن التنبؤ بها ومحفوفة بالمخاطر في أحسن الأحوال. فالهياكل المادية التي يبنيها الإنسان هي في طبيعتها عرضة لقوى الطبيعة، وبخاصة وسط تزايد اشتداد العواصف وتطرف أنماط المناخ عالميا والاضطراب الذي تسببه صفائح الأرض التكتونية المتحولة بشكل دائم.
إننا ندرك تماما أن هذه فكرة غريبة بالنسبة لكثيرين، ولكن تجربتنا في شمال اليابان تبين أنه حتى الاستثمارات الإضافية في الطاقة النووية تهدد وجود الحضارة الإنسانية ذاتها كما نعرفها. إن كارثة فوكوشيما – والتي تعد الآن، على الأقل في اليابان، نسخة جديدة من هيروشيما ونجازاكي – يجب أن تقود المجتمع الدولي بقوة وللأبد إلى مسار خال من الطاقة النووية.
* ليستر براون محلل بيئي أمريكي ومؤسس معهد وورلد ووتش ورئيس معهد سياسة الأرض في واشنطن، ويول تشوي هو مؤسس ورئيس مؤسسة كوريا الخضراء، وحصل على جائزة جولدمان للبيئة عام 1995 بسبب حركته المناهضة للتلوث النووي.
أكثر...
ليستر براون ويول تشوي
في أغسطس الفائت، وبعد شهور فقط من أزمة مفاعل فوكوشيما النووي في اليابان، اجتمع المؤتمر العالمي لمناهضة القنابل الذرية والهيدروجينية لعام 2011 في كل من هيروشيما ونجازاكي، وهما المدينتان اليابانيتان اللتان دمرتا عام 1945 بالقنابل الذرية فأصبحتا للأبد ترتبطان بمولد الأسلحة النووية والعصر النووي. وقد نشأ هذا المؤتمر العالمي عام 1995 للعمل على حظر الأسلحة النووية وتبني التضامن والدعم للناجين من القنابل وضحايا الكوارث النووية.
وقد انضم إلينا عدد قليل من ضحايا كارثة فوكوشيما البالغ عددهم 70000 في اجتماع أغسطس، فزودوا الحاضرين بروايات مباشرة عن الآثار المدمرة للتلوث الإشعاعي. وبحسب التقارير التي قدمها شهود العيان هؤلاء، فإن نحو 300000 طفل من أطفال فوكوشيما يواصلون العيش في ظروف بائسة، حيث يتعرضون باستمرار لأخطار الإشعاع. والأخطار الصحية الناجمة عن الإشعاع هي أكثر فتكا بالأطفال من آثار الإشعاع على البالغين. وقد أصبحت فحوصات الدم السنوية الآن ضرورة لحفظ الحياة لتتبع ظهور أي مرض محتمل.
وبسبب تلوث التربة فإن تربة فوكوشيما لا يمكن حرثها مرة أخرى، وقد تم حظر استهلاك المحاصيل التي تنمو في مثل هذه المساحات بشدة. وقد أفلست الكثير من الشركات المحلية، كما أن نحو 20000 من الملاك الأفراد أصبحوا على وشك الإفلاس. كما قامت شركة طوكيو للطاقة الكهربائية مؤخرا بتسريح 7400 موظف بسبب التعويضات المالية التي ستدفعها لضحايا الحادث النووي. ورغم أن الشركة مازالت مكتفية ذاتية فإنه من المتوقع أن تنهار قريبا بسبب استثمارها الهائل في الطاقة النووية التي تواجه الآن مصيرا مجهولا في اليابان وأماكن أخرى.
ولا تقتصر آثار حادث فوكوشيما على شمال اليابان، فالحقيقة أن الحوادث النووية قد أصبحت حوادث عالمية. فرغم أن خمس وعشرين سنة كاملة قد مرت منذ كارثة تشرنوبل في الاتحاد السوفييتي السابق فمازال سكان تلك المنطقة لا يستطيعون استهلاك الفطر الذي ينمو في أجزاء معينة من جنوب ألمانيا بسبب الإشعاع الذي تحمله الرياح. فالإشعاع لا يعرف حدودا جغرافية. فإذا ما حدث حادث نووي على شواطئ الصين، مثلا، فإن مواطني كوريا واليابان سيكونون حتما عرضة للإشعاع.
وحتى لو تجاهلنا الأخطار البيئية المتعددة، فإن الطاقة النووية لا معنى لها من ناحية التحليل الاقتصادي. فالطاقة النووية ببساطة ليست اقتصادية عندما نأخذ في الحسبان تأثير المصروفات والنفقات غير المباشرة، ومن ثم فهي لا تستطيع المنافسة في سوق مفتوح غير مدعوم من أجل توليد الكهرباء. ففي أغلب الأحيان، في الحقيقة، تجد دافعي الضرائب مضطرين لدفع فاتورة التخلص من المخلفات المشعة وتخزينها. وقد أصبحت تكاليف التغطية التأمينية لمنشآت الطاقة النووية باهظة. كما أن تكاليف تفكيك منشأة نووية بعد تجاوزها لعمرها الافتراضي تساوي تقريبا التكاليف الإنشائية لبناء المنشأة من البداية. ومثل كثيرين، فإننا نرى أن البديل المنطقي الوحيد لسد الفجوة التي يحتمل أن تخلفها قلة الاهتمام بالطاقة النووية هو الاستثمار الأكبر والتسريع من إنتاج الطاقة الطبيعية المتجددة مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، لزيادة ما يتم إنتاجه عالميا من الوقود الأحفوري. إن بالإمكان مضاعفة كمية طاقة الرياح وحدها التي يتم إنتاجها على مستوى العالم بنسبة 30% سنويا، بحسب أكثر التقديرات تحفظا. وهناك الدنمارك التي تقوم بالفعل بإنتاج ربع طاقتها من الرياح، في حين أن هناك ثلاث ولايات ألمانية تلبي نحو 60% من احتياجاتها من نفس هذا المصدر. وفي ولاية لوا الأمريكية، التي تعد المؤشر الأمريكي للاستثمار في طاقة الرياح، يتم توليد نحو خمس احتياجات الولاية من الطاقة من الرياح.
ويؤكد تقرير نشر في مجلة العلوم أن بإمكان الصينيين زيادة ناتج بلادهم الراهن من الطاقة الكهربائية المتولدة من الرياح، حيث يمكن أن تكون القدرة التوليدية لمجمع واحد لتوليد الطاقة من الرياح في محافظة قانسو في شمال غرب الصين، عندما يكتمل، 38000 ميجاوات من الكهرباء، وهو قدر يكفي للإمداد بإجمالي الكهرباء التي تحتاجها دول بأكملها مثل بولندا ومصر.
إن مثل هذه المصادر النظيفة المتجددة للطاقة يجب أن تواصل استحواذها على القدر الأكبر من استثماراتنا في إنتاج الطاقة. فمن ثري مايل آيلاند إلى تشرنوبل إلى فوكوشيما، أثبتت الطاقة النووية أنها لا يمكن التنبؤ بها ومحفوفة بالمخاطر في أحسن الأحوال. فالهياكل المادية التي يبنيها الإنسان هي في طبيعتها عرضة لقوى الطبيعة، وبخاصة وسط تزايد اشتداد العواصف وتطرف أنماط المناخ عالميا والاضطراب الذي تسببه صفائح الأرض التكتونية المتحولة بشكل دائم.
إننا ندرك تماما أن هذه فكرة غريبة بالنسبة لكثيرين، ولكن تجربتنا في شمال اليابان تبين أنه حتى الاستثمارات الإضافية في الطاقة النووية تهدد وجود الحضارة الإنسانية ذاتها كما نعرفها. إن كارثة فوكوشيما – والتي تعد الآن، على الأقل في اليابان، نسخة جديدة من هيروشيما ونجازاكي – يجب أن تقود المجتمع الدولي بقوة وللأبد إلى مسار خال من الطاقة النووية.
* ليستر براون محلل بيئي أمريكي ومؤسس معهد وورلد ووتش ورئيس معهد سياسة الأرض في واشنطن، ويول تشوي هو مؤسس ورئيس مؤسسة كوريا الخضراء، وحصل على جائزة جولدمان للبيئة عام 1995 بسبب حركته المناهضة للتلوث النووي.
أكثر...
¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية
---
أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية