العبط السياسي جديد ليت لي جناح

    • العبط السياسي جديد ليت لي جناح

      العبط السياسي





      مهما يكن من أمر فليس هناك غير عاملين أثنين يظهران بوضوح من بين عواملالحالة السياسية العامة خلال السنوات العشر الأخيرة أما الأول فهو تلك السياسةالماهرة التي حدت بالسلطان إلى أن يظهر أمام المسلمين بمظهر الزعيم الروحي للإسلام... وكان من نتيجة ذلك أن أصبح رعاياه يدينون له بالطاعة العمياء إلى حد لم يسبقله مثيل وأصبحوا يقبلون عن رضا باستبداده المطلق الذي لم يشهد التاريخ له شبيهاًمن قبل ... فإذا دعا سوء الحظ مسلماً إلى أن يحس بإرهاب الحكومة العنيف وطغيانهافإنه يعزو هذا المظلم إلى الموظفين ولا يعزو إلى السلطان عملاً فيه سوء ...


      ما أشبه اليوم بالبارحة فما قرأتموه أعلاه هو مقتطف من تقرير سنوي للقنصلية البريطانية فيأسطنبول كتب في عام 1907 يصف الحالة العامة داخل "الرجل المريض" الدولةالعثمانية في ظل حكم السلطان عبدالمجيد الذي أقر في عهده أول دستور للدولةالعثمانية وهو من ألغاه، وحقيقة تحتار كيف تصف ذلك السلطان فهو يقفز من خانة إلى خانةالضد فمن رجل السلام إلى السفاح، المصلح والمفسد، المتآمر والمحب، التقي الورع إلىالفاجر الفاسق، العادل الظالم، كلِ يصفه من وجهة نظره وكل مؤرخ له دوافعه النبيلةوغير النبيلة إلا أنهم أجمعوا على أنه خُلع بسبب استبداده وتفرده في الحكم وتعنتهوقمعه وعدم السماح لأي محاولة إصلاحية وأي حركة وطنية حرة تسعى لانتشال الرجلالمريض. ألا يحفز فيكم هذا ويحرضكم على تذكر ما تحفظه الذاكرة العمانية عن قابوس؟ألا يقال دوماً أن المشكلة في بطانة السلطان ومن ائتمنهم؟
      بالطبع يذكركم بالكثير من صفحات الدستور العماني ذلك الألبوم الحاوي صورمولانا -أدام الله ظله- إلا أن الكثير منكم بمجرد أن يسمع هذا الحديث أو أي حديثله علاقة بالوضع السياسي فيها وبطريقة أوتوماتيكية داخل دماغه يقوم بممارسةالانكار والاستعماء أو العمى والاستعباط السياسي، فالحديث في نظرهم لا يحتمل التطرق إلى ذلك الجانبأو لا يجوز.
      ذلك العبط السياسي إزاء كل ماله علاقة بتصرفات السلطان في إدارة البلاد وذلكالاستعماء الذي غرسته تصرفات النخب المفروضة قسراً علينا والتي تعتقد بأنها تلتمسالدفء من النار دون أن تحرقها فلا دفئت ولا احترقت ولا هم مصلحون، الكل يمارس هذاالدور، المؤسسات الثقافية والدينية والإعلامية والاجتماعية في البلاد والأفرادالكل يمارس ذلك العبط وكأن تلك النخب تملكأزراراً في رأسها فبمجرد أن يأتي الحديث عن الوضع السياسي والاقتصادي للبلاد ضغطواعلى تلك الأزرار ليتحولوا إلى عميان أمام مشاكل كثيرة في هذه البلاد سببها السلطانومشاكل أخرى لا يد للسلطان في وجودها لكن سياسته الحكيمة دائماً وسياسة حكومتهالرشيدة أبداً لها يد كبيرة في بقاءها وتفاقمها.


      أتمنى أن لا يفهم كلامي هنا على أنه دعوة للتمرد على السلطان والحديث عنهعلى الفاضي والمليان رغم أنه لا يمكن الحديث عن نظامنا السياسي دون التعرض للسلطانفهو الذي وضع نفسه في وجهنا فهل إلى تلك الدرجة يخشى على عُمان ومصلحتها حتى يتفردفي مشهدها السياسي ولا يحدد نظامها وطريقة إدارتها بعيداً عنه ويجعل الشعب شريكمعه في الحكم من خلال دستور يحترم المواطن ويحترم تاريخ هذا البلد، تاريخ فكرةاسمها عُمان لا دولة من دول التشظي الساسبيكوي؟ أم أنه مصر على أن يطبع اسمه في خانه علق الإمبرياليةالغربية الماصة لدماء الشعوب العربية؟


      لا أدعوكم أن تتحدثوا عنه، رغم أن الحديث عنه أصبح على عينك يا تاجر، لكنأدعوكم أن تعرفوا أن الاستبداد في كل مكان وفي كل الأزمان لا يختلف شكله ولا يغيرمقداره من حقيقته فقليله حرام أيضاً فلا يزيل عنه صفة الظلم، ولكن المشكلة فيمنيمارس العمى والعبط الاختياري أو الاستعماء وأنا هنا لا أتحدث عمن أعمته المنظومةالاجتماعية والثقافية في البلاد جبراً فهذا طبعاً بفضل أجهزتنا الأمنية التي منبينها بلا شك وزارة الإعلام والثقافة وسواها من أدوات الاستبداد والطغيان السياسيوأعني بحديثي هنا من كان المفترض منه أن يبين حقيقة المشهد من النخب لا أن يلعبدوره في مسرحية طويلة على خشبة مسرح الوطن ويتحدث عن مشاكل هذه البلاد ويحاول أنيفندها ويحاول إيجاد الحلول المناسبة لها وكأننا في ظل نظام لم يحل فيه السلطانقداسته وبركته على كل جزء ومفصل من هيكله التنظيمي فمن رئاسة الحكومة وعدة حقائبفيها (السلطة التنفيذية) إلى رئاسة مجلس عمان وزوائده الدودية (السلطة التشريعية)مروراً بمجلس القضاء الأعلى (السلطة التشريعية) وانتهاءً بكل الأجهزة الدفاعيةوالأمنية القمعية.


      لا يمكن الاستمرار قدماً في تلك المسرحية، أنا هنا لا أقصي الآخر فمن حق أياحد أن يكون من بين موالين للسلطان أو أن لا يراه عمداً أو جبراً، صدقاً أو ملقاً لا يراهسبباً في كثير من مشاكل هذه البلاد وسكانها ولكن ما لا يمكن قبوله لا عقلاً ولامنطقاً أن تكون تلك النظرة هي النظرة المتفردة والحقيقة الكاملة فأحسب أن عمانتتسع للجميع وأراهن بأن تلك الحقيقة التي يراها هؤلاء ستنهار أمام أول دقيقة يلتمسفيها الكثير من الناس الضمانات الكافية لأن يمارسوا حرية التعبير وحرية النقدالسياسي وحرية وجود المختلف والتكتل في كل المجالات، ضمانات يوفرها الدستوروالقانون ويحترمها السلطان والقائمين على تطبيقها إلى جانب احترام المواطن لها.


      كنت أقول سابقاً ولازلت أقول أن أي دستور لأي بلد هو أعلى وثيقة وأعلى سلطةفي البلاد وأسمى وأعلى من السلطان نفسه، ولو كان ذلك الدستور منحة منه فلا يحق لهمخالفته فالإرادة المنفردة مصدر الالتزام. وإن نجاح أي دستور سببه وجود إرادةتقترب سمواً منه تحترمه وتعمل به وتكمل عليه وتعدل عليه ما يلزمه من تعديلات التي تتماشىمع روح العصر وروح المواطنة وأن علينا كمواطنين أن ننظر للدستور بعين الغيرة ومالكالشيء لا بعين الهبة والمنة والمنحة والعطية السلطانية حتى نعتبره جزء من مشهدالعبط السلطاني السياسي مثلما هو قائم حالياً عندما يأتي ذكر دستورنا المسمى بالنظامالأساسي للدولة الذي لا يساوي بيسة حليانة في حقيقة الأمر كونه مولود ميت منذ أنخرج من رحم الإرادة السامية حتى تتعامل سامية معه بتلك الطريقة فلا سلطان يحترمهولا موكلين بتنفيذ نصوصه يحترمونه وبالتالي غيابه عن حياة المواطن وحضوره عندالنخب في حالة العبط السياسي فقط.


      أستطيع كمواطن يعرف وضع البلاد أن أتفهم وجود ذلك العمى والاستعباط السياسيمن النخب وأتفهم أسبابه ولكن مالا أفهمه هو وجود عبط من نوع آخر، عبط اللامعقوليةوهو نوع من العبط يحاول إضفاء الامعقولية على المعقول فمثلما قرأتم قبل قليل نصالجزء المقتطف من تقرير السفير البريطاني عن الدولة العثمانية فبلا شك بعضكمشعر أنه من غير المعقول تشابه النتائج والإرهاصات أو أن يشعر بالاكتراثعلى الأقل أو القلق مثلما تقلق الأم ويكترث الأب لتدهور صحة أبنه لمجرد ظهور أعراضلحالة مرضية معروفة فالاستبداد وأعراضه معروفه إلا أننا دائماً نستشعر المنظور القريبونضفي صفة غير المعقول ومالا يتصوره الذهن على البعيد الذي هو بالتأكيد أقرب منالقريب فالمتغيرات والأفكار إذا عصفت مجتمع ما عندها لا تعرف أنصاف الحلول فهيتفرض نفسها قسراً ورغماً عن أنف من أرادها بشروطه أو من لا يريدها والزمن هنا هوذلك العادل المستبد على كل مستبد فهذا ما أخبرنا عنه تاريخ الإنسانية كله ونحننعيش الآن على إثر هزة فكرية سياسية وحقوقية ومدنية وثقافية ومهما مارسنا ذلكالعبط والعمى ومهما جند كل مستبد جنوده وشحذت أنياب كل مستبد أكثر من المستبد فلايمكن الحيلولة دون مواجهة الحقيقة القائلة بكمون مأساتنا في ولي أمرنا وعندها نرىتلك الحقيقة واضحة كرؤية هلال شهر رمضان في يومه الثاني بعد فوات الأوان ونحاول أننعلق مشكلتنا عندها على نظرية المؤامرة والطرف الثالث مثلما ناح النائح ورثىالراثي على السلطان العثماني عبدالحميد.
      استمروا في ممارسة العبط والاستعماء فلا حقيقة ستقال فوق ما سيقوله التاريخلأجيالنا اللاحقة بأن هناك شعب ترك من يستبد فيه ويفرط ثروات البلاد وحقوق العبادباسم العبط والامعقولية وتحت ضغط الشعوربالفضل للسوبرمان المخلص والمنقذ.






      المصدر ليت لي جناح


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions