حكاية سرنمات (كتابة عن كتاب) - جديد وليد النبهاني

    • حكاية سرنمات (كتابة عن كتاب) - جديد وليد النبهاني

      حكاية سرنمات
      (كتابةٌ عن كتاب)
      قبل ست سنوات وتحديدا نهاية عام 2006م، كان خريج جامعة السلطان قابوس وليد النبهاني يمسك هاتفه في أحد مقاعد الخريجين، كتب في هاتفه عنواناً لأقصوصة جديدة من تلك الأقاصيص التي شرع في كتابتها بداية ذلك العام، كتب (لم يعزفوا فأمطرت) حين كانت السماء تمطر رذاذاً بعد أن توقفت الفرقة الموسيقية المخصصة لحفل التخرج عن العزف. يتذكر وليد النبهاني جيدا بداية هذا الهوس بكتابة الأقاصيص حين قرأ كتابا صغيرا لكاتب مجهول إلى معظم قراء اللغة العربية يدعى (أوغسطو مونتيروسو) الذي قدح شرارة الأقصوصة في الأدب العالمي بكتابته أقصر قصة قصيرة معروفة: الديناصور (سيقرأ وليد النبهاني فيما بعد تحليلا جميلا للقصة كتبه ماريو بارغاس يوسا في كتابه رسائل إلى روائي شاب). لم يكتب مونتيروسو في الكتاب الذي قرأه النبهاني تلك الأقصوصة فقط بل كتب عشرات الأقاصيص، وكتابه (أيها القناع الصغير أعرفك جيدا) كما يصفه جابرييل جارسيا ماركيز أحد عمالقة السرد العالمي خطير جدا، وخطورته " تكمن في الحكمة المتلصصة خلف كلماته وروعته القاتلة في الجد المتلبس لبوس الفكاهة والهزل". حين قرأ بعد ذلك في أحد معاجم الفلسفة عن فعل عصابي غريب يسمى (السرنمة) أو السير أثناء النوم ارتسمت في ذهنه فكرة خطيرة: ماذا لو أن هذا المسرنم أو السائر أثناء نومه كان يكتب ما يشاهده أثناء فعله الغريب ذاك في عمل سردي؟ من هنا اخترع وليد لنفسه لقباُ أصبح أصدقاؤه يطلقونه عليه (المسرنم)، صحيح أن وليد لم يكن مسرنما بالفعل لكن حالات الأرق الكثيرة التي تنتابه تسببت في هذه الكارثة الجميلة التي جعلته يصادق الأرق ويستسلم لإغواءاته المتكررة بعدم النوم، كان يمسك هاتفه كثيرا يسجل عليه ما يتخمر في ذهنه من أفكار قصصية أطلق عليها (سرنمات). منذ ذلك الوقت أعد تصورا لكتابه الأول الذي لن يكون قصصه القصيرة التي اعتاد على المشاركة بها في مسابقات محلية بل تلك الأقاصيص التي كان يلقيها على هامش تلك المسابقات أو في أمسياته القليلة التي كان يشارك فيها (سيتصادف بعد ذلك أن يصدر في عام واحد كتابه الأول مع كتابه الآخر الذي جمع فيه قصصه القصيرة). تصوَّر في ذهنه فعل السرنمة، كان يبدو غريبا وثوريا في آن واحد، فمن ناحية لغوية كانت كلمة (سرنمة) غريبة على معاجم اللغة التي اطلع عليها، رغم أنها نحت لكلمتين شائعتين في تلك المعاجم هما: السير والنوم، ومن ناحية واقعية كان من الغرابة أن تجد نائما يسير أثناء نومه، فالنائم في وضعه الطبيعي يكون مستلقيا في سريره أو كرسيه أو على الأرض. انطلق من هذا الفعل الغريب لغةً وواقعاً ليطبقه على الأقاصيص التي سيكتبها، فكتب في البداية أقصوصة منطلقة من القول المأثور (فاقد الشيء لا يعطيه)، سيفكر في هذا القول المأثور -الذي لم يكن يفهم معناه في طفولته مع أنه يتردد بكثرة- بطريقة مختلفة وسيصير عنوان الأقصوصة تحريفاً مقصوداً يقول (فاقد الشيء سيجده حتماً)، وسينطلق في بداية الأقصوصة من استعارة شهيرة عن فقدان التوازن، فتصبح هذه الاستعارة مادية بجعل التوازن شيئا قابلا للفقدان. تبدأ الأقصوصة بافتقاد أحدهم لتوازنه، ثم مضيه إلى الخارج ليبحث عنه، وبعد فشله في العثور على مكان توازنه يتذكر أخيرا أنه نسيه عند امرأة "أعطته متعتها ذات ليلة"، وهكذا فإن (فاقد الشيء سيجده حتما) إن فكر بالبحث عنه، ويتحول القول المأثور القديم إلى قول جديد بسرد حكاية. راح يكتب أقاصيص مماثلة باستدعاء استعارات شائعة في اللغة وهدمها ليبني على أنقاضها استعارات مختلفة غير مألوفة لدى القارئ، وستتفاوت الأقاصيص غرابةً وحبكةً فنيةً تبعاً لفهم القارئ للاستعارة الأصل المهدومة. شاع هذا النمط في كثير من الأقاصيص مثل: أقصوصة (الجريمة والغناء) التي يستدعي فيها عنوان رواية شهيرة هي (الجريمة والعقاب) وقولا مأثورا شائع شعبياً هو (ابعد عن الشر وغنيله)، إذ يصبح الشر ماديا يشترط على المجرم أن يغني كي يصبح خيرا. في أقصوصة أخرى عنوانها (ألف موعد وصدفة) يستدعي عنوان أحد أشهر الأعمال السردية العربية (ألف ليلة وليلة)، وأقوال أخرى مأثورة (صدفة خير من ألف ميعاد) و(عصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة) و(الطيور على أشكالها تقع). وهكذا في بقية الأقاصيص التي كثيرا ما اعتمدت على هدم استعارات شائعة وبناء استعارات جديدة. لم يكن هدفه اعتباطيا في الهدم والبناء حتى لا يكون الأمر مجرد احتيالات على اللغة في قالب سردي، فالموقف كان واضحاً لديه من كل ما هدمه في تلك الأقاصيص، كانت الأقصوصة الواحدة أشبه ببيان لديه يعبر فيه عن موقفه السياسي والاجتماعي والأدبي. سوف يتطور هذا الموقف في أقاصيص لاحقة، فبدلا من الاستعارات اللغوية سيستعير مشاهد مألوفة من واقع الحياة يكتبها بطريقة غير مألوفة لدى قارئها، ففي أقصوصة (ساموراي) لا يتورع عن نقد شاعر عربي كبير عبر عن موقفه من حرب أهلية قامت في بلده بالانتحار كما يفعل محارب ياباني تقليدي، وفي أقصوصتي (بروس واين كما ينبغي) و(ذو الرصاصة المبللة) يستعير شخصيتين تظهران في سلسلة أفلام سينمائية شهيرة هما جيمس بوند وبات مان. وفي أقاصيص (تملك) و(قيد بن آدم الأرضي) و(العجوز والكسول) يستعير شخصيات شهيرة من التاريخ العماني يؤلف بها تاريخا مختلفا كان يمكن أن يكون أجمل لو تعاملنا معه بغرابة بعيدة عن الواقع. في عام 2012م بعد ست سنوات من كتابة أول أقصوصة (أو سرنمة) يخرج كتاب (سرنمات) إلى النور بفضل حسن اللواتي الصديق الكاتب صاحب مدونة ساعي البريد، قال بأنه سيطبع الكتاب ضمن مشروع يعمل عليه منذ مدة، مشروع يقوم على بيع مشغولات يدوية وطباعة مؤلفات لكتاب عمانيين من ريع هذا المشروع. وسيعمل صديقه الآخر محمد زايد الحبسي على تصميم الكتاب رغم مصاعب عديدة مر بها أهمها تلك الأحداث العصيبة التي رافقت العام الفائت وما زالت تداعياتها قائمة إلى الآن.
      وليد النبهاني



      المصدر : مدونة وليد النبهاني


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions