قِراءة : قلبُ طِفل لـ هيركان هيسه - جديد بدرية العامري

    • قِراءة : قلبُ طِفل لـ هيركان هيسه - جديد بدرية العامري







      لن أكتُب شيئا رسميّا ألبتّة ، قلبُ طِفل .. أخذني ولم يُعدني إلى الآن .. قلبُ طِفلٍ في الحادية عشر من عُمرِه ، مخاوفه ، قلقه ، هواجِسه .. وهمه .. وذاك المدعو " تأنيب الضّمير" .. وما ترتّب على كُلّ ذاك من تداعياتٍ وحوادِث!
      صورة الأب .. الرّب في ذِهن ذلِك الطّفل .. الخطيئة والذّنب والمغفِرة .. وعالم المثاليّة والفضيلة .. وتمنِّي الموت هربا من المواجهة .. حقّا قلبُ طِفل!
      قلبُ طِفلٍ ازدحمت بِهِ الوصايا والأخلاق مع حبِّ المُغامرةِ والاكتشاف ... فأنتجت صِراعا عاشهُ الطِّفل ألقى بِظلالِهِ على يوميه الّلذان تدور فيهما رواية " قلب طِفل" لـ هرمان هيسه".. قلبُ طِفلٍ صورةٌ أُخرى لتأثير الأب/ الرّب .. والرّغبةُ والرّهبة... هذِهِ قِراءة مبدئيّة سـ تتلوها إن شاء الله قِراءة أُخرى أكثر تفصيلا.

      ***
      صباحٌ تلوّن بالشّحوب من أولى لمحاتِه ، فامتدّ ذلِك الشّحوب ليومٍ كامِلٍ .. صعد الطِّفل لوالِده الّذي ارتسمت صورته في ذِهن الطّفل بالرّب .. صعد ليشكو اعتلال مِزاجِه.. صعد للمكانِ المهيبِ في الطّابِق العلوي.. يُحاصره ضيقٌ من فِعلٍ سيِّئٍ لم يقترفهُ بعد .. يُربكهُ ذلِك الإحساس .. يخشى منه ، يخشى تحقّقه.. صعد لـ يتوب إلى والِده .. ويعترِف بأي خطأٍ كان لـ يتلاشى ذلِك الإحساس ..وبين فقدِ الأملِ والإحساس بالارتياح .. ترنّح الطِّفل عندما لم يجد والدهُ في مكتبِه وغُرفتِه..
      وكعادةِ الأطفال وحبّ الاكتِشاف .. لم يشأ الطِّفل أن يخرُج دونما جديدٍ يعرِفهُ عن مخبأِ والِده .. قلّب بعض الأشياء .. وهاتِف الشُّعور بالخطيئةِ يعوي داخِله .. رأي مجموعة دبابيس وريش أقلام .. ودن أيِّ حاجةٍ أخذ اثنين منها ودسّهما في جيبه .. ربّما كان الأمر تلبيةً لهاتِف الشِّرِّ ذاك .. قلّب الكثير ولم يجد ما يُجدِ هُناك.. فكِّر هُنيهة أن يُعيد ما أخذ لكي لا يُثقله الإحساس بالذّنب .. لكنّه قبل أن يخطو تلك الخطوة امتدّت يده لأحد الأدراج .. تمنّى لو يجد شيئا يُرضي غرور طفولتِه .. وفِعلا وجد "قِلادة كامِلة من تينٍ أصفر مغطّىً بالسُّكّر".. بنهمِ الطّفولةِ أخذ يكنِز جيوبه منها ، إلى أن تناقصت للنِّصف ، وبسذاجةِ الطّفولةِ وذكائِها قرّر توزيع ما تبقّى في القِلادة لكي لا يبدو الفارِق كبيرا بين قبل وبعد الانتشال.

      سريعا خرج بعد صيده الثّمين من التِّينِ المجفّف .. خبّأ ما تبقّى في خزانة كُتُبه.. وانضمّ إلى مائِدة الغداء الّتي نودِي لها ..تأخّر الطِّفل عن درسِ الرِّياضة لانشغالِه بهاجِس الذّنب وسرقته .. تفاقمت الفِكرة في ذِهنه .. إلى أن سيطرت عليهِ تماما .. ولم يستطع الفكاك منها أبدا .. ففي كُل لحظة يتوقّع أنّ المُصيبة حلّت وأنّ والدهُ اكتشف جريمته .. فيبدأ سيناريو العِقاب والتّأنيب .. لم يستطع كبح جِماح ذاك العذاب ، فخرج من البابِ الخلفي هارِبا .. ابتعد كثيرا عن المنزِل ، وكان كلّما ابتعد يظن أنّه قريب وبالإمكان الوصول إليه .. اِبتعد كثيرا لكن أعادهُ شِجارٌ حدث بينه وأحد زُملائِه.. فجّر فيه الطِّفل جامَ غضبِه وقلقِه وطاقتِه.. عاد بعد ذلِك إلى المنزِلِ في وقتٍ متأخِّرٍ ملطّخا بالدّمِ ممزَّق الثِّياب .. عاينتهُ أمّه واعتنت بِهِ .. وانتهى اليوم..
      تخلّل يومهُ ذلِك الكثير من الإحساس بالذّنب وتمنِّي الموت والحِقد على الكِبار ، وكُره الأب وحبِّهِ في آن...في اليوم التّالي والّذي كان يوم أحد.. استيقظ الطِّفل بمزاجٍ أفضل بكثيرٍ من يوم الأمس ، إذ كان وقع الإحساس بالذّنب أقل على روحِه.. تناول إفطارهُ مع والديهِ وأخواتِه .. وذهب للكنيسةِ معهم .. كان يوما خفيفا عليه .. استعاد فيهِ الكثير من الحياة .. بعد عودتِه من الكنيسة دخل لغرفتِه يسقى النّباتات ويرعى الفراشات .. وفجأة فُتِح باب الغُرفة .. لم يكترِث في بادِئ الأمر بذلِك .. غير أنّها حالما أحال رأسه ليرى الدّاخِل تفاجئ بوالِده.. تعاقبت على روحِهِ مشاعِر كثيرة ..كان قد تحلّل من أكثرِها ، ولم يشأ لها أن تُعاد ثانيةً فكرِه والدهُ " حدّقتُ في أبي مصعوقا ، لقد كرهته ، لمَ لمْ يأتِ البارِحة؟..فلستُ الآن مهيّأ لذلِك ...."
      تقدّم الأبُّ باتِّجاه خزانة الكُتُب ، وأخرج عدّة أقراص من خلف الكُتُب .. وسأل الطِّفل عن مصدرِها ..تفنّن الطِّفل في ابتداع قصّةً التِّين ، فأخبر والدهُ أنّه اشتراها وصاحبه من أحد المتاجِر ، وعن المال قال أنّه اشتراها بما جمعهُ هو وصديقه من "بنك التّوفير" الّذي كان بالمقرُبة من الطِّفل في غُرفتِه ، وعن قيمة التِّينِ واسم المحل أجاب الطِّفل بتفنُّن .. طلب الأب من طِفله أن يرتدي قبّعته ليذهبا للمتجرِ ، فيتأكّدا من صِدقِ ما يقول .. تناول الطِّفل قبّعته ، لكنّه استأذن والده للدّخولِ إلى الحمّام لدقائِق .. تمنّى الطِّفل أن يموت أو تحدُث مُعجزة تُثني والدهُ عن هذِه الخطّة ، لكنّ شيئا من ذلِك لم يحدُث "لو كان باستطاعتي أن أموت الآن ، مكثت دقيقة فاثنتين ، لم يكُن ذلِك مُجديا".
      دقائِق وخرج لوالِده..ذهبا للمتجرِ.. في الطّريق تذكّر الطِّفل أنّها يومُ أحد ، أي أنّ المتجر مُغلق .. سُرعان ما حدّث والدهُ بذلِك .. وببرودٍ وهُدوءٍ موجِع تدارك الأب .. أن حسنا لا بأس سنذهب إلى بيتِ صاحِب المتجر.
      في الطّريق حاول الطِّفل الحِفاظ على رباطةِ جأشِهِ ..وقريبا من منزِل صاحِب المتجر .. توقّف الطِّفلُ عن الحِراك ..فتوقّف الأبُ مستفسِرا .. قال الطِّفل أنّه لن يدخُل لمنزِلِ صاحب المتجر ، فهم الأبُّ الأمر .. وعادا أدراجهما ..
      صبرُ الأب وهدوئِه كانا يُعذِّبانِ روح الطِّفل .. تمنّى لو عنّفه ، لو ضربه ، لو فعل فيه أي شئ.. فهذا الهُدوء والصّبر يشدُّ من أعصابِهِ ويزيد من توتُّرِه .. ويقوِّي الإحساس بالذّنب.. و كُره الطِّفل لوالِده.
      "..لقد كان مهذّبا أكثر مما ينبغي ، وصالِحا أكثر مما ينبغي ، لا يُخطِئ أبدا..كان يجعلني دائِما أشعُر أنِّي ضئيلٌ بائِس"

      حالما وصلا إلى المنزِل .. كان الأبُّ إلى ذلِك الوقت مُحتفِظا بهدوئِهِ .. سأل الطِّفل وأجابه بإيماءةٍ من رأسِه.. عوقِب الطِّفلُ بالاحتجازِ في غُرفةٍ مُغلقة ، ولكن العقوبة فقدت جُزء من هيبتها ، فقد تعرّف الطِّفلُ في تِلك الغُرفة المُظلِمة المُغلقة على مجموعة من الكُتُب راح يقرأ فيها.






      المصدر : مدونة بدرية العامري


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions