نجم الدين - جديد وليد النبهاني

    • نجم الدين - جديد وليد النبهاني


      إلى بابا أبيض.....


      نجم الدين

      "لو لم تكوني من مخلوقات الله للعنتك لأبد الآبدين" كان وجه الشيخ نجم الدين يرتعد وهو يخاطب النجوم إثر عودته من عند الباصر في ليلة ذات سماء صافية، عمامته التي كانت تطوق رأسه وتتدلى ذؤابتها على عنقه سقطت على الأرض وبان شج طويل على رأسه الأصلع، الشج الذي لم يكن يريد أن ينساه.
      ***
      "أجل قد صعدتُ السماء." قالت بدرية لزوجها بِوَجَل، وهي تدرك مغبة قولها، إذ إن كلاماً كهذا لا بد أن يصل أسماع الشيخ نجم الدين. كان الزوج قد حلف في مجلس القرية، ودونما سبب مقنع للكثيرين، بطلاقها غداً إن لم تكن قد صعدت السماء اليوم بعد أن أعلن نسيبه حمد أمام الملأ أنه رأى فعواناً مطيرانياً حين كان يسقي نخيله البارحة. "هي طالق فإن كذبها بين. ولك أن تطأها هذا اليوم حتى مطلع الفجر بإذن الله." هكذا أفتى نجم الدين لزوج بدرية، لكن الزوج أخفق في وطئها تلك الليلة إذ ازداد الطلق عليها فولدت. توافدت النساء عليها لتهنئها بالمولود، في الوقت نفسه كانت تداري دموعها وهي تحتضن طفلها الأول كما لو أنها تبحث عن مخبأ له قبل أن يعود لطليقها بعد سنوات. بعد ثلاثة أشهر جاءتها الخاطبة ميّا التي عرضت عليها الزواج من شاب في قرية مجاورة كان مطلقا أيضاً. وافقت بدرية على الفور بعد أن أخبرها أخوها أن خاطبها رجل يملك مزارع سبق له أن قام بجداد نخيلها. في بيتها الجديد الذي يعج بالخادمات كانت بدرية هي من يطبخ الأكل كي لا يفلت منها زوج آخر بداعٍ آخر غير رؤية الفعوان المطيراني، ولم تعد تفكر بالصعود إلى السماء ولو مجازاً، حتى درجات السطح كانت تتطيّر منها وتترك مهمة تجفيف الفاغور إلى الخادمات كي لا ترى النجوم بوضوح في ليلة صافية. كانت تعد الخبز له في ذلك اليوم. عجنته ووضعته على الطوبج ثم جاء الزوج الذي لم يكن يحب خبزها كثيرا. "إن خبزت بيديك فأنت طالق" قال لها ثم ذهب لينام. تركت العجين من يدها سريعا وأمرت أختها برفع رغيف الخبز عن الطوبج قبل أن يحترق؛ كانت أختها ترقبها كي تتعلم منها الخبازة فوجدتها فرصة ثمينة لتطبيق ما تعلمته، أما بدرية فمضت إلى حيث زوجها. "هل خبزتِ؟" " لا. تركته لمريم" واقتربت منه وهي تمشي بثقل متحسسة بطنها المنتفخ. " لا تقتربي مني حتى أسأل شيخنا". " مادامت وضعت الخبز بيديها في الطوبج فقد خبزت وإن لم ترفع الرغيف بنفسها والله أعلم". أجاب نجم الدين على سؤاله. "جزاكم الله خيرا يا شيخنا. كنت أنا الجاهل سأقدم على الحرام".
      ***
      وضعت بدرية ولدا، ولم تمض ثلاثة أشهر حتى تزوجت مجددا من إمام المسجد. لم يكن محمد إمام مسجد فحسب؛ بل كان منشدا في إحدى الفرق التي أسسها شباب أخذوا بإحدى فتاوى الشيخ نجم الدين؛ كان يمتلك صوتا جميلا جعل منه (بلبل المسجد). قال الشيخ في فتواه: "أما الغناء فحرام إلا النواح والحداء والزجر". حين انتشرت الفتوى راح ملحن شاب كان من قبل تلميذاً للشيخ نجم الدين يضع لحنا جديدا استوحاه من صوت الزاجرة؛ فرد عليه محمد بأنشودة تعمد أن يضع فيها صوت الزاجرة كخلفية موسيقية للأنشودة. احتفى الشيخ نجم الدين كثيرًا بالأنشودة التي راجت أكثر من (كونشيرتو الزاجرة) التي لحنها ذلك الشاب، وعزفتها الفرقة الوطنية في حفلات عدة في أوروبا. كان محمد يحب بدرية كثيرا ويحب ولدها كذلك لكنه كان يحب أن يكون له ولد أيضا، فتزوج بامرأة أخرى ثم أتبعها بزوجة ثالثة فرابعة. كان يحب زوجاته جميعا لكنه يحب أن يكون له ولد أيضا، فنصحه الشيخ نجم الدين بالذهاب إلى الحج، فجعل من الحج عادة سنوية؛ إذ لم تكن الدولة تمنع المواطنين من الحج سنويا. حين انتشر وباء إنفلونزا الخنازير حدت الدولة من سفر المواطنين وجعلته مقتصرا على الفئات العمرية التي لديها مناعة كافية ضد المرض. كان بدر من الفئات التي لا يشملها الحظر، فاستمر في عادته السنوية لاسيما وأن الشيخ نجم الدين لم يصدر أي فتوى بمنع السفر بل اكتفى بإلقاء محاضرات دينية عن أثر أركان الإسلام في إكساب المسلم مناعة ضد شتى الأمراض، حتى إنه أشاد بإعلان تلفزيوني عن طفل كاد أن يقع له حادث سير لو أن أباه تأخر ثانية واحدة في دفع زكاة الفطر. كانت بدرية الوحيدة من زوجاته التي لا تخبز على الرغم من جودة خبزها، كما كانت الوحيدة التي لا تسافر للحج عبر الطائرة. في ذلك اليوم حدث خلاف بينه وبين أحد المصلين في المسجد: "من أفضل الأنبياء بعد سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه؟" "موسى عليه السلام" "لماذا؟" "لأن الله عز وجل ذكره في كتابه العزيز أكثر من إبراهيم عليه السلام" " أمتأكد أنت؟" " زوجاتي الأربع طوالق بإذن الله بعد سنة إن كان كلامي غير صحيح"
      ***
      أفتى نجم الدين: " هن طوالق والله أعلم" " كيف ذلك يا شيخنا؟ " " لأن الله تعالى قال في كتابه العزيز: واتبع ملة إبراهيم حنيفا" " بوركت يا شيخ. لعمري إننا في جهالة لو لم تكن بيننا موجودا " " وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"
      ***
      لم يتقدم لخطبة بدرية بعد ذلك أي أحد، فنسيت رغبتها في زوج يحتويها، وعاشت مع أخيها حمد ترقط الرطب المتساقط من مخرافته أثناء الجداد، وترقب السماء بعين حزينة لا سيما بعد تلك الليلة التي رأت فيها الشيخ نجم الدين يلعن النجوم وهو قادم من عند الباصر الذي كان يجيد قراءة النجوم ومداواة شج رأس نجم الدين.


      وليد النبهاني







      المصدر : مدونة وليد النبهاني


      ¨°o.O ( على كف القدر نمشي ولا ندري عن المكتوب ) O.o°¨
      ---
      أتمنى لكم إقامة طيبة في الساحة العمانية

      وأدعوكم للإستفادة بمقالات متقدمة في مجال التقنية والأمن الإلكتروني
      رابط مباشر للمقالات هنا. ومن لديه الرغبة بتعلم البرمجة بلغات مختلفة أعرض لكم بعض
      المشاريع التي برمجتها مفتوحة المصدر ومجانا للجميع من هنا. تجدون أيضا بعض البرامج المجانية التي قمت بتطويرها بذات الموقع ..
      والكثير من أسرار التقنية في عالمي الثاني
      Eagle Eye Digital Solutions