(1)
تشير الساعة إلى التاسعة صباحا، تجد عشرات الرجال والنساء مواطنون ووافدون يتجهون إلى ذلك المبنى الذي وقف شامخا لسنين طويلة يدان فيه المتهم بريئا كان أو مذنبا، ذلك المبنى الكائن في إحدى المناطق الاكثر ازدحاما في الخوير ينتظر الافراج عنه حتى يكتمل مجمع المحاكم قريبا. إنهم يوقفون سياراتهم فرادا وجماعات متجهون إلى حيث يقفون مع هذا المتهم أو ذاك. أجساد تتحرك بالدشداشة تارة وبالنطال تارة أخرى. وكنظام شاهدناه عدة مرات فلا بد أن ترى "البشت" على ذلك الشخص وتراه البدلة على شخص آخر قادم من جمهورية مصر العربية أو السودان الشقيق كمحامي يدافع عن حق أو عن باطل. وكإجراء احترازي يقيني من نظرات ذلك الشرطي او تلك الشرطية الذان يصران على عدم وجود هاتف نقال في الجيب أو الحقيبة فقد بادرت بترك هاتفي في سيارتي التي ركنتها بعيدا بسبب عدم وجود المواقف القريبة من مبنى المحكمة. ما إن "طلعت" إلى الطابق العلوي إلا واتفاجأ بعشرات الأشخاص بل ربما المئات ومن كافة الأعمار والجنسيات. وجدت ذلك المحامي الذي كان ندي منذ عدة سنوات منهمكما في وقفة مع عدة أشخاص. وجدت أرجلي تقودني للبحث عن شخص ربما أعرفه لكي يدلني عن قاعة الجلسة التي كنت بصدد حضورها.. أحدهم لمحني فناداني بالاسم وعندما ألحت وجهي وجدته أنه الفاضل مالك العبري - عضو مجلس الشورى لولاية الحمراء. فقد كان جالسا مع بعض الأشخاص يتسامرون في كراسيهم انتظارا للجلسة. عرفت فيما بعد أنه ليس عضو مجلس الشورى الوحيد الذي كان حاضرا وذلك عندما نادى أحد الحراس بأن يتقدم أعضاء مجلس الشورى للدخول الى القاعة قبل بقية الجمهور.. ملاحظة: لست صحفيا لأنقل الخبر هنا من جهة لا تقر بالتأثير وأنما ككاتب حاول جمع المعلومات من الذين دخلوا القاعة التي لم أحظى بدخولها.. لذلك فإن سردي للتفاصيل مزيج من الوقائع والتحليل والرأي الشخصي الذي لا ألزمه على أحد.. (2)
هذا يعقوب الحارثي وذك صلاح الحجري وثالث صلاح البلوشي، وهناك زينب سعيد وهناك الأستاذة طيبة المعولية وأخرى تشبه المتهمة بسمة الكيومية، عرفت فيما بعد أنها أختها الدكتورة التي جاءت لتؤازرها، وهناك والدها ووالدتها وزوجها وأخوه ووالده الذي أعرفه منذ الصغر، إذن الحاضرون هم الأهل وهم الأقارب وهم الأصدقاء. الحاضرون هم المحامون، الكتاب كانوا حاضرون أيضا، حمود الشكيلي كان حاضرا، خميس قلم كان ينقل ناظريه بين الوجوه التي عرفت بعضها ولم أعرف البعض الأخرى. بعضهم أتى إليّ يسلم رغم أني قد نسيت اسمه. مشهد تكرر لأكثر من ساعة ونحن ننتظر الاعلان عن موعد انعقاد الجلسة. تكلم أحدهم قائلا بأن الجلسة سوف تكون سرية. سرى نوع من الاستهجان في كيف أن تكون الجلسة سرية وسط الحضور الكثيف رجالا ونساءا. فبالاطلاع على القائمة المعلقة على الجدار كانت الاسماء التالية مسجلة لجلسة اليوم التي حجزت لتلك القاعة فقط:- باسمة الراجحية بدر الجابري بسمة الكيومية خالد النوفلي عبدالله الغيلاني محمد الفزاري محمود الرواحي محمود الجامودي مختار الهنائي ناصر الغيلاني سعيد الهاشمي (3)
إذن بحسب الاعلان المنشور في جدار المحكمة فسوف يتم محاكمة إحدى عشرة شخص تم ذكر اسمائهم أعلاه، على أنه في نفس ورقة النشرة أسماء أربعة أشخاص آخرين وهم:- حمود الراشدي حمد الخروصي علي المقبالي محمود الرواحي رغم حضوري من حين لآخر العديد من الفعاليات والأنشطة الثقافية سواء كانت في النادي الثقافي أو في جولدن توليب أو حتى في عمانتل التي تستضيف أنشطة لجمعية الكتاب والأدباء بالنسبة للأولى ولسبلة عمان الثقافية بالنسبة للثانية إلا أنني مازلت وحتى اليوم لا أعرف أسماء العديد من الأخوة وحتى الأخوات الذين التقي بهم في تلك الفعاليات. لذلك فإن الاسماء الواردة اعلاه ليست معروفة كثيرا لي رغم وجودها أيضا في الفيس بوك. عليه كان لابد أن استفسر عمن يعرفهم وعن أسباب وضعهم في قائمة خاصة. أكثر من شخص ذكر لي بأنها المجموعة الأكثر إثارة لأنها متهمة بالإساءة إلى المقام السامي يحفظه الله ويرعاه. تلك الاساءة كنت قد استهجنتها في الفيس بوك وإن كانت جدلية في بعض الأمور؛ فمثلا، عبارة "يا المدعي العام تعرف عايض؟" لم أكن أعرف دلالتها. ولما سألت فقد قيل لي أنها وردت في مسرحية لطارق العلي لتدل على وجود شخص شاذ يدعى عايض. ماذا يقصد الشخص الذي حمل اللافتة إذن؟ كذلك كان هناك جدل حول لافتة أخرى تم رفعها أمام الادعاء العام منذ عدة أسابيع تقول "خف علينا راعي لندن".. تلك اللافتة تداول معناها في عدة مواقع انترنتية أجمع الكثيرون على أنها إشار إلى جلالة السلطان الذي يقضي الاجازة السنوية في اوروبا وتصادف وجوده في لندن اثناء احتفال الملكة بعيدها الستين. منذ يومين قيل لي بأن الشخص حامل اللافتة لم يكن هو الذين قد كتبها وإنما وجدها في الأرض فحملها واعتقد انها تخص علي الحبسي. وعندما انتشرت الكتابات عنها في المنتديات العمانية فقد سارع إلى التواصل مع ادارة الحارة لحذفها. (4)
وحيث أن الانتظار صار طويلا، فلم يكن هناك مفر سوى الحديث مع هذا الصديق أو ذلك المحامي أو الانضمام إلى نقاش عابر. إلى أن جاء موعد الاعلان عن فتح باب القاعة. عند الباب تجمع أفراد الأمن ضابط وضابطان بالإضافة إلى أفراد أمن نسائي تلبسن اللبس الأزرق لم أكن أعرف أية جهة أمنية يمثلن. مر أمامي ضابط برتبة رائد سلمّ عليّ، وطبعا حاولت أن اتذكر من هو فلم افلح، ولأن اسمه مكتوب فقد رددت عليّ السلام باسمه المكتوب على قميصه. بعد ذلك نادى المنادي بأن يدخل أقارب كل من حمود الراشدي وحمد الخروصي وعلي المقبالي ومحمود الرواحي. هناك من قال أن الجلسة سرية لأنه تم منع دخولنا، وسرعان ما سرى استهجان حول ذلك المغزى من سرية الجلسة. ففي النظام الأساسي للدولة فإن الجلسات علنية مالم تعلن المحكمة خلاف ذلك. ومن خلاف استقرائي لضوابط الجلسات فقد وجدت أن الجلسة السريعة تعقد في حالتين: وهي إذا كانت الجريمة في الأداب العامة مثل جرائم زنا المحارم لما فيها من خصوصية اجتماعية حساسة جدا، أو جرائم أمن الدولة. كنت قد لمحت المحامي يعقوب الحارثي فسألته عن معنى أن تكون المحاكمة سرية فقال إنها ليست سرية وإنما هي إجراء تنظيمي فقط، حيث يرى القاضي أنه من الأفضل عدم دخول عامة الناس حتى لا يرتبك سير المحاكمة خاصة أن الحشد كبير. لكن ذلك الاستفسار لم يشبع فضولي فيما بعد لأنه سمح للمجموعة الثانية التي كان من المفترض أن تكون هي الأولى؛ أي يكون يسمح للمجموعة الثانية ولم يسمح للمجموعة الأولى بحجة تنظيم المحاكمة، حيث أن نفس الحاضرين سوف يحضرون لكلتا الجلستين كما يبدو.. بعد دخول بعض أقارب المجموعة الصغيرة تشعب الحديث مع الأخوة والأصدقاء في عدة جوانب والتي من بينها من حرّك موضوع الاعتقالات. هناك من قال أن بعض الشيوخ وأعيان البلاد لم تعجبهم الصور والكتابات المسيئة مؤخرا فكتبت خطابا إلى المقام السامي تشرح فيه ذلك وتطالب جلالته يحفظه الله بالتدخل، وبالتالي أصدر جلالته أوامره السامية إلى الجهات المعنية بالتحرك. وكمراقب للوضع فإنه يمكن القول بصحة ذلك كون الاعتقالات قد تم بشكل لم نعهده من قبل سواء من حيث الكيف أوالكم أو حتى مدة الاعتقال وعدم السماح للمعتقلين بالاتصال بذوييهم إلا بعد مضي عدة أيام رغم أن معظم التهم تصنف على أنها جنح لا تستدعي كل تلك المدة من الاعتقال لحين المحكمة خاصة أن بعضهم المتهمين من أمثال سعيد الهاشمي وباسمة الراجحية وبسمة الكيومية قد اقتيدوا مباشرة من السجن إلى المحكمة ولم يوافق القاضي على الافراج عنهم رغم طلب المتهمين وطلب المحامين بذلك.. (5)
رغم جودة التكييف في قاعة الانتظار في البداية إلا أنه مع تزاحم الأشخاص رجالا ونساءا بدأت حرارة تلك الغرفة في الارتفاع، فامتزجت روائح القادم من عرق يوليو بروائح ذلك القابع منتظرا منذ الصباح الباكر. فهناك من أتى من أهل المتهمين منذ أن فتحت المحكمة أبوابها رغم أنه من المتعارف عن القاعات لا تفتح قبل الساعة التاسعة. بدا الجو مشحونا من كافة الاطراف، فمثلا أخت باسمة الراجحية كانت حاضرة وفي حالة توتر بادية عليها، إنها حالة انسانية من الترقب تجعل الإنسان يضرب أخماسا في أسداس. فحكم القاضي الابتدائي وإن لم يكن نهائيا باعتبار أن هناك ثلاثة مراحل للتقاضي في السلطنة فإنه حكم قد يدخل البهجة أو قد يبعث صيحة كبرى في القاعة إذا كانت هناك إدانة خاصة إذا امتدت لأكثر من سنة. لذلك لم يكن غريبا أن تجد الأشخاص رجالا ونساءا يجوبون قاعة الانتظار ذهابا وإيابا بعدما طال الانتظار. متى سوف تفتح القاعة مرة أخرى؟ متى سوف تنتهي محاكمة الأربعة الخاصة لندخل محاكمة الأحد عشر؟ لذلك لم يكن غريبا عليّ وعلى الآخرين أن يبدأ التزاحم على باب قاعة المحاكمة قلما تقدم الوقت. شيئا فشيئا بدأ الجميع يكون أقرب إلى ذلك الباب، وشيئا فشيئا زاد عدد أفراد الأمن الحامل بعضهم لمسدس صغير. وحيث أن هناك النسوة اللاتي تنتظرن أيضا ولا يمكن بأي حال من الاحوال مزاحمة الرجال فكان بديهيا أن يتم منحهم المسافة الكافية للانتظار قرب باب القاعة حتى ينطلقن بأريحية بخلاف نحن الرجال، ورغم ذلك فإن الأمر لم يمنع مزاحمة الرجال مع النساء إلا أنه ومع وجود رجال الأمن استطاعت النساء الدخول إلى القاعة مع مساعدة الأخ خميس قلم الذي أصر على ابعاد الرجال الذين بداوا في التزاحم بعدما تم فتح باب قاعة المحاكمة. كان الازدحام شديدا ومزعجا أيضا وذلك بعدما تلاقت المقدمات مع المؤخرات بشكل غير متوقع. فالكل يريد أن يدخل القاعة، والكل كان متعطشا للاستماع للمرافعات والمداولات، والكل كان يريد أن يشهد تاريخا في ذلك. إنه حشر لم أشهده إلا عندما كنت صغيرا أزاحم غير تحت سيارة متحركة تنثر المال هنا وهناك. لقد دخل من دخل وعندما كنت قاب قوسين أو أدنى صدني رجلا أمن بجسديهما فلم أتمكن من الدخول وإن كنت على عتبة الباب أرى الأستاذة طيبة المعولية تؤشر عليّ بالدخول، لكن رجلا الأمن كانا أقوى مني (6)
كان الحال محبطا، فقد قاب قوسين أو أدنى أن أدخل القاعة لأستمع إلى الحدث وأنقله مباشرة إلى حيث يطلع عليه القارئ مع ظني في نفس الوقت طلب الادعاء العام بعدم السماح للصحف المحلية بالنشر في اليوم التالي – كما حدث في قضية جريدة الزمن. كنت مستاءا إلى حد كبير لكن سرعان ما تبدد استيائي عندما طمئني أحدهم قائلا بأنه لمح بعض الكتاب ومعهم بعض الأوراق مما يعني بأنهم سوف يكتبون ما يدور من مداولات بين كافة الأطراف، كما لمحت وجود بعض الأخوة والأخوات الذين سوف أتواصل معهم لنقل الصورة قدر المستطاع حتى وإن لم يكونوا قد دونوا تلك المداولات، فهناك شيء اسمه ذاكرة الإنسان؛ أي أنهم سوف ينقلون الحدث من خلال تذكرهم لما صار دون الحاجة إلى التدوين. هذا بالطبع يعتمد على الاتساع الذهني لكل فرد ربما عملا بقاعدة "ميلر" التي تقول بأن الانسان يستطيع أن يتذكر سبعة أشياء (زائد او ناقص اثنين) في الوقت الواحد. سحبت بدني المكترش لأجلس في أقرب كرسي بعدما قبل قليل كانت كل الكراسي مشغولة. تحدثت قليلا مع هذا الأخ ومع ذلك الصديق منتظرا، لكن الانتظار طار. وعند احتساب الوقت الذي سوف يستغرقه السجال مع أحد عشر متهما فقد ظننته أنه سوف يطول ويطول، لذلك فضلت الخروج من مبنى المحكمة والانتظار كالقرفصاء لحين ما تنتهي المحاكمة وأقوم بإجراء الاتصالات هنا وهناك. إذن كانت الخطة البديلة هي أن أجرى الاتصالات لأعرف ما حدث، ولأن الروايات سوف تختلف في نقل الحدث من حيث التفاصيل لكنها تتطابق من حيث الأحداث فقد تواصلت مع عدة أشخاص هاتفيا لينقلوا لي الحدث. ولعل الحدث يبدأ من حيث منعت أنا من الدخول. بالطبع أي حدث داخل محكمة يبدأ بالمنادة باسم فضيلة القاضي الذي يترأس الجلسة في المحكمة الابتدائية وثلاثة قضاة في محكمة الاستئناف وخمسة قضاة في المحكمة العليا. ويكون بجانب القاضي ممثل الادعاء العام الذي يعتبر جزءا من المنظومة القضائية لكنه في نفس الوقت يمثل المجتمع في ذلك الجانب، فهو يدافع عن مبادئ ونظام واخلاق واعراف المجتمع. أي يكون محايدا بين الخصوم، وإن كان ذلك من الجانب النظري لكن الجانب العملي قد أثبت أن حيادية الادعاء العام ليست دائما واقعية بل تتسلل إليها منغصات؛ كما حدث في قضية جريدة الزمن عندما حرك الادعاء العام قضية بمكالمة هاتفية من وزير العدل السابق من الولايات المتحدة. كما أن الادعاء العام نفسه قد سبق أن تم الاعتراض عليه مساره من قبل بعض أعضاء الادعاء العام الذي تظاهروا العام المنصرم بل وطالبوا بإقالة المدعي العام نفسه.. (7)
(8)
كان سعيد بن سلطان الهاشمي أول من تحدث، كان صوته عاليا وجاذبا للانتباه. بدأ سعيد نحيل الجسم معتل الصحة لكن صوته لم يكن ذلك، سعيد الذي تعرض للضرب المبرح من قبل جهة معينة قيدت ضد مجهول في تحقيقات الشرطة شد الحضور في حديثه المفصل. فقد بدأ حديثه قائلا أن الادعاء العام ارتكب جملة من الانتهاكات؛ فقد تم اعتقاله بشكل تعسفي وتم استخدام كلمات بذيئة من قبل الذين اعتقلوه مثل كلمة "يا حيوانات"، كما أن طريقة القبض كانت باستخدام قيد بلاستيكي مؤلم. ذكر الهاشمي أيضا أنه ولمدة ستة أيام على التوالي لم يتم التحقيق معه مطلقا وإنما ترك في زنزانة انفرادية بها أربعات مكيفات تخرج هواء شديد البرودة، وكل مكيف بأربعة أطنان من الهواء البارد. وأسلف أنه تعرض للظلم بعدم تمكين ذويه من زيارته وعدم تمكينه من حضور محامي له، فقد تم منع الزيارة عليه بالكامل، وعندما كان يتحدث إلى السجان فكان الرد هو أنهم يتلقون "أوامر عليا" عليهم تنفيذها. سعيد دافع عن التهم الموجهة إليه قائلا أنه يمارس حقا شرعيا كفله النظام الأساسي للدولة. كما أنه يرى أن هناك استقصاد شخصي ضده لما تم سجنه انفراديا، وأنه لم يتم التحقيق معه إلا في اليوم الثامن من سجنه. سرد الهاشمي المزيد من الأحداث وذلك بحسب الأسئلة التي يوجهها إليه فضيلة القاضي والتي كانت كالتالي:- هل كنت متواجدا في الاعتصام؟ فيرد سعيد بأنه ليس اعتصام وانما وقفة تضامنية. كم يوم شاركت؟ سعيد شارك طيلة الأيام الثلاثة. ما سبب تواجدكم في الموقع؟ سعيد: هي وقفة احتجاجية للتعبير عن الرأي، وقد رفعت لائحة فيها مادتين من مواد النظام الأساسي للدولة. هل سببت عرقلة في المرور؟ لم نسبب أية عرقلة لأن وقوفنا لم يكن في ساعات الذروة وإنما كانت بعيدة عن الشارع وفي مواقف السيارات، وكانت حركة السير طبيعية وسلسة، الأمن هم من عرقل المرور بأعداد كبرة عند اعتقالنا. كيف عرفت عن الوقفة؟ سعيد: كانت هناك دعوات بالفيس بوك. هل تم انذاركم؟ سعيد: في اليوم الثاني فقط أتى ضابط برتبة عقيد وتناقشنا معا فرد علينا بأنه ليس لديه مانع من الاستمرار طالما أنه ليس هناك عرقلة للسير، في اليوم الثالث فقط أتى ضابط آخر وطلب منا الخروج في غضون خمس دقائق وإلا تم الاعتقال.. (9)
من ضمن الأمور التي ذكرها سعيد الهاشمي استيائه من البيان الذي نشره الادعاء العام، حيث قال أن البيان اعتبر المتهمين "محرضين وأبرز المسيئين". فكيف يقوم الادعاء العام بنشر تهمة قبل البدء في التحقيق؟ كما أفاد سعيد الهاشمي بحالته الصحية التي تدهورت نتيجة اضرابه عن الطعام خاصة أنه قد سبق أن تعرض للضرب، لذلك يطالب هو بالإفراج عنه لمراعاة تلك الظروف الصحية أيضا، تلك المطالبة شملت معظم المتهمين الذين أفادوا بوجود حالات صحية لديهم. باسمة الراجحية تحدثت، أنصت إليها الحاضرون. هي الأخرى كانت مضربة عن الطعام، لذلك فقد بان عليها واضحا تأثير الاضراب على بدنها، ومع ذلك تكلمت بصوت سمعه الجميع. قالت أنها ترفض التهم برمتها، وأنها تنكر تهمة اهانة موظف عام ومستعدة لمواجهة الشخص الذي يدعي إهانته، حيث أن ذلك يتحمل أكثر من تأويل، لذلك تطالب المحكمة إحظار الشرطي الذي يدعي إهانتها له. أضافت الراجحية إلى أنها شعرت بالإهانة عندما طلبت منها إحدى الشرطيات أن "تتعرى" للتفتيش عليها، فلقد تطور العلم وأصبحت أجهزة الكشف موجودة، فلماذا التعري؟ جدير بالذكر فقد طلب من المتهمة "منى الجهورية" التعري بغرض التفتيش ولبت طلبهم وإن كان هناك من قال لها فيما بعد أنه كان يتوجب عليها الرفض لأن ذلك إجراء يمس من كرامة الإنسان. وقد أفادت باسمة الراجحية أنه في حالة إصرار الشرطية على التعري فسوف تقوم بالاعتصام، لذلك تم تفتشيها دون التعري. من ضمن الأمور أيضا التي ذكرتها باسمة الراجحية سوء المعاملة من بعض الشرطيات خاصة أنها تعاني من مرض الربو، ولذا فقد طالبت الإفراج عنها كونها تمارس حقا شرعيا متمثلا في حرية التعبير عن الرأي ومراعاة لمكانتها الاجتماعية وظروفها الصحية. (10)
الأقوال تتداخل، من ضمن ما قاله سعيد الهاشمي لفضيلة القاضي أنه (أي سعيد) تعرض للظلم الشديد وأن الادعاء العام "يتبلى عليه" فكان رد القاضي مفرحا: هذا المكان سوف ينصفك. الكل يريد الانصاف يا فضيلة القاضي. كذلك ذكرت باسمة الراجحية أن الربو كان يؤثر عليها صحيا وهي في السجن، فردت إحدى الشرطيات آنذاك أنها (أي باسمة) هي التي أضربت عن الطعام، بل وقالت لها الشرطية أيضا بانها لن تسفعها حتى الموت. فردت عليها باسمة بأنهم مسئولون عنها في حالة وفاتها لأنها تحت حمايتهم. ذكرت باسمة أيضا أن الشرطية قالت: خليها تموت، هي اللي اضربت. كذلك استنكرت باسمة السجن لفترة طويلة، فهل تستدعي التهم مدة السجن تلك!! جاء الدور لأن تتحدث بسمة الكيومية. فقد قالت بأنها تحترم النظام الأساسي للدولة وقد وقعت تعهدا بذلك، غير أن هناك انتهاكات لهذا النظام، وقد ضربت مثالا لحالة حبيبة الهنائية التي تم اعتقالها وعدم السماح لها بقبول محامي رغم وجود توكيل رسمي لها. أردفت الكيومية ترد على فضيلة القاضي عن اللافتة التي كانت تحملها فقالت أنه كان مكتوبا عليها (افرجوا عن عمان)، فسألها القاضي إن كانت عمان مسجونة فردت على فضيلته قائلة أن اعتقال أي مواطن عماني يعني اعتقال عمان كلها. جدير بالذكر فقد أغمى على بسمة الكيومية ثلاث مرات وهي في السجن نتيجة مرض الربو الذي تعاني هي الأخرى منه، وقد وصلت حالتها إلى مرحلة سيئة جدا صحيا، كما طلب منها التعري أيضا لكن مع الاصرار بالرفض فكانت هي ووفاء البوسعيدية وباسمة الراجحية قد رفضن ذلك الاجراء المهين في كرامتهن حتى وإن كان ذلك التعري أمام نساء من بني جنسهن. وأمر التعري تكرر ذكره أيضا. بسمة الكيومية ربما تكون من أكثر الشابات تعرضا للإساءة في حياتها الخاصة وفي فكرها وحتى في لبسها، الكثير من الأشياء السيئة كتب عنها خاصة في المنتديات العمانية، ومع ذلك لم ترفع قضية إهانة كرامة بل ظلت صامدة رغم كافة الأشياء الشنيعة التي يتم شنها عليها من حين لآخر. ورغم اختلافنا معها في بعض الأمور الفكرية إلا أنها تبقى مواطنة لها فكرها الذي ينبغي أن نحترمه ونقدره. (11)
إنه الشاعر محمود الرواحي الذي جلس في كرسي متحرك، فضلا عن تهمة التجمهر فإنه يواجه تهمة التحريض من خلال أشعاره كما ورد في صحيفة اتهام الادعاء العام له. أما ناصر الغيلاني فقد تحدث بصوت عال قائلا: إذا اعتقل ابن لكم ولا تعرفوا عنه شيئا، فماذا أنتم فاعلون؟ أليست هناك انسانية؟ واستسرد القول أن الادعاء العام يسيء إلينا من خلال البيان الذي أصدره. لما أتى الدور على مختار الرواحي ووجه له فضيلة القاضي نفس الأسئلة التي سبق أن وجهها فضيلته على المتهمين السابقين فقد كان رد مختار على سؤال القاضي عن المشاركة أنه في اليوم الأول كان مارا "على السريع" ومسك لوحة لكنه لم يرفعها، أما في اليوم الثاني فقد بقي في المنطقة المحيطة لكنه لم يكن معهم. في اليوم الثالث فقط كان واقفا لمدة خمس دقائق ليغطي الاحداث لجريدة الزمن. الهنائي متهم أيضا بمخالفة اللوائح الادارية كونه قد نشر مقالين أو ثلاثة في جريدة الزمن دون وجود تصريح صحفي صادر له.
إن القول الأكثر أثرا على العديد من الحاضرين هو لبدر الجابري. فقد كان حديثه أكثر تأثيرا على النفس عندما شرح الأحداث التي ابتدأت بحضوره في اليوم الأخير فقط، لديه طفل معاق عمره سنتين ويحتاج إلى مراجعة دائمة في المستشفيات، كما أن لديه أخت تعاني من مرض نفسي وبحاجة إلى اهتمام اجتماعي خاص. ذهب إلى الوقفة الاحتجاجية كونه متعاطفا مع زميل له في العمل قد تم اعتقاله أيضا. كلام الجابري وطريقة السرد الزمت الكثير الصمت والاستماع إليه بنظرة إنسانية فيه الشفقة والعطف. فهو الشاب المتزن الذي لم يخطيء يوما في حق انسان حتى في حواراته في المنتديات العمانية. فكيف يجد نفسه فجأة حبيسا لمجرد أنه أراد أن يتضامن من أصدقاء له؟
كافة المحامين وهم: يعقوب الحارثي، عبدالخالق المعمري، بدر البحري، سامي السعدي، صلاح البلوشي، وعبدالله النوفلي قد تطوعوا للدفاع عن المتهمين. لم يتقاضوا فلسا واحدا وإنما هبوا في الدفاع عن هؤلاء المتهمين الذين طالبوا بتحقيق العدالة وإنصافهم من أي ظلم وقع عليهم.
بعدما أمر فضيلة القاضي برفع الجلسة وعقدها مرة أخرى يوم الاربعاء 27 يونيو فقد تدافق الكثير من الحضور رجالا ونساءا إلى قفص المتهمين. الأم تبكي أمام ابنتها لترجع إلى المنزل، والزوج على استحياء يرى العاطفة والألم في نفس الوقت، والصديق يعانق صديقه الذي كأنه لم يراه دهرا. منظر مؤلم ومؤثر في نفس الوقت. إنها الانسانية تتجلى في أبسط معانيها. إنها الأخوة تعلو على الذات، إنه الدم الذي لم تتحلل جزيئاته ليصبح ماء. إنه الوطن الذي تجمع بين هؤلاء.
انتهت الجلسة الأولى
(12)
(13)
(14)
عبء الإثبات... إن تتهم شخصا بكلام فذلك سهل، لكن عليك أن تثبت تلك التهمة بما يقطع الشك باليقين. فالبينة على من ادعى، واليمين على من أنكر.. وعب الاثبات يقع على عاتق الادعاء العام إذا مثل المجتمع. وفي قضية المتهمين بالتجمهر فإن الادعاء العام لم يستطيع أن يقدم الاثبات على التجمهر، هذا على الأقل من وجهة نظر المحامين ومن وجهة نظر الحاضرين في القاعة، وفي النهاية فإن فضيلة القاضي هو الذي يقرر ذلك الاثبات. لكن ذلك هو البداية فقط. حيث أن الادعاء العام كان قد أورد أكثر من تهمة لأكثر من شخص لتوريطهم بأي شكل في هذه القضية. وقد اعتقد الادعاء العام أن تهمة اهانة موظف سوف يؤخذ بها وسوف تكون تهمة ميقنة على باسمة الراجحية. كانت باسمة أول أمس قد طلبت من فضيلة القاضي احضار الشخص الذي ادعى أنها أهانته حتى تواجهه بتلك التهمة. كما هو معروف فإن كل شاهد يحضر إلى المحكمة فإن عليه أن يؤدي القسم أولا، أي يحلف على المصحف الشريف بأن ما يقول صحيح. بالطبع لا يعني أن كل من حلف على المصحف الشريف يقول الحق، ولا يعني أيضا أن فضيلة القاضي – أي قاضي كان – سوف يصدق الشاهد بمجرد أنه حلف على المصحف الشريف. لذلك قام الادعاء العام بإحضار الشاهد الوحيد على تهمة اهانة الكرامة الموجهة إلى باسمة الراجحية. وبعدما حلف على المصحف الشريف فقد تم توجيه عدة أسئلة إلى ذلك الشرطي الضابط الذي كان برتبة مقدم. كان السؤال بسيطا: هل سمعت المتهمة تقول عنكم "الغربان"؟ في تلك اللحظة وربما وبعدما أقسم اليمين على المصحف الشريف فإنه لم يجد نفسه إلا أن يقول الحق الذي أذهل الادعاء العام: لا لم أسمعها تقول ذلك. إذن من الذي سمعها تقول ذلك؟ رد الضابط الأمين مع نفسه: سمعت أحد الأفراد يقول أنها قالت ذلك. من هو الفرد الذي سمعته؟ رد الضابط بأنه لا يعرف ولم يستطع أن يحدده. شاهد لم يسمع الاهانة... شاهد ما شافش حاجة.. كيف إذن أيها المدعي العام تريد أن ترمي التهمة على مواطنة بإهانة الكرامة والشاهد نفسه يقول أنه لم يسمعها؟ (15)
"عندما كنت أريد أن أذهب إلى دورة المياه فقد كان الشرطة بالسجن تدخلني معصوب العينين وفي جونية ومقيد في أرجلي، كنت مسجونا انفراديا مع وجود الموسيقى الصاخبة حتى وقت الصلاة والتكييف البارد جدا وكذلك الإضاءة العالية". هكذا استهل محمد الفزاري حديثه أمام فضيلة القاضي، إذ يقول أنه تعرض للتعذيب النفسي فضلا عن وجود مشكلة آلام الظهر التي تلازمه. أما محمد الجامودي فإنه لم يمكث في القاعة إلا دقائق معدودة بعدما أصابه الاعياء فأغمي عليه فتطلب الامر استدعاء الاسعاف التي حضرت على الفور فنقلته إلى مستشفى الشرطة. إذن هناك تعذيب نفسي يؤدي إلى إيذاء جسماني حتى وإن لم يكن واضحا، فالتكييف البارد جدا والموسيقى الصاخبة طول الوقت والإضاءة العالية ما هي إلا وسائل يعتبرها البعض قانونية كونها لا تترك أثرا على المسجون في حين يعتبرها الآخرون أنها منافية للقانون أيضا. أسلفت أن "شاهد الإثبات وهو الضابط برتبة المقدم وتحت القسم أنكر أنه سمع باسمة الراجحية تقول عن الشرطة أنهم "غربان"، وبالتالي يكون الشاهد وكما وصفه المحامي عبدالخالق المعمري في الجلسة "شاهد ما شافش حاجة".. كما أن نفس الضابط تم توجيه إليه أسئلة حول الاخلال بالنظام العام وعن التجمهر فكان رد ذلك الضابط بأن "الحركة سالكة مع بعض البطء، وأن الشارع لم يكن متوقفا". شاهد الاثبات لم يحضر إلى مكان الوقفة إلا في اليوم الثالث. وكانت التكنولوجيا في خدمة الجلسة لما تم الاستعانة بخرائط "جوجل ايرث" التي وضحت المكان المقصود فيه. ولذلك فإن عضو الادعاء العام ظل ساكتا عندما ذكر شاهد الاثبات عن أن الطريق كان سالكا ولم تكن هناك عرقلة فيه. كما أن الادعاء العام لم يجادل حول الخرائط والقرائن التي قدمها المحامون والتي أثبتت عدم وجود إخلال بالنظام العام بخلاف ما جاء في صحيفة الادعاء. أضاف يعقوب الحارثي في ذلك السياق أنه بطبع الناس التوقف حتى ولو كان شخص "مبنشر له تايرة". وهذا ما يقودنا إلى المشهد الذي يتكرر كل يوم في شوارعنا العمانية: لمجرد وقوع مخالفة او حادث يتباطأ الشارع، فهل يعني ذلك أن نسجن الناس؟ كما أن الفعل هنا وهو الوقوف هو أيضا متعمد من قبل الأشخاص الفضوليين الذين بالفعل يعرقلون السير، ومع ذلك ليس هناك أي اجراء قانوني يتمثل في اعتقال الناس. فضلا عن ذلك فإن الاعتقال لم يتم إلا في اليوم الأخير، خاصة أن الشرطة سمحت في اليوم السابق بوسائل الاعلام الدخول في موقع الوقفة، كما أن الضابط العقيد الذي حضر اليوم الأول واليوم الثاني لم يأمرهم بمغادرة المكان أيضا، فلماذا تم الاعتقال في اليوم الثالث فقط رغم أن المشهد ذاته تكرر كل يوم وبدون اخلال؟ يتبــــــــــع المصدر : بن دارس