غازي.. تركتنا أيتام - جديد عمود انارة

    • غازي.. تركتنا أيتام - جديد عمود انارة


      ديباجة:


      إن سـاءلوكِ فـقولي: لـم أبعْ قلمي ... ولـم أدنّـس بـسوق الزيف أفكاري


      .....
      بموته فقد الخليج واحد من أنجب أبناءه، أجد صعوبة شخصية في الكتابة عن غازي القصيبي، لأن هذا الرجل الموسوعي أثرى الخليج ليس بأدبه وإدارته فحسب، بل بكونه نموذجا للعطاء في أقصى درجاته.


      اختلف كثيرون معه في توجهاته الفكرية، ومشاريعه الأدبية، وقراراته الإدارية، ولكن يتفق الجميع حتى خصومه على حبه لوطنه وإخلاصه لأمته وإيمانه بقضاياه التي عاش حياته كلها يدافع عنها ببسالة. قال أحد خصومه يرثيه: توفي القصيبي ولا يمتلك برجا من أبراج الرياض!


      ملء العالم بصخب العقل، ومضى في صمت مطبق! كان ذراع السلطة الأيمن وقلب البسطاء الكبير. حقق معادلة صعبة قلما يستطيعها بشر في عالمنا العربي على وجه الخصوص، فهو مثقف ومسؤول في السلطة! لأن الجمع بينهما من المستحيلات العربية!


      ولكن الفرق أن القصيبي لم يكن مجرد موظف، بل كان رجل دولة، حين لا تتفق رأيته الوطنية مع رؤية السلطة، يعبر عن رفضه مسجلا موقفا وطنيا فريدا. لا يمكن لأحد أن ينسى رسالته حين كان وزيرا للصحة والتي وجهها إلى الملك فهد، وكانت عبارة عن قصيدة "الرسالة الأخيرة من المنتبي إلى سيف الدولة" بعد أن تعب من تدخلات الآخرين في قراراته. نشرها في جريدة الجزيرة بشكل مفاجئ، مطلعها:


      بيني وبينك ألف واشٍ ينعبُ ... فإلام أسهب في الغناء وأطنبُ


      وهو ما اعتبر خروجا على قوانين اللعبة السياسية في المنطقة العربية بشكل عام. فأتى قرار إعفاءه من منصبه. لكن القصيبي لم ينكسر، لأن الرجل ممتلئ من الداخل، بعد أن أسس نفسه بمعارفه وخبرته فإن ذهب منصب أتى آخر.


      بعد هنيهه عين سفيرا لبلده في البحرين التي نشأ فيها وأحبها. وهو ما اعتبره البعض تهميشا، ولكن القصيبي كان يؤدي عمله بكل تفاني واخلاص. بعدها كان سفيرا لبلاده في لندن عاصمة الضباب. عمل لسنوات وحقق علاقات دوبلوماسية واسعة، ولكن حين تقاطعت تلك العلاقات مع قناعاته بعدالة القضية الفلسطينة رثى الشهيدة آيات الأخرس، بقصيدة مطلعها:


      يشهد الله أنكم شهداءُ.. يشهد الأنبياء والأولياءُ


      مُتـّمُ كي تعزّ كِلمة ربي.. في ربوع أعزها الإسراء.


      فتكالبت عليه اللوبيات والمنظمات الصهيونية فعاد إلى بلاده وزيرا للمياه ثم وزيرا للعمل. وفي وزارة العمل خاض حربا ضروسا مع تجار الفيزا. كان صاحب قرار يعمل تحت الشمس ولا يهرب من قضاياه. رحم الله غازي وأسكنه فسيح جناته، وجزاه الله عن أمته خير الجزاء.


      Twitter:@7shr










      المصدر : عمود انارة