رمضان .. والسلوكيات المالية السليمة جديد علي المسكري

    • رمضان .. والسلوكيات المالية السليمة جديد علي المسكري


      المقال الذي نشرته في مجلة (الخزينة) عدد شهر يوليو 2012 :


      شهر رمضان محطة إصلاحية عامة ، كل سنة تشرق علينا أنواره ، بتعاليمها السامية الجميلة ، فتكون لنا فرصة حقا رائعة ، لمراجعة سلوكياتنا ، وفي كل جوانب حياتنا ، ومنها الجوانب المالية والإقتصادية ، ولعرضها على مقاييس متزنة ، هي أرقى المقاييس التي تعرفها البشرية في هذا العصر الإنفتاحي ، فيمكنها أن تهذب مفاهيمنا الشخصية ، وترتقي بحياتنا.



      للأسف الشديد ، فإن أكثر الاسر المسلمة يرتفع إستهلاكها الإعتيادي في هذا الشهر الفضيل ، ويجعلون منه شهرا للبذخ والإسراف وتبذير النقود ، مع أن التعاليم الإيمانية توجهنا إلى الإعتدال في الإنفاق ، خصوصا في هذا الشهر المبارك ، فيجب علينا إذا أن ننتبه أولا إلى الأفكار التي تدفعنا إلى المبالغة في الإسراف خلال هذا الشهر خاصة ، لأنها أفكار لا تدعم إيمانياتنا ، ولا ميزانياتنا.



      كيف نجعل هذا الشهر الكريم فرصة لاكتساب بعض السلوكيات المالية والإستهلاكية السليمة ، والتنبه كذلك لتلك السلوكيات الخاطئة ، والتي كثيرا ما نقوم بها بسبب ضعف الوعي المالي ، والتي تتسبب في هدر الطاقة المالية للفرد والاسرة والمجتمع ، تابع معنا ، واكسب بعض الأفكار ، و وفر بعض النقود!



      هناك بعض التدابير التي يمكنها أن تساعد في ضبط سلوكيات الإنفاق لدينا خلال شهر رمضان الفضيل ، منها ما يلي:



      - كتابة قائمة بالإحتياجات قبل الذهاب إلى التسوق.



      من الأدوات العملية الحكيمة والتي سوف تحد بدرجة واضحة من إهدارك للنقود مقابل أغراض لا تلزمك ، هو أن تكتب قائمة بالأشياء التي تحتاجها ، والتي تحتاجها فعليا فقط.



      وضع هذه القائمة مهم جدا ، فهي تعزز وعيك المالي ، حيث أنها تجعلك تميز بوضوح وشفافية بين ما تحتاجه فعلا ، وبين ما يمكنك الإستغناء عنه ، وهي كذلك توجهك أثناء التسوق مباشرة إلى الأرفف التي تحتاج زيارتها ، وتوفر عليك وقت الدوران العشوائي داخل السوق.



      - عدم إعداد كميات كبيرة من الطعام تفيض عن حاجة الاسرة الفعلية.



      بحسب المسوحات الرسمية فإن الإنفاق الاسري الأعلى يكون على الطعام ، فهو يستهلك أكثر من 30% من مصاريف الاسرة العمانية ، ولذلك يجب التنبه لهذا الجانب ، من أجل ضبط الإنفاق المبالغ فيه على الطعام ، فكثيرا ما يكون إنفاقا غير أساسي ، ويمكن الإستغناء عنه ، وتوفير قيمته.



      ومن العادات السيئة التي تهدر الكثير من ميزانية الاسرة في هذا الجانب ، هي إعداد كميات كبيرة من الطعام تزيد عن الحاجة الفعلية للاسرة ، ويلاحظ تزايد هذا الأمر في شهر رمضان.



      يجب على ربات البيوت تحمل مسؤولية خاصة في هذا الجانب ، فيجب عليهن إعداد وجبات لا تزيد عن حاجة الاسرة ، لأن هذا يثقل كاهل معيل الاسرة ، ويعود الأبناء على عدم المبالاة في الإسراف.



      - عدم المبالغة في إقامة الولائم والعزومات.



      يتميز شهر رمضان المبارك بأجواء إجتماعية رائعة ، حيث يتشجع الناس على تبادل الزيارات العائلية ، وهذا أمر جيد بلا شك ، ولكن بشرط أن لا يكون ذلك عبء ماليا على الاسرة المستضيفة ، وأن لا يكون كذلك تضييعا لوقت طويل من وقتهم ، وكما يقول المثل الشعبي: صديق مخسر = عدو مبين!



      ليس بالضرورة أن تكون هذه الزيارات والولائم مستمرة بشكل شبه يومي طوال شهر رمضان ، بل يمكن أن تكون مرة واحدة أو مرتين في الاسبوع الواحد ، وذلك بحسب المستوى المالي للاسرة ، وبحسب إستعدادها لاستقبال الزيارات.



      وكما اشتكى إلي أحد الأصدقاء من أنه يعاني من الزيارات الرمضانية المطولة التي يباغته بها بعض أصدقائه ، مستخدمين معه سياسة فرض الأمر الواقع! فأجبته مازحا: أخبرهم أنك تفضل أن يشرفوك بالزيارة بعد صلاة الظهر ، حتى تتمكنوا من الحديث من دون مضغ!



      حتى لا تنقطع الزيارات بسبب الوضع المالي للاسرة ، فإن أحد الحلول هو أن تكون الزيارات مختصرة ، من ناحية الوقت ، ومن ناحية الوجبة أيضا ، حيث ليس من الضروري أن تستمر (الرمسة) إلى وقت متأخر من الليل ، وليس من الضروري كذلك أن تكون العزومة على عشاء دسم ، بل يمكن بدل ذلك أن تكون الدعوة إلى (قهوة) وحلويات وعصائر مثلا ، وليس هذا بخلا ، وإنما مراعاة.



      - تخزين الطعام الباقي.



      يحدث كثيرا في شهر رمضان أن تبقى كميات معتبرة من عدة أنواع من الطعام ، ولا مشكلة كبيرة في ذلك ما دمنا لن نتخلص منها في برميل القمامة ، وأحد الحلول الممتازة لهذا الأمر ، هو أن نحتفظ بهذه الأطعمة في الثلاجة ، لكي نتمكن من تقديمها في اليوم التالي ، فالثلاجات الحديثة يمكنها أن تحفظ الطعام بصورة جيدة ، ولفترات طويلة.



      هناك بديل آخر عن تخزين الطعام الجاهز ، وهو أن يتم إرساله إلى بيوت الجيران ، كنوع من الصلة الودية ، أو كنوع من الصدقة التي تعني الكثير بالنسبة إلى الاسر الفقيرة ، وهذا متناسب تماما مع التوجيهات السماوية الكريمة ، وهنا كذلك لا ننسى العمال ذوي الدخل المحدود ، فهم يستحقون منا التقدير والصدقة ، خصوصا في شهر المحبة والخير والعطاء.



      - الإكتفاء بأقل عدد ممكن من مكيفات الهواء.



      إن حلول شهر رمضان هذه السنة في أشهر الصيف سوف يزيد من حاجة الناس إلى استخدام أجهزة تكييف الهواء ، وهو أمر أصبح ضروريا في هذا الموسم القائض ، في معظم مناطق السلطنة ، عدا منطقة صلالة التي يلطفها الخريف المنعش ، وبعض المناطق الأخرى ذات المناخات الإستثنائية.



      ربما يدرك الجميع أن مكيفات الهواء ، ورغم أهميتها ، إلا أنها من الأجهزة ذات الإستهلاك الكهربائي العالي ، خصوصا تلك التي لم تأخذ نصيبها من التنظيف الإعتيادي والصيانة الدورية.



      ليس من الضروري أن نبقي كل أجهزة التكييف الموجودة في البيت تعمل ، خصوصا للاسر ذات الدخل المنخفض ، فيمكن مثلا أن ينام الأطفال في غرفة الوالدين ، بدل أن نضطر إلى تشغيل مكيف غرفة الأطفال.



      - التقليل من مشاهدة التلفزيون.



      لقد أصبح التلفزيون شيء شبه أساسي في كل بيت ، ولن نكون مبالغين إذا قلنا إن الفضائيات قد جعلت من شهر رمضان الفضيل موسم الذروة لبرامجها ، وبكل أنواعها ، وتمارس لتسويقها كل وسائل الإغراء والدعاية ، وهذا بلا شك يعطي نتائجه التي يخططون لها ، وهو زيادة عدد المشاهدين ، وزيادة عدد ساعات متابعاتهم.



      التلفزيون له منافعه التي لا يمكن إنكارها ، ولكن كذلك له مضاره التي تجعل من الحكمة ضبط إستخدامنا له ، والتحكم في أوقات عكوفنا عليه ، خصوصا خلال هذا الشهر ، الذي تزداد فيه عموما وتيرة العرض التلفزيوني.



      هنا لن نتكلم عن تأثيرات التلفزيون السلبية على الصحة الجسدية والفكرية ، ولكن سوف ننبه إلى أنه من الأجهزة عالية الإستهلاك الكهربائي ، وتشغيله لفترات طويلة سوف يرفع قيمة الفاتورة الكهربائية ، التي نحتاج إلى تخفيضها بدلا من ذلك ، وإدراك هذا الأمر مهم جدا ، خصوصا بالنسبة للاسر منخفضة الدخل.



      - لا تصر على الإفطار في مكان معيين.



      يصر الكثير من الشباب الذين يعملون في مناطق بعيدة عن قراهم على الإفطار في بيوت عائلاتهم ، وهذه عاطفة يمكن تفهمها ، حيث الأجواء العائلية الرمضانية الجميلة ، أنهم يشعرون بالسعادة والرضى بقربهم من الزوجات والأبناء والآباء والإخوان ، وكذلك من أجل الإستمتاع بالأكلات الرمضانية الشعبية ، التي لا تتوفر عادة في المطاعم.



      يقطع كثير من هؤلاء الشباب يوميا مسافات تزيد أحيانا على 200 كيلو متر ذهابا ، و 200 كيلو متر اخرى إيابا!! ويكون الواحد منهم أحيانا في حالة من التعب وضعف التركيز ، بسبب العمل ، وبسبب الصوم كذلك ، وقد يكون الواحد منهم كذلك في حالة من الإستعجال ، وقد تكون الشوارع أحيانا مزدحمة ، كل تلك العوامل تجعلنا نعيد النظر في هذه العادة الخطيرة ، والتي قد تكلف الإنسان الكثير ، نسأل الله السلامة للجميع.



      مثل هذه العادة قد تكلف الشخص يوميا حوالي 5 ريالات ، أي ما يقارب 150 ريالا خلال شهر رمضان ، أليس من الأفضل أن يوفر مثل هذا المبلغ من أجل مستلزمات العيد التي تنتظره؟؟!



      نقترح على هؤلاء الشباب بأن يكتفوا بالإجازة الاسبوعية كي يكونوا بين أهلهم بأمان واطمئنان ، فيومان من الإستقرار أفضل من اسبوع من التنقل والإستعجال والمخاطرات ، مع توفير عدة ريالات قد تحتاجها بشدة من أجل متطلبات العيد.



      رمضان مبارك .. ودمتم بعافية












      المصدر : علي المسكري