إنسان الغد بمواجهة تحدِّيات ثورة العصر - جديد بدرية العامري

    • إنسان الغد بمواجهة تحدِّيات ثورة العصر - جديد بدرية العامري


      إنسان الغد بمواجهة تحدِّيات ثورة العصر




      ثقافة الطّفل بين الهويّة والعولمة، كتابٌ للباحِثة عزيزة الطّائيّة جاء ثمرة محاضرات كانت قد قدّمتها في بعض المؤسّسات الاجتماعيّة والثّقافيّة والتّربويّة؛ ويُعدُّ موضوع الكِتاب مُتناسِب مع ما يعيشه الفرد العربي مُجملا، والطِّفل العربي على وجه الخصوص في ظِل ثورة معلوماتيّة يسعى الإنسان لمواكبتها، وما يُصاحب محاولة المواكبة من تغيُّرات تُلقي بظلالِها على حياة الفرد، وتؤثِّر في نمط حياته بشكلٍ كبير. جاء الكِتاب في 160 صفحة ضِمن إصدارات النّادي الثقافي لعام 2011م، وفيما يلي مُحاولة عرض مبسّط لمحتويات الكِتاب.

      تناولت الباحِثة في الفصلِ الأوّل (الثّقافة في عصر العولمة) محاوِرعدّة مُبيّنةً في البِدء بعض المفاهيم من خِلال محور(مرحلة الطّفولة) كمُصطلح، وكيفيّة التّعامل مع الطّفولة حسب مراحِل العمر حتّى يصل للثّامنة عشر، مع تضمين لبعضِ أساليبِ السّابقين من الصّحابة في التّربية، وتضمّن محور (مصُطلح العولمة) تعريفاتٍ لبعضِ المُصطلحاتِ الحديثة كالعولمة وخصائِصها، والعالميّة، والحداثةِ والهويّةِ والغزو الثّقافي، وعلاقة هذِه المُصطلحات بالعولمةِ، وأثر المتغيِّراتِ الثّقافيّة للعولمة على المُجتمع والطِّفل خاصّة.

      وفي المحور الثّالِث تطرقت الباحِثة إلى (مفهوم الثّقافة) وخصائِصها في كونِها: إنسانيّة، ومُكتسبة وتطويريّة، وتكامليّة، واستمراريّة، وانتقاليّة، وتنبّؤيّة. وأثر هذهِ الخصائِص في تشكيل العقليّات الجمعيّة، وتآلُفها وتشكّلها لحمة واحِدة. بعدها انتقلت إلى (ماهية ثقافة الطّفل) في كونِها متأثِّرة بلا شك بثقافة المُجتمع وتؤثِّر عليها كذلِك عوامِل أُخرى من بينها الإعلام وطُرق التّعليم. كما أشارت الباحِثة إلى غياب الرُّؤية الواضِحة لفلسفة محدّدة لتثقيف الطّفل العربي، وكُل المُحاولات المُطبّقة لا تعدو كونها مُمارسات عشوائيّة متخبِّطة ليس لها ضابِط يوجِّه مسارها؛ ذلك استنادًا على شروط عامّة لا تتوفّر في الخُطط العربيّة المعمول بها. وبلا شك فثمّة أهداف يطمح لها التّربويُّون من خِلالِ تثقيف الطّفل، وقد ذكرت الباحِثة سبعٌ منها من بينها : ترجمة المبادِئ الأخلاقيّة لا بالتّلقين ولكن بسلوك يومي يُمارس في الحياةِ العامّة، تنمية الوازِع الدِّيني عند الطّفل لتنظيم علاقاتِه مع المُجتمع، وتنمية القيم الجماليّة السّامية.

      وفي المحور الخامِس تناولت الباحِثة (العوامل المؤثِّرة في ثقافة الطّفل) كالمنظومات المؤسّسيّة بمختلفِ مشارِبها وتوجُّهاتِها (الأُسرة والمدرسة والمسجد والأصدقاء والأندية والمكتبات العامّة) وتأثيرها في تشكيل ثقافة الطّفل، والوسائِط (الإعلام) كرافد ثقافي آخر يُساهم في تشكيلِ ثقافة الطّفل أكانت وسائِط مطبوعة كالكتُب والمِجلّات أو مسموعة ومرئيّة كالإذاعة والتّلفزيون والسينما والمسرح والموسيقى، والتّرفيه كوسيط ثقافي ثالِث يؤثِّر في تشكيلِ ثقافة الطّفل، والحاسوب كوسيط وظيفي رابِع.

      كما تطرّقت الكاتِبة إلى (ملامح تذبذب هوية ثقافة الطّفل العربي) المُتمثِّلة في غزو الإعلام الأجنبي وبرامجه الّتي تجذُب الأطفال في حين غياب دور وسائِل الإعلام المحليّة وعدم مواكبتها لمتطلّبات العصر الّذي يتطلبه طفل العصر، والمُجتمع ومُحافظته على أصالة هويّته في حين تغزو العالم ثقافة العولمة، وتكريس التّنوّع الثّقافي في المنطقة العربيّة لصالِح التّماسُك وليس لتمكين الغزو الثّقافي، واللُّغة العربيّة وثقافة الآخر وكيفيّة المُحافظة عليها في الوقت الّذي يشهد فيه العالم غزو تقني وثقافي غربي، وقد أسهبت الباحِثة في هذِه النُّقطة موضِحةً تأثير العولمة في المجالِ اللُّغوي وما بات يُعانيه الطّفل العربي من اضطرابٍ لغويٍّ مُبكِّر؛ بسببِ وسائِل الإعلام والأجهزة الإلكترونيّة الّتي ساهمت في صدارة اللُّغة الإنجليزيّة، والعمالة الأجنبية الّتي لها تأثير كبير في تشويه اللُّغة العربيّة خاصّةً عند الأطفال، بالإضافة إلى مؤثِّراتٍ أُخرى ذكرتها الباحِثة، وما يُحسب للباحِثة في كثيرٍ من المواضع أنّها لم تكتفِ باستقراء الواقِع والمؤثِّرات عليه، بل قامت باقتراحِ الحلول، وفي هذا المحور ذكرت عدّة حلول لتأكيد الثّقافة اللُّغويّة عند الطّفل.

      وفي (تحضير الطّفل للعالم المستقبلي) أدرجت الباحِثة نُقاطًا عدّة _للتّربويّين وذوي الأطفال_ يُمكنها المُساهمة بشكلٍ فاعِلٍ وكبير في تهيئةِ الطّفل العربي من بينها؛ الوعي بمتطلبات العصر وثقافته، وترسيخ الهويّة الثّقافيّة العربيّة، وتنمية روح المواطنة عند الطّفل. وفي المحور الأخير للفصل الأوّل تطرّقت الباحِثة إلى (معوقات ثقافة الطّفل العربي في عصر العولمة)المُتمثِّلة في تردِّي الأوضاع السِّياسيّة والأمنيّة في الوطن العربي مما أنتج عنها تردِّي الأوضاع الاقتصاديّة، وتذبذب الهويّة الثّقافيّة للمجتمع العربي ويبدو أنّ تِلك العوامل مُجتمِعة ومُترابطة غيّبت ثقافة التّعامُل مع الطّفل، والإيمان بفاعليّته للمُستقبل.



      ولأنّ السّماوات المفتوحة وعوالم التقّنيّة أصبحت واقِعًا لا مناص منه، فقد أفردت الباحِثة فصلًا كامِلا عن (التّنشِئة في عصر السّماوات المفتوحة) تطرّقت في بدايته لمفاهيم عامّة عن السّماوات المفتوحة ومُصطلح التّربية، والتربية بالتّوازي مع ثقافة المُجتمع والثّقافات الأُخرى ووظائِف التّربية في العصر الحديث، كما تطرقت لمفهوم التّعلُّم والتّعليم والتّنشِئة أهدافها وآليّاتها وصفاتها وخصائِصها وشروطها، وبعدما مهّدت للتّنشِئة الاجتماعيّة تناولت الباحِثة (العوامل المؤثِّرة في التّنشِئة الاجتماعيّة) كالنِّظام السِّياسي المؤثِّر بلا شك على كافّة المنظومات الأُخرى، والمؤسّسات التّعلميّة القائِمة بمهمّة التّربية والتّوجيه والتّعليم، والمؤسّسات الاجتماعيّة المُعبِرة عن إرادة المُجتمع، والوسائِط الإعلاميّة ذات التأثير الكبير والفاعِل على التّنشِئة، والوسائِل التقنيّة بكونها فضاء مفتوح لا يُمكن حجبه أو التّحكُّم في سرعة تدفُّق معلوماته.

      ولم تغفل الباحِثة التّغيُّرات الّتي طالت التّركيبة الاجتماعيّة العربيّة؛ فتحدّثت في المحور الثّالِث عن (التّغيُّرات في الأُسرة العربيّة) من انتقالِها من نِظام الأُسر الكبيرة المُمتدّة إلى حياة الأُسرة النّووية التي تضم الأب والأُم والأبناء فقط، جاء هذا التّغيُّر متواكِبًا مع تغيُّرات أُخرى اقتصاديّة وتربويّة، وتذكر الباحِثة أبرز المُشكلات الّتي تعوق الأُسرة عن تأدية دورها التّربوي تجاه الطّفل المُتمثِّلة في ثقافة الأُسرة التّربويّة؛ إذ أنّ مهمّة التّربية موكلة للأُم بشكلٍ أكبر إلّا أن استهدافها وتوعيتها بقواعد تربية الأطفال والمُحافظة على سلامتهم النّفسيّة والفِكريّة في ظِل المتغيِّرات المُتسارِعة شحيح، كما أنّه ومع المتغيِّرات وخروج المرأة للعمل فقد أوكلت بعض الأُسر مُهمّة التّربية للمُربِّيات والجدّات ودور الحضانة وهذا من شأنه التأثير في تكوين الطّفل اللُّغوي والمعرفي، كما أنّ المستوى المعيشي للأسر وطبيعة الحياة الاقتصاديّة والبيئيّة الّتي تحياها يؤثِّر بشكل كبير على تفهُّمها لحاجات الطّفل وتهيئته لمواكبة العالم المُتغيِّر، كما قد ترتكِب بعض الأُسر مُمارسات خاطِئة في تربيتها للأطفال في محاولة منها لمواكبة الجديد دونما وعيٍ منها.

      إنّ التّقدُّم العلمي والتكنولوجي، والتّدفُّق الإعلامي وثورة المعلومات، وثقافة الاستهلاك ونشر القيم الفرديّة، والجريمة المنظّمة هي أبرز(التّحدِّيات الّتي تواجه الأُسرة العربيّة) في طُرق تنشئتها للأطفال، كما تُمثِّل هذه التّحديات أثرًا بالِغا في الخطاب الثّقافي وقد تحدّثت عنه الباحِثة بشئٍ من التفصيل تحت عنوان (أثر التّحدِّيات على الخِطاب الثّقافي) موضِحةً أبرز الأبعاد الأساسيّة والمقوِّمات الفاعِلة لتنشِئة الطِّفل العربي في ظلِّ التّحدِّيات.

      كما أفردت الباحِثة بعض الصّفحات لـ (اضطرابات نمو الطّفولة في العصر) الّتي تُهدِّد نموه بشكلٍ طبيعي وسليم كالتّهديدات البيئيّة، والإدمان على التكنولوجيا والضُّغوط النّفسيّة والمُتغيّرات الحياتيّة وأزمة الهويّة وأزمة الغربة، وقدّمت في المحور السّابع (متطلّبات نمو طفل العصر) في ظلِّ تِلك الاضطرابات وسُرعة الحياة، وفي المحور الأخير تطرقت الباحِثة لطُرق (إكساب الطّفل الهوية الاجتماعيّة) مُقدِّمةً فيه بعض المُقترحات والحُلول.

      جاء الفصل الثّالِث مختصًّا بـ (التّربية في عصر الثورة المعلوماتيّة) مُترابِطًا مع ما سبقهُ مُركِّزًا على تأثير الثّورة المعلوماتيّة على حياة الأفراد والمُجتمعات، إذ أنّ هذِه الثّورة قد غزت مختلف مجالات الحياة وجعلت من العالم قرية كونيّة صغيرة مُتّصلةٌ ببعض، تناولت في هذا الفصل محاور عدّة أوّلها (العالم قرية كونيّة) تحدّثت فيه عن النّقلة الّتي أحدثتها الثّورة المعلوماتيّة والثّقافة الجديدة الّتي أصّلتها في العالم، كما تحدّثت في المحور الثّاني عن (مجتمع المعلوماتيّة) متطرِّقةً إلى معايير مُجتمع المعلوماتيّة، ووظائِف المعلوماتيّة وملامِحها.

      وفي محور(التّربية بالمعلوماتيّة وتحدِّياتها) أوضحت الباحِثة التّغيُّرات الّتي أحدثتها وفرضتها المعلوماتيّة على طُرق التّربية، والتّغيُرات الّتي يجب أن تطال عمليّة التّربية أكانت تغييرات استراتيجيّة أم هيكلية أم تكنولوجيّة أم بشريّة يجب أن تحدُث لمواكبة المُستجدّات، كما تحدّثت عن أبعاد المعلوماتيّة على النّشء بشقّيها الإيجابي والسّلبي.

      إنّ الثّورة الّتي أحدثتها المعلوماتيّة تتطلّب إعادة نظر في المُمارسات التّربويّة من توافر المعلومات وتهيئة المهارات وممارسة التّكنولوجيا؛ لذلك يجب أن ترتكِز عملية التّربية على فلسفةٍ تستمد منها قوّتها، وقد تطرقت الباحِثة في المحور الرّابع إلى (الفلسفة التّربويّة في عصر المعلوماتيّة) موضِحةً أهميّة الارتقاء بالمناهِج الدِّراسيّة وطُرق التّدريس والأنشطة المدرسيّة والمعلِّم والتّدريب بما يتناسب والعصر الحديث، وفي محور(المعرِفة في عصر المعلوماتيّة) أوضحت الباحِثة العِلاقة بين مُجتمع المعرِفة ومُجتمع المعلومات، بكونِ مُجتمع المعرِفة أداة لتوظيف المعلومات.

      إن استجلاب ثقافة جديدة ، وتوظيف تقنيّات جديدة لابُد وأن يُصاحبها تغيُّر واضح في القيم والعادات، كون أنّ المتبوع في الغالِب هو المؤثِّر والتّابع هو المتأثِّر، وقد تطرّقت الكاتِبة في محور (القِيم في عصر المعلوماتيّة) إلى ضرورة عدم الانبهار بالثّقافة الغربيّة، ومُحاولة تعميق الثّقة بالنّفس؛ لإنتاج الجديد وابتداع الأفضل.

      في عصر المعلوماتيّة لا يُمكن لأحد أن ينكُر تأثير وسائِل الإعلام التّقليديّة والإلكترونيّة على الفرد، ويرى المختصُّون أنّها أكثر أثرًا في عملية التّربية من المدرسةِ والوالدين في غرس الكثير من المفاهيم والقيم ، وقد تطرّقت الباحِثة في محور (وسائِل الاتِّصال وعصر المعلوماتيّة) إلى علاقة الطّفل أوّلا بالشّاشة الصّغيرة ( التِّلفزيون)، وثانيًا بالشّبكة العنكبوتيّة (الإنترنت)، وثالِثًا بالمكتبات الرّقميّة، موضِحةً أدوارها في إعداد الطّفل والتأثير عليه بمُختلف ما تبُث من برامِج ومواد. وفي خِتام الكِتاب تتحدّث الباحِثة عن (الآثار التّربويّة في عصر المعلوماتيّة) مُجمِلةً ما تمّ التّطرُّق إليه مؤكِّدةً أن يجب على المؤسّسات التّربويّة الوعي بضرورة صياغة فلسفة جديدة ذات أهداف ومناهِج وطُرق تتماشى مع الثّورة المعلوماتيّة؛ لتُعين على تنمية وتطوير المُعلِّم والطّالِب وكافّة شرائِح ووسائِل العمليّة التّربويّة.







      المصدر : مدونة بدرية العامري