المشاركون يؤكدون ضرورة تعزيز التوعية الحقوقية للمواطن وتفادي "حرق المراحل"-

البوسعيدي: المجالس البلدية في السلطنة نموذج فريد في اجتماع السلطات التنفيذية والمواطنين بكيان واحد-
د. حمد الغيلاني: المجالس البلدية تدعم مشاركة المواطن في صنع القرار والحد من مركزية الحكومة-
الغريبية: قوة المجالس البلدية مستمدة من دورها في المجتمع وليس في من يترأسها-
العلوية: مشاركة المرأة في المجالس البلدية تعكس الرغبة في صنع القرار-
د. عبدالله الغيلاني: النظام الانتخابي الحالي لا يوفر القدر الكافي من أسس بناء دولة المؤسسات-
د. الجابري: المجالس البلدية تنتظرها نقلة نوعية في المشاركة السياسية-
التصويت على كافة أنشطة المجالس البلدية تؤكد ديمقراطية القرارات الصادرة-
أهميّة التوسع في شروط الترشح لعضوية المجلس البلدي-
تخصيص مقعد للمرأة في المجالس البلدية يدعم العمل الشعبي-
المجتمع بحاجة ماسة للتنمية السياسية لدعم بناء دولة المؤسسات-
ضرورة إشراك المواطن في بناء دولة المؤسسات عبر التوعية السياسية والحقوقية-
قيام مجلس الشورى بالمهام الرقابية يضعنا على المسار الصحيح-
تطوير دولة المؤسسات يتماشى مع طموحات المواطن وضرورات المرحلة-
أدار الندوة: سعاد العريمية-
أعدّها للنشر: مدرين المكتومية- فايزة الكلبانية- أحمد الجهوري-
تصوير/ راشد الكندي-
أجمع المشاركون في ندوة جريدة "الرؤية" على أنّ توسيع المشاركة الشعبية في صنع القرار يسهم في دعم ركائز دولة المؤسسات، مشيرين إلى أنّ اتباع منهجية التدرج في التحول الديمقراطي يجنب البلاد ما أسموه "الانتحار السياسي".
وأكّد المشاركون في الندوة- التي حملت عنوان "دولة المؤسسات"- ضرورة تعزيز التوعية السياسية والحقوقية للمواطن العماني بما يصب في إطار التثقيف السياسي، والعمل كذلك على التأكيد على الدور الرقابي للمؤسسات المعنية وفي مقدمتها مجلس الشورى. وقال المشاركون إنّ التصويت على كافة أنشطة المجالس البلدية تؤكد ديمقراطية القرارات التي ستصدر عنها، لافتين إلى أهميّة التوسع في شروط الترشح لعضوية المجلس البلدي. وطالب البعض بتخصيص مقعد للمرأة في المجالس البلدية، بما يعزز مسيرة العمل الشعبي، والأخذ برأي المواطن في كافة القرارات.
وفي بداية الندوة رحّب حاتم الطائي رئيس تحرير جريدة "الرؤية" بالحضور، قائلا: "شكرا لتلبية دعوة المشاركة في الندوة"، موضحًا أنّ موضوع الندوة يحمل عنوان "دولة المؤسسات"، وهي القضيّة التي شدد عليها المقام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم- حفظه الله ورعاه- في خطاب جلالته الأخير بمجلس عمان. ويوضح الطائي أنّ الحديث عن دولة المؤسسات سبقته الكثير من الخطوات ومشاريع القوانين، بجانب عدد من الإجراءات والمراسيم التي صدرت لدعم مفاهيم دولة المؤسسات. ويرى الطائي أنّ صاحب الجلالة يتحدث عن هذا الأمر منذ خطاب جلالته الأول، حيث يشدد دومًا على مفهومي الدولة العصرية والدولة الحديثة، وهذا يعني ارتباط الدولة الحديثة بالمؤسسات ودولة القانون إلى آخر هذه المفاهيم. وأوضح الطائي أنّ مفاهيم مثل بناء دولة المؤسسات ودولة القانون لازالت تعاني من بعض سوء الفهم، والذي يتطلب سنوات لتوضيحه، نظرًا لأنّ دولة المؤسسات في الحقيقة تعتمد بشكل أساسي على المواطن، والمواطن عندما تكون لديه درجة من الوعي بحقوقه وواجباته يستطيع بذلك أن يقوم بدوره كاملا في إنجاح دولة المؤسسات، وذلك لتفادي أن يكون الحديث عن دولة المؤسسات مجرد "حبر على ورق"، لاسيما وأنّ المواطن هو المحور المركزي للتنمية.
تعزيز المشاركة الشعبية
وتبدأ الندوة في الحديث عن انتخابات المجالس البلدية، وهي أحد أشكال دولة المؤسسات، وهنا يقول سعادة السيد إبراهيم البوسعيدي محافظ البريمي إنّ المجالس البلدية قائمة في السلطنة منذ فترة؛ غير أنّها كانت موجودة بطريقة مختلفة في محافظة مسقط وهي المحافظة التي كانت تشتمل على مجلس بلدي لعدة سنوات، وكان يمارس صلاحياته، لكن كان يتم اختيار الأعضاء بالتعيين وليس بالانتخاب. ويضيف أنّ الحال تبدلت بعد ذلك في ظل التقسيم الإداري الجديد لتتوسع فكرة المجالس البلدية في كافة المحافظات. ويوضح سعادته أنّه في هذا السياق ينبغي الإشارة إلى المشاركة الشعبية السابقة في اللجان البلدية بالولايات، حيث كانت تضم العديد من الأفراد في المجتمع، وكان الاختيار يتم من قبل المؤسسات الحكومية، حيث يشاركون في العمل البلدي عبر الإدلاء بآرائهم ومشورتهم، فضلا عن الدور الكبير خلال الفترة الماضية.
ويمضي البوسعيدي في القول إنّ التجربة الحالية تأتي متوافقة مع ما كان موجودا من نسق في عمل المجلس البلدي بمسقط، إلا أنّه أضيف لهذه المجالس- وفق القانون- الكثير من الاختصاصات، وهذه الاختصاصات التي ستمارسها المجالس البلدية تأتي في عمق متطلبات العمل التنموي في تنظيم المدينة لتشغيل الجوانب المرتبطة بالمجتمع؛ حيث تشمل الجانب البلدي والجانب السياحي وجانب الخدمات والطرق وأيضًا الجانب الصحي المتعلق بأنظمة المراقبة الصحية، بالإضافة إلى إعطاء الرأي والمشورة والمقترحات المرتبطة بالمنشآت الحكومية، أو البرامج التنموية والبنى الأساسية، وكذلك المتابعة لعملية التنفيذ.
وأشار البوسعيدي إلى أنّ بعض الاختصاصات تأتي مرتبطة بجوانب أخرى منها الجوانب البيئية وتقيميها، بالإضافة إلى الجوانب التخطيطية؛ حيث إنّ المجالس البلدية ستساهم بشكل كبير جدًا في مراجعة المخططات الهيكلية ودراستها ورفعها للجهات المعنية. وأوضح سعادته أنّ المجلس البلدي سيكون معنيًا بمناقشة الأمور المتعلقة بالمنافع العامة واستغلال المرافق الحكومية أو المرافق الخاصة وإبداء الرأي في ما يخص بعض التشريعات المرتبطة بجانب الرسوم والضرائب، وكذلك الجانب السياحي وغيرها التي سيتم تسليط الضوء عليها ومناقشتها في المجالس البلدية. ويتابع موضحا أنّ من بين مهام المجلس البلدي الاهتمام بالجانب المجتمعي، والذي سيدخل في العملية المرتبطة بالتنمية الاجتماعية، ومكافحة قضايا مثل التسوّل وبرامج ذوي الإعاقة والرعاية والأيتام والعمل على دراسة الجوانب المرتبطة بالاستجابة لهذه الجوانب، وما يخص أيضًا الكوارث وجوانب الدفاع المدني بشكل عام.
ويؤكد سعادة محافظ البريمي أنّ تجربة المجالس البلدية تجربة عالمية، غير أنّه من المؤكد أنّها تتضمن بعدًا خاصًا في سلطنة عمان، حيث يشترك في المجلس البلدي الأهالي والمؤسسات الحكومية والخاصة، وذلك وفق اجتماعات منظمة، ستعمل على اتخاذ القرارات وفق منهجية واضحة وقانون مرتبط بعمليات التصويت، ما يعني ديمقراطية القرارات الصادرة عن هذه المجالس.
صلاحيات المجلس البلدي
ويقول الدكتور حمد الغيلاني إنّ المجالس البلدية كانت مطلبًا شعبيًا كما أنها تطبق في العديد من دول العالم، حيث تلعب دورًا كبيرًا، نظرًا لما تقدمه من خدمات ولا يقتصر الأمر على العمل البلدي وحسب. ويضيف أنّ المجالس البلدية في السلطنة سيتم تفعيل دورها بشكل ملحوظ، بفضل النظام الانتخابي الذي يتم على أساسه اختيار الأعضاء المشاركين في المجلس، الأمر الذي من شأنه تعزيز الجانب الشعبي في العمل والمشاركة الشعبية في صنع القرار، والحد من مركزية القطاع الحكومي، مشيرًا إلى أنّ كل ذلك سيعمل على نطاق واسع في دعم مسيرة التنمية بكافة المحافظات.
ويلفت الغيلاني النظر إلى مدى المنافسة التي ستشهدها هذه المجالس فيما بين المحافظات، فكل محافظة ستساهم في اختيار أشخاص جديرين بثقة الجماهير التي انتخبتهم، وهذا ما يعزز التقدم التي تشهده البلاد، غير أنّه يستدرك في بعض الملاحظات، ويذكر الغيلاني الملاحظة الأولى والمتمثلة في شروط الترشح للمجلس البلدي، حيث لا يوجد شرط يحدد المستوى التعليمي أو يحدد الشروط العامة لأي شخص فيما يخص مستوى الثقافة والخبرة والسمعة، وهذا يعني أنّ الترشّح مفتوح دون أي شروط. ويوضح أنّ العمل في المجالس البلدية سيكون مرتبطًا بالتخطيط أو الإدارة، وهو ما يتطلب خبرات محددة واختصاصات معينة، ما يستلزم وجود ضوابط وشروط للترشح إلى المجلس البلدي، كي يكون الأعضاء فاعلين على النحو المأمول.
ويمضي بقوله إنّ اختصاصات المجلس البلدي تحتاج إلى الاهتمام بجوانب إضافية؛ خاصة في الجانب القانوني الذي يجب أن يتمتع المرشح للمجلس البلدي بخبرات سابقة فيه، بحيث إنّ المجلس البلدي نفسه يصدر قرارات وليس مجرد اقتراحات. ويشير الغيلاني إلى أنّ الإمكانيات المادية للمجالس حتى الآن ليست واضحة حتى بالنسبة للمحافظات، معربًا عن أمله في أن يكون هناك استقلال لدور المجلس البلدي من الجانب المادي.
ويرى سعادة السيد إبراهيم البوسعيدي أنّ ما طرحه الدكتور الغيلاني يمثل رؤية واقعية، غير أنّه أوضح أنّ ثمة آراء أخرى، وضعت في الاعتبار، منها أن وضع شروط معينة قد يمكن تفسيرها بأنّها قيود على المشاركة في هذه المجالس، بما قد يعيق البعض عن المشاركة، ومنها المستوى التعليمي. ويقول البوسعيدي إنّ بعض الشروط التي ترتبط بتعريف الشخص فيما يخص المشاركة والانجازات قد تحرم فئة كبيرة من المجتمع في هذه المرحلة، مشيرًا إلى أنّ المجلس يفترض به أن يضم مواطنين على مستوى تعليمي جيد. ويرى البوسعيدي أنّ فتح الباب أمام قطاعات عريضة من المجتمع يتيح المجال لمشاركات أوسع في المجالس البلدية خلال الفترة الحالية.
شمولية الاختصاصات
وأوضح البوسعيدي أنّه فيما يتعلق بالاختصاصات، فقد جاءت في معظمها شاملة لأنّ هذه المجالس تأتي في جانب الاستشارة، ولكن في الواقع أنّ ممارسة العمل في الكثير من الهيئات الاستشارية أو الجهات الاستشارية حتى مثل اللجان البلدية (سابقا) يسهم في تنفيذ الأعمال بشكل أسرع بفضل البرامج والمقترحات والأفكار التي يفترض وضعها في الاعتبار فيما يخص العملية التنموية واتخاذ القرار. ويؤكد البوسعيدي أنّ هذه التجربة حديثة على السلطنة، غير أنّ ما يحيط بها من ممارسات ينبئ بالخير منها، في ظل الممارسة الواعية للمهام والإجراءات التنفيذية. ويرى أنّ الإمكانيات أو المخصصات المالية للمجالس البلدية، تأتي في إطار الخطط الخمسية المعتمدة في الوحدات الحكومية، والتي هي أساس المشاركة في المجلس البلدي. ويستطرد البوسعيدي في هذا السياق ليوضح أنّ من ضمن أختصاصات المجلس البلدي إسداء الرأي والمشورة واقتراح المشاريع التنموية في الخطط الخمسية، متوقعا أنّ مثل هذه الآراء والمشورات ستظهر بشكل أكبر من خلال الخطة الخمسية التاسعة، بحيث إنّ المجالس البلدية في 2013 و2014 ستعمل بشكل قوي جدا وستضع رؤية أفضل لمراجعة ووضع اقتراحاتها لمشاريع الخطط الخمسية قبل اعتمادها ومباركتها، لتتوافق مع الاحتياجات بشكل عام.
وأشار إلى أنّ هناك جانبا آخر مرتبط بالجانب الإبداعي، وتوقع سعادته أنّ تحقق المجالس البلدية تميزًا لو استطاعت أن تفرز مشاريع ذات طابع إبداعي جاذب واقتصادي مؤثر وموفر للوظائف وفرص العمل.
وتؤكّد زينب الغريبية أنّ القوة الحقيقية للمجالس البلدية تأتي من دورها في المجتمع، وليس في من سيترأسها، سواء كان صاحب معالي أو أي مسؤول آخر، معربة عن أملها في أن تقوم اللجان المختصة في هذه المجالس باتخاذ القرارات المناسبة وأن تكون خير تجسيد للهدف الذي وضعت من أجله.
صنع القرار
ويقول الدكتور رسول الجابري إنّه عندما تمّ وضع قانون المجالس البلدية كان الغرض الأساسي في هذا التحول هو تفعيل مشاركة المواطن في صنع القرار، موضحًا أنّ الحديث عن دولة المؤسسات يعني بالضرورة ترسيخ هذه المؤسسات، وهو ما تمّ بالفعل خلال السنوات الماضية، فبعد أن كان اختيار أعضاء مجلس الشورى بالتعيين بات الأمر بالانتخاب الحر المباشر والسري، وعلى الرغم من ذلك كانت مشاركة المواطن قائمة، إلا أنّ السلطنة تتبنى مبدأ التغيير التدريجي، أي التدرج في إنشاء المؤسسات. ويشدد الجابري على أنّ المجالس البلدية تنتظرها نقله نوعية في نوعية في المشاركة، نظرًا لأنّ الشورى يناقش عددا من القضايا على المستوى الكلي والمستوى الوضعي، أمّا المجالس البلدية فستكون أكثر مساسًا بحاجات المواطنين المحليّة.
تواجد المرأة
وتقول عائشة العلوية إنّ المجالس البلدية في بداية تشكيلها أثارت تساؤلات كثيرة فيما يتعلّق بسقف الصلاحيّات الممنوحة في هذه المجالس، موضحة أنّ ما أشار إليه سعادة السيّد محافظ البريمي يصب في خانة هذه التساؤلات، ولكن قول الدكتور رسول الجابري إنّ مجرد رفع التقارير عن أداء اللجان إلى الوزير المختص ومن ثمّ مجلس الوزراء، يضع توصيات هذه اللجان في صلب صناعة اتخاذ القرار على مستوى الدولة. وتضيف أنّه في جانب آخر تتساءل فيما يتعلق بتداخل الصلاحيات والاختصاصات بين أصحاب السعادة أعضاء مجلس الشورى والمجلس البلدي، مشيرة إلى اختلافها مع الدكتور رسول الجابري في أنّ القضايا التي تثار في مجلس الشورى ذات طابع شمولي وعام، لأنّ أعضاء الشورى حريصون على نقل هموم واحتياجات ولاياتهم ومحافظاتهم وقراهم التي ينتمون إليها باعتبارهم الوسيط في إيصال صوت المواطنين إلى الجهات المختصة والقبة البرلمانية، لكن المجالس البلدية يجب أن تتبلور التجربة فيها ويتفاعل المجتمع معها، وعندها سيكون التداخل قائمًا بين مجلس الشورى ومجالس البلدية، وخيارات المواطنين وانتخابهم هي من توصل المرشح سواء إلى قبة المجلس البلدي أو مجلس الشورى، موضحة أنّ كثيرا من الاختيارات قبلية في المقام الأول، بما يشير لإمكانية تفضيل هذا الجانب على جوانب أخرى مثل الخبرة.
بينما يوضح الدكتور رسول الجابري أنّ حديثه عن أنّ مجلس الشورى يناقش قضايا على المستوى الكلي؛ والمجالس البلدية تناقش قضايا على المستوى المحلي، يقصد به أنّ التخطيط العملي يضم 3 مستويات؛ الأول: المستوى الوطني، وهو يناقش قطاعات الزراعة والصناعة وغيرها، والمستوى الثاني: هو مستوى المحافظات والأقاليم، أمّا المستوى الثالث: فهو المستوى المحلي، والذي يقصد به القرى والولايات. ويقول إنّ المستوى المحلي هو مستوى الولايات، وفي هذه الحالة يتضح دور المجالس البلدية بشكل قوي، حيث إنّ ممثل الولاية بالمجلس البلدي على احتكاك قوي بالمواطنين واحتياجاتهم، وكذلك بالنسبة لممثل الولاية في مجلس الشورى لديه نفس الاهتمامات، ومن هنا يتضح أنّ هناك بالفعل تداخلا ظاهريًا في الصلاحيات بين المجلسين، متسائلا عن الحل لهذه التناقضات والتداخلات. ويشدد الجابري على أهميّة الانتباه لهذه التداخلات كمرحلة أولى، وعمّا إذا كان يجب على ممثلي المجالس البلدية أن يناقشوا نفس المواضيع التي يناقشها مجلس الشورى، وقد تطرح توصيات مختلفة متناقضة، ما يفرض ضرورة وضع حل لهذه التناقضات المحتملة. ودعا الجابري إلى مبادرات تشجيعية لانتخاب المرأة، وعلى جمعيات المرأة العمانية أن تعمل على تشجيع التصويت للمرأة، وهذا يحتاج إلى كثير من البرامج التوعوية والتعريفية.
وترى العلوية أنّ دور المرأة في المجالس البلدية يعكس رغبتها في بناء الوطن وهو واجب على كل مواطن سواء كان رجل أو امرأة، فالجميع يجب أن يكون له دور فاعل في خدمة وتنمية الوطن، موضحة أنّه من خلال قوائم المرشحين للمجالس البلدية في دورتها الأولى هناك أعداد من النساء المرشحات لا بأس بها، وهن اللائي وجدن في أنفسهن القدرة والرغبة والثقة للمساهمة في العطاء من أجل الوطن، مشددة على أنّ المجالس البلدية ستكون أحد روافد صناعة القرار ومساهمة الوطن سواء كان رجلا أو امرأة في كثير من الخطط والمقترحات التي من شأنها أن تساهم في التنمية على مستوى المحافظات.
مناقشة القضايا
ويرى البوسعيدي أنّ مشاركة المرأة كمواطنة يحمل دلالات مهمة، والسبب في ذلك أنّ كثيرا من الاختصاصات والقضايا التي يطرحها المجلس البلدي يفترض أن تلامس جانبا مهما جدا وهو الجانب المجتمعي بشكل أكبر، وقد تكون قضايا مرتبطة بالأسرة ومتطلباتها وجوانب مرتبطة بدور الأيتام والمعاقين وغيرها في مقدمة هذه الأمور والتي تحتاج لمشاركة المرأة بشكل كبير. ويشدد البوسعيدي على أهميّة وجود المرأة لمناقشة القضايا المرتبطة بالمرأة؛ حيث إنّ هناك كثيرا من القضايا التي تخص الأسرة والجانب النسائي سيتم طرحها، ولن يكون هناك أفضل من المرأة للحديث عنها، متمنيًا التوفيق والنجاح للنساء المرشحات.
وتقول زينب الغريبية إنّها تعترض على ما يثار حول عزوف بعض المثقفين عن الترشّح، مستدلة في ذلك على ترشح عدد من المثقفين، غير أنّهم لم يحققوا فوزًا في الانتخابات.
ويقول الدكتور حمد الغيلاني إنّ قضية التدرج في مؤسسات الدولة قد تأخذ سنوات طويلة، مقترحا أن يتم البدء من النقطة التي انتهى إليها غيرنا. ويضيف: فيما يتعلّق بالمرأة فإنّه يوجد أكثر من 1600 مرشح، 50 منهم فقط من النساء، متسائلا عن إمكانية تحديد مقعد واحد فقط للنساء على الأقل في كل ولاية، بهدف ضمان تواجدهن في المجالس البلدية، كما أنّ هناك عددا من الولايات بالسلطنة توجد بها نيابات، فلماذا لا يكون هناك تمثيل خاص لهذه النيابات.
دولة المؤسسات
ويقول الدكتور عبدالله الغيلاني إنّ مفهوم دولة المؤسسات ليس غريبا على التجربة الإسهامية، فالتجربة الإسهامية مفهوم متجذر من تجربة المسلمين منذ أن قامت دولة المدينة وبعدها الخلافة الراشدة والذي توقف بعدها نتيجة للتطورات السياسية، وتحول الحكم إلى شيء آخر، فعندما نتحدث عن دور المؤسسات كمفهوم معاصر هو مفهوم غربي تطور في التجربة الغربية، وبالتالي نحن نستورد هذا المفهوم اليوم بكل علله. ويضيف أن هذا المفهوم له جذور في التجربة الإسهامية، خاصة أنه قام في بيئة قبلية شبيهة جدا بالبيئة العمانية، بجانب أن السلطنة قطعت شوطا كبيرا لتشكيل دولة المؤسسات، متسائلا عن مدى بلوغ المرحلة التي نرضى عنها في هذا المضمار. ويرى أنه بعد مرور 42 عام على النهضة العمانية، فقد آن الآوان للبناء المؤسسي والإصلاحات القانونية المتلاحقة، وهنا يجب أن ننتقل من مرحلة بناء الهياكل إلى تفعيل المضامين، فنحن ما زلنا في مرحلة بناء الهياكل الدستورية، والتشريعية وغيرها.
ويؤكد أنّ هذه الهياكل تكاد تكون اكتملت، فلدينا سلطة تشريعية بتفاصيل واسعة جدًا بجانب سلطة تنفيذية، وسلطة قضائية سيكتمل بناؤها في مراحل لاحقة من خلال إنشاء المحكمة الدستورية ومجلس القضاء الأعلى.
ويشير الغيلاني في هذا الإطار إلى تفعيل المضامين الخاصة بدولة المؤسسات، حيث إنّ هذه هي المرحلة التالية، فتفعيل المضامين يصطدم بجملة من العقبات، فمن حيث الطابع القبلي للمجتمع نواجه معادلة صعبة وفي غاية الدقة، فلا أحد يريد إلغاء القبلية، ولا نريد تدمير البناء القبلي، ولكن في المقابل لا نريد أن تتحول اللبنة القبلية كبديل للمؤسسات الدستورية والسياسية، لذلك فالمجتمع أمام معادلة صعبة في كيفية المحافظة على الثقافة القبلية في المجتمع دون أن تتحول إلى بديل للمؤسسات الدستورية أو مؤسسات المجتمع المدني، ما يفرض علينا السعي لإيجاد تصور لحل هذه الأزمة. ويوضح أن القبلية في الجوانب الاجتماعية والسياسية هي صلة رحم وتكافل اجتماعي تمثل كل هذه المعايير والقيم، ويجب أن نحافظ عليها في ظل هذا المعنى، وهذا دور الحكومة والمجتمع ممثلا في وسائل الإعلام والنخبة المثقفة ومنظمات المجتمع المدني.
ويمضي الغيلاني موضحًا أهميّة التأكيد على بعض المفردات كالتدرج وخصوصية المجتمع العماني، فالوضع لا يسمح بإحداث قفزات في الهواء، ولابد من التدرج وهو أمر طبيعي، غير أنّه يرى أنّ هناك إفراطا في المخاوف الرسميّة، فما زالت المؤسسة الرسمية متخوفة ولم تصل إلى مرحلة تبلغ فيها ما وصفه بـ"الرشد"، وهو أمر يحمل مبالغة، ولاسيما وأنّ المجتمع العماني مجتمع ناضج مرت عليه 42 سنة من التطور في التعليم والصحة ومختلف القطاعات، ولا يوجد مبرر لوجود مخاوف من الجهات الرسمية. ويشير الغيلاني إلى أنّ المشكلة تكمن في بعض إفرازات العملية الانتخابية، فحينما تتاح الفرصة للمجتمع أن يختار من يمثله في مجلس الشورى والمجالس البلدية، تأتي النتائج في بعض الولايات إلى حد ما "مخيبة للآمال"، على حد قوله، وهو ما يتخذ ذريعة للقول أنّ المجتمع ما زال "غير ناضج". ويرى الغيلاني أنّ الأزمة ليست في اختيار المجتمع بقدر ما هو نظام العملية الانتخابية الذي يسمح بهذه المخرجات، لذا يجب إعادة النظر في نظام الانتخابات سواء الشورى أو المجالس البلدية، ويجب أن تكون هناك حوافز مما يدفع الناس إلى التسابق للترشح.
ويقول إنّ النظام الانتخابي الحالي لا يتضمن هذه المقومات، فليس هناك ضمانات مالية، فعضو مجلس الشورى بعد أربع سنوات ولاسيما بعد انخراطه في العملية الانتخابية، لن يجد له ضمانات تقاعدية، مشيرًا إلى أنّ الدولة والمجتمع بحاجة إلى العناية بالتنمية السياسية بكافة قطاعاتها، وأن نضمن خطابنا الفكري والإعلامي خاصة وأننا نعمل على تطبيق دولة المؤسسات فيجب بناء الإنسان بناءً سياسيا يمكنه من المشاركة الفاعلة في عملية بناء الوطن كبناء الإنسان تعليميا وأخلاقيا واقتصاديا وثقافيا.
التنمية السياسية
ويمضي الدكتور الغيلاني قائلا إنّ المجتمع والدولة في حاجة إلى العناية بالتنمية السياسية، حيث نحتاج بالفعل إلى أن نضمن خطابنا الفكري وخطابنا الإعلامي وخطابنا التعليمي بما يحقق لنا كمجتمع تنمية سياسية حقيقية، وخاصة إننا مقبلون على بناء دولة المؤسسات، وهو بناء يجب أن يكون سياسيا يستطيع الإنسان من خلاله أن يكون فاعلا حقيقيا في عملية البناء الدستوري وفي بناء دولة المؤسسات.
وتعترض زينب الغريبية على ما ذكره الدكتور عبدالله الغيلاني في أنّ الطابع القبلي يمثل عقبة، حيث ترى الغريبية أنّ المجتمع تخطى هذه المرحلة كدولة مؤسسات، بحيث لا يوجد ما يقال عن أنّ قبيلة معينة تضمن الفوز بمقعد محدد، فالأخطاء التي تحدث في الانتخبات منتشرة ولا تقتصر على قبيلة أو ولاية بعينها، كما أنّ القانون يسرى على الشيخ الفلاني أو الابن الفلاني، فالكل مسؤول أمام القانون.
وتطرح مديرة الندوة تساؤلا بشأن كيفية تدعيم أركان السلطات الثلاث ومن أهمها السلطة التشريعية وتوسيع صلاحيات مجلس عمان الرقابية والتشريعية، بجانب كيفية تقييم مدى قدرة مجلس عمان على ممارسة هذه الصلاحيات، وهنا يجيب سعادة السيد إبراهيم البوسعيدي محافظ البريمي بقوله إنّ الجانب الرقابي أحد الجوانب المهمة والتي من المؤمل من مجلس الشورى فعليا أن يقوم به بشكل أقوى، لأنه كلما كانت هناك رقابة كلما كنا في المسار الصحيح، وسيساهم في تقليل الفساد.
ويضيف أنّه فيما يتعلق بالتنمية فإنّه يعول على مجلس الشورى بأن يفرز من خلال مراجعته للخطط التنموية وللبرامج التنموية واقترابه من مجلس الدولة كرديف، وأن يفرز أمورًا ملموسة للمجتمع يستطيع من خلالها أن يستشعر قيمته، وبالتالي سيستطيع في المرحلة الانتخابية القادمة أن يدفع بمرشحين ذوي كفاءات أفضل.
ويوضح البوسعيدي أنّ سلطة التشريع في مجلس الشورى ينبغي أن تتناسب مع حجم الإحتياج إلى هذه التشريعات والتي بدورها تعكس متطلبات المجتمع، ويتعين على مجلس الشورى أن يكون مشاركا بشكل أقوى فيما يخص الجانب التشريعي بما لا يعطي صلاحية أكبر للاستغلال. ويشدد البوسعيدي على ضرورة أن يكون النموذج الديمقراطي خاصا بالسلطنة، لا أن نحصل على نظام مستورد، فهذه الديمقراطية تنبع من احتياج المجتمع والدولة.
السلطات الثلاثة
ويؤكّد الدكتور حمد الغيلاني على أهميّة تضافر جهود السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والرقابية بما يضمن تحقيق الإيجابيات والبعد عن السلبيات، مشيرًا إلى أنّه يتعين على مجلس الشورى مراجعة القوانين والتشريعات الموجودة سابقا بهدف تطويرها بما يصب في مصلحة البلد وخاصة في مجال الحريات والحقوق وغيرها.
ويستدرك الغيلاني بالقول إنّ الكثير من القرارت التي صدرت ومنها القرارات التشريعية وخاصة القرارات الأخيرة لم يتم تمريرها على أعضاء مجلس الشورى، وبحسب صلاحيات مجلس الشورى كان من المفترض أن تمر مثل هذه التشريعات على المجلس قبل إقرارها.
ويعرب الغيلاني عن أمله في أن يعيد مجلس الشورى قراءة كل القوانين السابقة وبالتحديد القوانين التي صدرت أخيرًا في مجال حريات التعبير وحرية الرأي والنشر، لفتح آفاق جديدة لهذه الحريات.
ويقول الدكتور رسول الجابري إنّ مسألة التدرج غاية في الأهمية، ويجب الحذر منها، حيث قد يؤدي التدرج إلى التأخر، مشيرًا إلى ضرورة عدم الإبقاء على مسألة التدرج كفلسفة للتطوير والتغيير بالسلطنة، ولا ينبغي الخوف من التغيير. ويضيف الجابري أنّ هناك تأكيدا على الحرص على سياسة التدرج، وعدم اللجوء إلى حرق المراحل وهو أمر ليس بالهين في مجتمع قبلي، فلم يكن من المتصور الحديث في عام 1974 عن دور المرأة والجمعيّات النسائية وتمثيل المرأة بالمجالس، أمّا الآن فبإمكاننا الحديث بملء أفواهنا عن دور المرأة وضرورة تمثيلها وأن تشارك في صنع القرار، فالتدرج مطلوب لكي لا نحرق مرحلة ولكي لا نعرض أنفسنا إلى نوع من الانتحار السياسي.
ويمضي موضحا أنّه لا يكفي أن تكون لدينا مؤسسات تطوير ومؤسسات جديدة مثل هيئة حماية المستهلك لنقول إنّ هناك تفعيلا للمضامين، مشيرًا إلى أهمية أن يكون هذا التفعيل قائمًا على كافة الأمور.
نجاح التطوير
ويتابع الجابري بالقول إنّ هناك مرتكزات تؤدي إلى نجاح التطوير وأولها وعلى رأسها وجود القائد المحنك وقبوله بالتغيير من أول لحظة لفجر النهضة، حيث إنّ جلالته هو من قال نريد بناء دولة عصرية، وبالتالي الدولة العصرية تعني دولة المؤسسات.
ويشدد الجابري على وجود رغبة أكيدة لدى القيادة السياسية لبناء دولة المؤسسات، وبمقارنة بسيطة بين الأوضاع عام 1970 والوقت الحالي، يتضح الفارق الكبير والسعي المحموم لبناء هذه الدولة العصرية.
وفي هذا، يشير الجابري إلى أهمية عدم القول إنّ التطور وبناء الدول لا يقاس بمعايير زمنية، فالتطور عملية مستمرة وديناميكية، يتبع طموحات المواطنين وضرورات المرحلة.
وتوضح عائشة العلوية أنّ تطورات المرحلة تفرض علينا "التأني"، مشيرة إلى أنّ إفرازات "الربيع العربي" والمطالبات التي خرجت بها الشعوب العربية أسهمت في دفع الأنظمة السياسية لإعادة صياغة رؤيتها ونظرتها إلى المواطن، بمعنى أنّ النظام السياسي أو النظام الحاكم في دولة ما في عصر المعلومات وطفرة العالم بالاتصالات، لا تستطيع أن تمارس دور التثقيف الفكري والسياسي الموجه لهذا المواطن، وبات المواطن العربي يستمد ثقافته الفكرية الشمولية من خلال إطّلاعه على العوالم الافتراضية في الانترنت ووسائل الاتصال الأخرى. وتضيف أنّ إفرازات "الربيع العربي" كشفت عن أنّ السياسة تدور في فلك مغاير لذلك الذي تدور فيه مطالبات واحتياجات الشعوب، لذلك يفترض في الوقت الحالي أن تنظر كافة الأنظمة السياسية إلى شعوبها بعين مختلفة، مستعيدة النموذج البرلماني في السلطنة من خلال الإشارة إلى أهمية التخلص من كلمة "تجربة الشورى" في السلطنة، داعية إلى الانتهاء من مرحلة التجريب.
البوسعيدي: المجالس البلدية في السلطنة نموذج فريد في اجتماع السلطات التنفيذية والمواطنين بكيان واحد-
د. حمد الغيلاني: المجالس البلدية تدعم مشاركة المواطن في صنع القرار والحد من مركزية الحكومة-
الغريبية: قوة المجالس البلدية مستمدة من دورها في المجتمع وليس في من يترأسها-
العلوية: مشاركة المرأة في المجالس البلدية تعكس الرغبة في صنع القرار-
د. عبدالله الغيلاني: النظام الانتخابي الحالي لا يوفر القدر الكافي من أسس بناء دولة المؤسسات-
د. الجابري: المجالس البلدية تنتظرها نقلة نوعية في المشاركة السياسية-
التصويت على كافة أنشطة المجالس البلدية تؤكد ديمقراطية القرارات الصادرة-
أهميّة التوسع في شروط الترشح لعضوية المجلس البلدي-
تخصيص مقعد للمرأة في المجالس البلدية يدعم العمل الشعبي-
المجتمع بحاجة ماسة للتنمية السياسية لدعم بناء دولة المؤسسات-
ضرورة إشراك المواطن في بناء دولة المؤسسات عبر التوعية السياسية والحقوقية-
قيام مجلس الشورى بالمهام الرقابية يضعنا على المسار الصحيح-
تطوير دولة المؤسسات يتماشى مع طموحات المواطن وضرورات المرحلة-
أدار الندوة: سعاد العريمية-
أعدّها للنشر: مدرين المكتومية- فايزة الكلبانية- أحمد الجهوري-
تصوير/ راشد الكندي-
أجمع المشاركون في ندوة جريدة "الرؤية" على أنّ توسيع المشاركة الشعبية في صنع القرار يسهم في دعم ركائز دولة المؤسسات، مشيرين إلى أنّ اتباع منهجية التدرج في التحول الديمقراطي يجنب البلاد ما أسموه "الانتحار السياسي".
وأكّد المشاركون في الندوة- التي حملت عنوان "دولة المؤسسات"- ضرورة تعزيز التوعية السياسية والحقوقية للمواطن العماني بما يصب في إطار التثقيف السياسي، والعمل كذلك على التأكيد على الدور الرقابي للمؤسسات المعنية وفي مقدمتها مجلس الشورى. وقال المشاركون إنّ التصويت على كافة أنشطة المجالس البلدية تؤكد ديمقراطية القرارات التي ستصدر عنها، لافتين إلى أهميّة التوسع في شروط الترشح لعضوية المجلس البلدي. وطالب البعض بتخصيص مقعد للمرأة في المجالس البلدية، بما يعزز مسيرة العمل الشعبي، والأخذ برأي المواطن في كافة القرارات.
وفي بداية الندوة رحّب حاتم الطائي رئيس تحرير جريدة "الرؤية" بالحضور، قائلا: "شكرا لتلبية دعوة المشاركة في الندوة"، موضحًا أنّ موضوع الندوة يحمل عنوان "دولة المؤسسات"، وهي القضيّة التي شدد عليها المقام السامي لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم- حفظه الله ورعاه- في خطاب جلالته الأخير بمجلس عمان. ويوضح الطائي أنّ الحديث عن دولة المؤسسات سبقته الكثير من الخطوات ومشاريع القوانين، بجانب عدد من الإجراءات والمراسيم التي صدرت لدعم مفاهيم دولة المؤسسات. ويرى الطائي أنّ صاحب الجلالة يتحدث عن هذا الأمر منذ خطاب جلالته الأول، حيث يشدد دومًا على مفهومي الدولة العصرية والدولة الحديثة، وهذا يعني ارتباط الدولة الحديثة بالمؤسسات ودولة القانون إلى آخر هذه المفاهيم. وأوضح الطائي أنّ مفاهيم مثل بناء دولة المؤسسات ودولة القانون لازالت تعاني من بعض سوء الفهم، والذي يتطلب سنوات لتوضيحه، نظرًا لأنّ دولة المؤسسات في الحقيقة تعتمد بشكل أساسي على المواطن، والمواطن عندما تكون لديه درجة من الوعي بحقوقه وواجباته يستطيع بذلك أن يقوم بدوره كاملا في إنجاح دولة المؤسسات، وذلك لتفادي أن يكون الحديث عن دولة المؤسسات مجرد "حبر على ورق"، لاسيما وأنّ المواطن هو المحور المركزي للتنمية.
تعزيز المشاركة الشعبية
وتبدأ الندوة في الحديث عن انتخابات المجالس البلدية، وهي أحد أشكال دولة المؤسسات، وهنا يقول سعادة السيد إبراهيم البوسعيدي محافظ البريمي إنّ المجالس البلدية قائمة في السلطنة منذ فترة؛ غير أنّها كانت موجودة بطريقة مختلفة في محافظة مسقط وهي المحافظة التي كانت تشتمل على مجلس بلدي لعدة سنوات، وكان يمارس صلاحياته، لكن كان يتم اختيار الأعضاء بالتعيين وليس بالانتخاب. ويضيف أنّ الحال تبدلت بعد ذلك في ظل التقسيم الإداري الجديد لتتوسع فكرة المجالس البلدية في كافة المحافظات. ويوضح سعادته أنّه في هذا السياق ينبغي الإشارة إلى المشاركة الشعبية السابقة في اللجان البلدية بالولايات، حيث كانت تضم العديد من الأفراد في المجتمع، وكان الاختيار يتم من قبل المؤسسات الحكومية، حيث يشاركون في العمل البلدي عبر الإدلاء بآرائهم ومشورتهم، فضلا عن الدور الكبير خلال الفترة الماضية.
ويمضي البوسعيدي في القول إنّ التجربة الحالية تأتي متوافقة مع ما كان موجودا من نسق في عمل المجلس البلدي بمسقط، إلا أنّه أضيف لهذه المجالس- وفق القانون- الكثير من الاختصاصات، وهذه الاختصاصات التي ستمارسها المجالس البلدية تأتي في عمق متطلبات العمل التنموي في تنظيم المدينة لتشغيل الجوانب المرتبطة بالمجتمع؛ حيث تشمل الجانب البلدي والجانب السياحي وجانب الخدمات والطرق وأيضًا الجانب الصحي المتعلق بأنظمة المراقبة الصحية، بالإضافة إلى إعطاء الرأي والمشورة والمقترحات المرتبطة بالمنشآت الحكومية، أو البرامج التنموية والبنى الأساسية، وكذلك المتابعة لعملية التنفيذ.
وأشار البوسعيدي إلى أنّ بعض الاختصاصات تأتي مرتبطة بجوانب أخرى منها الجوانب البيئية وتقيميها، بالإضافة إلى الجوانب التخطيطية؛ حيث إنّ المجالس البلدية ستساهم بشكل كبير جدًا في مراجعة المخططات الهيكلية ودراستها ورفعها للجهات المعنية. وأوضح سعادته أنّ المجلس البلدي سيكون معنيًا بمناقشة الأمور المتعلقة بالمنافع العامة واستغلال المرافق الحكومية أو المرافق الخاصة وإبداء الرأي في ما يخص بعض التشريعات المرتبطة بجانب الرسوم والضرائب، وكذلك الجانب السياحي وغيرها التي سيتم تسليط الضوء عليها ومناقشتها في المجالس البلدية. ويتابع موضحا أنّ من بين مهام المجلس البلدي الاهتمام بالجانب المجتمعي، والذي سيدخل في العملية المرتبطة بالتنمية الاجتماعية، ومكافحة قضايا مثل التسوّل وبرامج ذوي الإعاقة والرعاية والأيتام والعمل على دراسة الجوانب المرتبطة بالاستجابة لهذه الجوانب، وما يخص أيضًا الكوارث وجوانب الدفاع المدني بشكل عام.
ويؤكد سعادة محافظ البريمي أنّ تجربة المجالس البلدية تجربة عالمية، غير أنّه من المؤكد أنّها تتضمن بعدًا خاصًا في سلطنة عمان، حيث يشترك في المجلس البلدي الأهالي والمؤسسات الحكومية والخاصة، وذلك وفق اجتماعات منظمة، ستعمل على اتخاذ القرارات وفق منهجية واضحة وقانون مرتبط بعمليات التصويت، ما يعني ديمقراطية القرارات الصادرة عن هذه المجالس.
صلاحيات المجلس البلدي
ويقول الدكتور حمد الغيلاني إنّ المجالس البلدية كانت مطلبًا شعبيًا كما أنها تطبق في العديد من دول العالم، حيث تلعب دورًا كبيرًا، نظرًا لما تقدمه من خدمات ولا يقتصر الأمر على العمل البلدي وحسب. ويضيف أنّ المجالس البلدية في السلطنة سيتم تفعيل دورها بشكل ملحوظ، بفضل النظام الانتخابي الذي يتم على أساسه اختيار الأعضاء المشاركين في المجلس، الأمر الذي من شأنه تعزيز الجانب الشعبي في العمل والمشاركة الشعبية في صنع القرار، والحد من مركزية القطاع الحكومي، مشيرًا إلى أنّ كل ذلك سيعمل على نطاق واسع في دعم مسيرة التنمية بكافة المحافظات.
ويلفت الغيلاني النظر إلى مدى المنافسة التي ستشهدها هذه المجالس فيما بين المحافظات، فكل محافظة ستساهم في اختيار أشخاص جديرين بثقة الجماهير التي انتخبتهم، وهذا ما يعزز التقدم التي تشهده البلاد، غير أنّه يستدرك في بعض الملاحظات، ويذكر الغيلاني الملاحظة الأولى والمتمثلة في شروط الترشح للمجلس البلدي، حيث لا يوجد شرط يحدد المستوى التعليمي أو يحدد الشروط العامة لأي شخص فيما يخص مستوى الثقافة والخبرة والسمعة، وهذا يعني أنّ الترشّح مفتوح دون أي شروط. ويوضح أنّ العمل في المجالس البلدية سيكون مرتبطًا بالتخطيط أو الإدارة، وهو ما يتطلب خبرات محددة واختصاصات معينة، ما يستلزم وجود ضوابط وشروط للترشح إلى المجلس البلدي، كي يكون الأعضاء فاعلين على النحو المأمول.
ويمضي بقوله إنّ اختصاصات المجلس البلدي تحتاج إلى الاهتمام بجوانب إضافية؛ خاصة في الجانب القانوني الذي يجب أن يتمتع المرشح للمجلس البلدي بخبرات سابقة فيه، بحيث إنّ المجلس البلدي نفسه يصدر قرارات وليس مجرد اقتراحات. ويشير الغيلاني إلى أنّ الإمكانيات المادية للمجالس حتى الآن ليست واضحة حتى بالنسبة للمحافظات، معربًا عن أمله في أن يكون هناك استقلال لدور المجلس البلدي من الجانب المادي.
ويرى سعادة السيد إبراهيم البوسعيدي أنّ ما طرحه الدكتور الغيلاني يمثل رؤية واقعية، غير أنّه أوضح أنّ ثمة آراء أخرى، وضعت في الاعتبار، منها أن وضع شروط معينة قد يمكن تفسيرها بأنّها قيود على المشاركة في هذه المجالس، بما قد يعيق البعض عن المشاركة، ومنها المستوى التعليمي. ويقول البوسعيدي إنّ بعض الشروط التي ترتبط بتعريف الشخص فيما يخص المشاركة والانجازات قد تحرم فئة كبيرة من المجتمع في هذه المرحلة، مشيرًا إلى أنّ المجلس يفترض به أن يضم مواطنين على مستوى تعليمي جيد. ويرى البوسعيدي أنّ فتح الباب أمام قطاعات عريضة من المجتمع يتيح المجال لمشاركات أوسع في المجالس البلدية خلال الفترة الحالية.
شمولية الاختصاصات
وأوضح البوسعيدي أنّه فيما يتعلق بالاختصاصات، فقد جاءت في معظمها شاملة لأنّ هذه المجالس تأتي في جانب الاستشارة، ولكن في الواقع أنّ ممارسة العمل في الكثير من الهيئات الاستشارية أو الجهات الاستشارية حتى مثل اللجان البلدية (سابقا) يسهم في تنفيذ الأعمال بشكل أسرع بفضل البرامج والمقترحات والأفكار التي يفترض وضعها في الاعتبار فيما يخص العملية التنموية واتخاذ القرار. ويؤكد البوسعيدي أنّ هذه التجربة حديثة على السلطنة، غير أنّ ما يحيط بها من ممارسات ينبئ بالخير منها، في ظل الممارسة الواعية للمهام والإجراءات التنفيذية. ويرى أنّ الإمكانيات أو المخصصات المالية للمجالس البلدية، تأتي في إطار الخطط الخمسية المعتمدة في الوحدات الحكومية، والتي هي أساس المشاركة في المجلس البلدي. ويستطرد البوسعيدي في هذا السياق ليوضح أنّ من ضمن أختصاصات المجلس البلدي إسداء الرأي والمشورة واقتراح المشاريع التنموية في الخطط الخمسية، متوقعا أنّ مثل هذه الآراء والمشورات ستظهر بشكل أكبر من خلال الخطة الخمسية التاسعة، بحيث إنّ المجالس البلدية في 2013 و2014 ستعمل بشكل قوي جدا وستضع رؤية أفضل لمراجعة ووضع اقتراحاتها لمشاريع الخطط الخمسية قبل اعتمادها ومباركتها، لتتوافق مع الاحتياجات بشكل عام.
وأشار إلى أنّ هناك جانبا آخر مرتبط بالجانب الإبداعي، وتوقع سعادته أنّ تحقق المجالس البلدية تميزًا لو استطاعت أن تفرز مشاريع ذات طابع إبداعي جاذب واقتصادي مؤثر وموفر للوظائف وفرص العمل.
وتؤكّد زينب الغريبية أنّ القوة الحقيقية للمجالس البلدية تأتي من دورها في المجتمع، وليس في من سيترأسها، سواء كان صاحب معالي أو أي مسؤول آخر، معربة عن أملها في أن تقوم اللجان المختصة في هذه المجالس باتخاذ القرارات المناسبة وأن تكون خير تجسيد للهدف الذي وضعت من أجله.
صنع القرار
ويقول الدكتور رسول الجابري إنّه عندما تمّ وضع قانون المجالس البلدية كان الغرض الأساسي في هذا التحول هو تفعيل مشاركة المواطن في صنع القرار، موضحًا أنّ الحديث عن دولة المؤسسات يعني بالضرورة ترسيخ هذه المؤسسات، وهو ما تمّ بالفعل خلال السنوات الماضية، فبعد أن كان اختيار أعضاء مجلس الشورى بالتعيين بات الأمر بالانتخاب الحر المباشر والسري، وعلى الرغم من ذلك كانت مشاركة المواطن قائمة، إلا أنّ السلطنة تتبنى مبدأ التغيير التدريجي، أي التدرج في إنشاء المؤسسات. ويشدد الجابري على أنّ المجالس البلدية تنتظرها نقله نوعية في نوعية في المشاركة، نظرًا لأنّ الشورى يناقش عددا من القضايا على المستوى الكلي والمستوى الوضعي، أمّا المجالس البلدية فستكون أكثر مساسًا بحاجات المواطنين المحليّة.
تواجد المرأة
وتقول عائشة العلوية إنّ المجالس البلدية في بداية تشكيلها أثارت تساؤلات كثيرة فيما يتعلّق بسقف الصلاحيّات الممنوحة في هذه المجالس، موضحة أنّ ما أشار إليه سعادة السيّد محافظ البريمي يصب في خانة هذه التساؤلات، ولكن قول الدكتور رسول الجابري إنّ مجرد رفع التقارير عن أداء اللجان إلى الوزير المختص ومن ثمّ مجلس الوزراء، يضع توصيات هذه اللجان في صلب صناعة اتخاذ القرار على مستوى الدولة. وتضيف أنّه في جانب آخر تتساءل فيما يتعلق بتداخل الصلاحيات والاختصاصات بين أصحاب السعادة أعضاء مجلس الشورى والمجلس البلدي، مشيرة إلى اختلافها مع الدكتور رسول الجابري في أنّ القضايا التي تثار في مجلس الشورى ذات طابع شمولي وعام، لأنّ أعضاء الشورى حريصون على نقل هموم واحتياجات ولاياتهم ومحافظاتهم وقراهم التي ينتمون إليها باعتبارهم الوسيط في إيصال صوت المواطنين إلى الجهات المختصة والقبة البرلمانية، لكن المجالس البلدية يجب أن تتبلور التجربة فيها ويتفاعل المجتمع معها، وعندها سيكون التداخل قائمًا بين مجلس الشورى ومجالس البلدية، وخيارات المواطنين وانتخابهم هي من توصل المرشح سواء إلى قبة المجلس البلدي أو مجلس الشورى، موضحة أنّ كثيرا من الاختيارات قبلية في المقام الأول، بما يشير لإمكانية تفضيل هذا الجانب على جوانب أخرى مثل الخبرة.
بينما يوضح الدكتور رسول الجابري أنّ حديثه عن أنّ مجلس الشورى يناقش قضايا على المستوى الكلي؛ والمجالس البلدية تناقش قضايا على المستوى المحلي، يقصد به أنّ التخطيط العملي يضم 3 مستويات؛ الأول: المستوى الوطني، وهو يناقش قطاعات الزراعة والصناعة وغيرها، والمستوى الثاني: هو مستوى المحافظات والأقاليم، أمّا المستوى الثالث: فهو المستوى المحلي، والذي يقصد به القرى والولايات. ويقول إنّ المستوى المحلي هو مستوى الولايات، وفي هذه الحالة يتضح دور المجالس البلدية بشكل قوي، حيث إنّ ممثل الولاية بالمجلس البلدي على احتكاك قوي بالمواطنين واحتياجاتهم، وكذلك بالنسبة لممثل الولاية في مجلس الشورى لديه نفس الاهتمامات، ومن هنا يتضح أنّ هناك بالفعل تداخلا ظاهريًا في الصلاحيات بين المجلسين، متسائلا عن الحل لهذه التناقضات والتداخلات. ويشدد الجابري على أهميّة الانتباه لهذه التداخلات كمرحلة أولى، وعمّا إذا كان يجب على ممثلي المجالس البلدية أن يناقشوا نفس المواضيع التي يناقشها مجلس الشورى، وقد تطرح توصيات مختلفة متناقضة، ما يفرض ضرورة وضع حل لهذه التناقضات المحتملة. ودعا الجابري إلى مبادرات تشجيعية لانتخاب المرأة، وعلى جمعيات المرأة العمانية أن تعمل على تشجيع التصويت للمرأة، وهذا يحتاج إلى كثير من البرامج التوعوية والتعريفية.
وترى العلوية أنّ دور المرأة في المجالس البلدية يعكس رغبتها في بناء الوطن وهو واجب على كل مواطن سواء كان رجل أو امرأة، فالجميع يجب أن يكون له دور فاعل في خدمة وتنمية الوطن، موضحة أنّه من خلال قوائم المرشحين للمجالس البلدية في دورتها الأولى هناك أعداد من النساء المرشحات لا بأس بها، وهن اللائي وجدن في أنفسهن القدرة والرغبة والثقة للمساهمة في العطاء من أجل الوطن، مشددة على أنّ المجالس البلدية ستكون أحد روافد صناعة القرار ومساهمة الوطن سواء كان رجلا أو امرأة في كثير من الخطط والمقترحات التي من شأنها أن تساهم في التنمية على مستوى المحافظات.
مناقشة القضايا
ويرى البوسعيدي أنّ مشاركة المرأة كمواطنة يحمل دلالات مهمة، والسبب في ذلك أنّ كثيرا من الاختصاصات والقضايا التي يطرحها المجلس البلدي يفترض أن تلامس جانبا مهما جدا وهو الجانب المجتمعي بشكل أكبر، وقد تكون قضايا مرتبطة بالأسرة ومتطلباتها وجوانب مرتبطة بدور الأيتام والمعاقين وغيرها في مقدمة هذه الأمور والتي تحتاج لمشاركة المرأة بشكل كبير. ويشدد البوسعيدي على أهميّة وجود المرأة لمناقشة القضايا المرتبطة بالمرأة؛ حيث إنّ هناك كثيرا من القضايا التي تخص الأسرة والجانب النسائي سيتم طرحها، ولن يكون هناك أفضل من المرأة للحديث عنها، متمنيًا التوفيق والنجاح للنساء المرشحات.
وتقول زينب الغريبية إنّها تعترض على ما يثار حول عزوف بعض المثقفين عن الترشّح، مستدلة في ذلك على ترشح عدد من المثقفين، غير أنّهم لم يحققوا فوزًا في الانتخابات.
ويقول الدكتور حمد الغيلاني إنّ قضية التدرج في مؤسسات الدولة قد تأخذ سنوات طويلة، مقترحا أن يتم البدء من النقطة التي انتهى إليها غيرنا. ويضيف: فيما يتعلّق بالمرأة فإنّه يوجد أكثر من 1600 مرشح، 50 منهم فقط من النساء، متسائلا عن إمكانية تحديد مقعد واحد فقط للنساء على الأقل في كل ولاية، بهدف ضمان تواجدهن في المجالس البلدية، كما أنّ هناك عددا من الولايات بالسلطنة توجد بها نيابات، فلماذا لا يكون هناك تمثيل خاص لهذه النيابات.
دولة المؤسسات
ويقول الدكتور عبدالله الغيلاني إنّ مفهوم دولة المؤسسات ليس غريبا على التجربة الإسهامية، فالتجربة الإسهامية مفهوم متجذر من تجربة المسلمين منذ أن قامت دولة المدينة وبعدها الخلافة الراشدة والذي توقف بعدها نتيجة للتطورات السياسية، وتحول الحكم إلى شيء آخر، فعندما نتحدث عن دور المؤسسات كمفهوم معاصر هو مفهوم غربي تطور في التجربة الغربية، وبالتالي نحن نستورد هذا المفهوم اليوم بكل علله. ويضيف أن هذا المفهوم له جذور في التجربة الإسهامية، خاصة أنه قام في بيئة قبلية شبيهة جدا بالبيئة العمانية، بجانب أن السلطنة قطعت شوطا كبيرا لتشكيل دولة المؤسسات، متسائلا عن مدى بلوغ المرحلة التي نرضى عنها في هذا المضمار. ويرى أنه بعد مرور 42 عام على النهضة العمانية، فقد آن الآوان للبناء المؤسسي والإصلاحات القانونية المتلاحقة، وهنا يجب أن ننتقل من مرحلة بناء الهياكل إلى تفعيل المضامين، فنحن ما زلنا في مرحلة بناء الهياكل الدستورية، والتشريعية وغيرها.
ويؤكد أنّ هذه الهياكل تكاد تكون اكتملت، فلدينا سلطة تشريعية بتفاصيل واسعة جدًا بجانب سلطة تنفيذية، وسلطة قضائية سيكتمل بناؤها في مراحل لاحقة من خلال إنشاء المحكمة الدستورية ومجلس القضاء الأعلى.
ويشير الغيلاني في هذا الإطار إلى تفعيل المضامين الخاصة بدولة المؤسسات، حيث إنّ هذه هي المرحلة التالية، فتفعيل المضامين يصطدم بجملة من العقبات، فمن حيث الطابع القبلي للمجتمع نواجه معادلة صعبة وفي غاية الدقة، فلا أحد يريد إلغاء القبلية، ولا نريد تدمير البناء القبلي، ولكن في المقابل لا نريد أن تتحول اللبنة القبلية كبديل للمؤسسات الدستورية والسياسية، لذلك فالمجتمع أمام معادلة صعبة في كيفية المحافظة على الثقافة القبلية في المجتمع دون أن تتحول إلى بديل للمؤسسات الدستورية أو مؤسسات المجتمع المدني، ما يفرض علينا السعي لإيجاد تصور لحل هذه الأزمة. ويوضح أن القبلية في الجوانب الاجتماعية والسياسية هي صلة رحم وتكافل اجتماعي تمثل كل هذه المعايير والقيم، ويجب أن نحافظ عليها في ظل هذا المعنى، وهذا دور الحكومة والمجتمع ممثلا في وسائل الإعلام والنخبة المثقفة ومنظمات المجتمع المدني.
ويمضي الغيلاني موضحًا أهميّة التأكيد على بعض المفردات كالتدرج وخصوصية المجتمع العماني، فالوضع لا يسمح بإحداث قفزات في الهواء، ولابد من التدرج وهو أمر طبيعي، غير أنّه يرى أنّ هناك إفراطا في المخاوف الرسميّة، فما زالت المؤسسة الرسمية متخوفة ولم تصل إلى مرحلة تبلغ فيها ما وصفه بـ"الرشد"، وهو أمر يحمل مبالغة، ولاسيما وأنّ المجتمع العماني مجتمع ناضج مرت عليه 42 سنة من التطور في التعليم والصحة ومختلف القطاعات، ولا يوجد مبرر لوجود مخاوف من الجهات الرسمية. ويشير الغيلاني إلى أنّ المشكلة تكمن في بعض إفرازات العملية الانتخابية، فحينما تتاح الفرصة للمجتمع أن يختار من يمثله في مجلس الشورى والمجالس البلدية، تأتي النتائج في بعض الولايات إلى حد ما "مخيبة للآمال"، على حد قوله، وهو ما يتخذ ذريعة للقول أنّ المجتمع ما زال "غير ناضج". ويرى الغيلاني أنّ الأزمة ليست في اختيار المجتمع بقدر ما هو نظام العملية الانتخابية الذي يسمح بهذه المخرجات، لذا يجب إعادة النظر في نظام الانتخابات سواء الشورى أو المجالس البلدية، ويجب أن تكون هناك حوافز مما يدفع الناس إلى التسابق للترشح.
ويقول إنّ النظام الانتخابي الحالي لا يتضمن هذه المقومات، فليس هناك ضمانات مالية، فعضو مجلس الشورى بعد أربع سنوات ولاسيما بعد انخراطه في العملية الانتخابية، لن يجد له ضمانات تقاعدية، مشيرًا إلى أنّ الدولة والمجتمع بحاجة إلى العناية بالتنمية السياسية بكافة قطاعاتها، وأن نضمن خطابنا الفكري والإعلامي خاصة وأننا نعمل على تطبيق دولة المؤسسات فيجب بناء الإنسان بناءً سياسيا يمكنه من المشاركة الفاعلة في عملية بناء الوطن كبناء الإنسان تعليميا وأخلاقيا واقتصاديا وثقافيا.
التنمية السياسية
ويمضي الدكتور الغيلاني قائلا إنّ المجتمع والدولة في حاجة إلى العناية بالتنمية السياسية، حيث نحتاج بالفعل إلى أن نضمن خطابنا الفكري وخطابنا الإعلامي وخطابنا التعليمي بما يحقق لنا كمجتمع تنمية سياسية حقيقية، وخاصة إننا مقبلون على بناء دولة المؤسسات، وهو بناء يجب أن يكون سياسيا يستطيع الإنسان من خلاله أن يكون فاعلا حقيقيا في عملية البناء الدستوري وفي بناء دولة المؤسسات.
وتعترض زينب الغريبية على ما ذكره الدكتور عبدالله الغيلاني في أنّ الطابع القبلي يمثل عقبة، حيث ترى الغريبية أنّ المجتمع تخطى هذه المرحلة كدولة مؤسسات، بحيث لا يوجد ما يقال عن أنّ قبيلة معينة تضمن الفوز بمقعد محدد، فالأخطاء التي تحدث في الانتخبات منتشرة ولا تقتصر على قبيلة أو ولاية بعينها، كما أنّ القانون يسرى على الشيخ الفلاني أو الابن الفلاني، فالكل مسؤول أمام القانون.
وتطرح مديرة الندوة تساؤلا بشأن كيفية تدعيم أركان السلطات الثلاث ومن أهمها السلطة التشريعية وتوسيع صلاحيات مجلس عمان الرقابية والتشريعية، بجانب كيفية تقييم مدى قدرة مجلس عمان على ممارسة هذه الصلاحيات، وهنا يجيب سعادة السيد إبراهيم البوسعيدي محافظ البريمي بقوله إنّ الجانب الرقابي أحد الجوانب المهمة والتي من المؤمل من مجلس الشورى فعليا أن يقوم به بشكل أقوى، لأنه كلما كانت هناك رقابة كلما كنا في المسار الصحيح، وسيساهم في تقليل الفساد.
ويضيف أنّه فيما يتعلق بالتنمية فإنّه يعول على مجلس الشورى بأن يفرز من خلال مراجعته للخطط التنموية وللبرامج التنموية واقترابه من مجلس الدولة كرديف، وأن يفرز أمورًا ملموسة للمجتمع يستطيع من خلالها أن يستشعر قيمته، وبالتالي سيستطيع في المرحلة الانتخابية القادمة أن يدفع بمرشحين ذوي كفاءات أفضل.
ويوضح البوسعيدي أنّ سلطة التشريع في مجلس الشورى ينبغي أن تتناسب مع حجم الإحتياج إلى هذه التشريعات والتي بدورها تعكس متطلبات المجتمع، ويتعين على مجلس الشورى أن يكون مشاركا بشكل أقوى فيما يخص الجانب التشريعي بما لا يعطي صلاحية أكبر للاستغلال. ويشدد البوسعيدي على ضرورة أن يكون النموذج الديمقراطي خاصا بالسلطنة، لا أن نحصل على نظام مستورد، فهذه الديمقراطية تنبع من احتياج المجتمع والدولة.
السلطات الثلاثة
ويؤكّد الدكتور حمد الغيلاني على أهميّة تضافر جهود السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والرقابية بما يضمن تحقيق الإيجابيات والبعد عن السلبيات، مشيرًا إلى أنّه يتعين على مجلس الشورى مراجعة القوانين والتشريعات الموجودة سابقا بهدف تطويرها بما يصب في مصلحة البلد وخاصة في مجال الحريات والحقوق وغيرها.
ويستدرك الغيلاني بالقول إنّ الكثير من القرارت التي صدرت ومنها القرارات التشريعية وخاصة القرارات الأخيرة لم يتم تمريرها على أعضاء مجلس الشورى، وبحسب صلاحيات مجلس الشورى كان من المفترض أن تمر مثل هذه التشريعات على المجلس قبل إقرارها.
ويعرب الغيلاني عن أمله في أن يعيد مجلس الشورى قراءة كل القوانين السابقة وبالتحديد القوانين التي صدرت أخيرًا في مجال حريات التعبير وحرية الرأي والنشر، لفتح آفاق جديدة لهذه الحريات.
ويقول الدكتور رسول الجابري إنّ مسألة التدرج غاية في الأهمية، ويجب الحذر منها، حيث قد يؤدي التدرج إلى التأخر، مشيرًا إلى ضرورة عدم الإبقاء على مسألة التدرج كفلسفة للتطوير والتغيير بالسلطنة، ولا ينبغي الخوف من التغيير. ويضيف الجابري أنّ هناك تأكيدا على الحرص على سياسة التدرج، وعدم اللجوء إلى حرق المراحل وهو أمر ليس بالهين في مجتمع قبلي، فلم يكن من المتصور الحديث في عام 1974 عن دور المرأة والجمعيّات النسائية وتمثيل المرأة بالمجالس، أمّا الآن فبإمكاننا الحديث بملء أفواهنا عن دور المرأة وضرورة تمثيلها وأن تشارك في صنع القرار، فالتدرج مطلوب لكي لا نحرق مرحلة ولكي لا نعرض أنفسنا إلى نوع من الانتحار السياسي.
ويمضي موضحا أنّه لا يكفي أن تكون لدينا مؤسسات تطوير ومؤسسات جديدة مثل هيئة حماية المستهلك لنقول إنّ هناك تفعيلا للمضامين، مشيرًا إلى أهمية أن يكون هذا التفعيل قائمًا على كافة الأمور.
نجاح التطوير
ويتابع الجابري بالقول إنّ هناك مرتكزات تؤدي إلى نجاح التطوير وأولها وعلى رأسها وجود القائد المحنك وقبوله بالتغيير من أول لحظة لفجر النهضة، حيث إنّ جلالته هو من قال نريد بناء دولة عصرية، وبالتالي الدولة العصرية تعني دولة المؤسسات.
ويشدد الجابري على وجود رغبة أكيدة لدى القيادة السياسية لبناء دولة المؤسسات، وبمقارنة بسيطة بين الأوضاع عام 1970 والوقت الحالي، يتضح الفارق الكبير والسعي المحموم لبناء هذه الدولة العصرية.
وفي هذا، يشير الجابري إلى أهمية عدم القول إنّ التطور وبناء الدول لا يقاس بمعايير زمنية، فالتطور عملية مستمرة وديناميكية، يتبع طموحات المواطنين وضرورات المرحلة.
وتوضح عائشة العلوية أنّ تطورات المرحلة تفرض علينا "التأني"، مشيرة إلى أنّ إفرازات "الربيع العربي" والمطالبات التي خرجت بها الشعوب العربية أسهمت في دفع الأنظمة السياسية لإعادة صياغة رؤيتها ونظرتها إلى المواطن، بمعنى أنّ النظام السياسي أو النظام الحاكم في دولة ما في عصر المعلومات وطفرة العالم بالاتصالات، لا تستطيع أن تمارس دور التثقيف الفكري والسياسي الموجه لهذا المواطن، وبات المواطن العربي يستمد ثقافته الفكرية الشمولية من خلال إطّلاعه على العوالم الافتراضية في الانترنت ووسائل الاتصال الأخرى. وتضيف أنّ إفرازات "الربيع العربي" كشفت عن أنّ السياسة تدور في فلك مغاير لذلك الذي تدور فيه مطالبات واحتياجات الشعوب، لذلك يفترض في الوقت الحالي أن تنظر كافة الأنظمة السياسية إلى شعوبها بعين مختلفة، مستعيدة النموذج البرلماني في السلطنة من خلال الإشارة إلى أهمية التخلص من كلمة "تجربة الشورى" في السلطنة، داعية إلى الانتهاء من مرحلة التجريب.