التينة - جديد وليد النبهاني

    • التينة - جديد وليد النبهاني









      إنها شجرة بعيدة لن تصل الفؤوس إليها. ثم ما الذي يجعل من حطاب يفكر في احتطاب تينة؟ لم أسمع عن أحدهم أنه تدفأ بخشب التين أو أنار به ليله أو اتخذه دعامة لبيته. كما أن زهرة التين لا يجذب رحيقها النحل. إنها بعيدة على كل حال عن السيح. نمت هناك بجانب البئر فتنة لبقية الأشجار. تزهو بخضرتها ولربما شربت ماء البئر كي تحافظ على نضارتها.


      هكذا نستطيع القول إن التينة بعيدة عن حسابات الحطاب الفقير الذي كان لديه ثلاثة أبناء أكبرهم أصر على مرافقته في ذلك اليوم. ليس علي أن أسرد الأسباب التي تجعل من ابن كبير يرافق أباه بحثا عن الحطب. فربما كان يود التعلم من أبيه ليرث منه المهنة بعد موته. وربما شعر بالملل في البيت مع أخويه الأصغرين فأراد أن يخرج من ذلك الملل. الاحتمالات كثيرة وهذه بعضها.


      إذن مضى الحطاب مع ابنه الأكبر. لكن ما بال الابن لا يجمع الحطب مع أبيه؟ لقد اتخذ ركنا بعيدا وجلس هائما في السيح كعاشق. لم يبال الأب بذلك، وربما تعب من تربيته فلم يكلمه أو يستحثه على مساعدته. نحن بحاجة إلى شيء مشوق. شيء يجعلنا نتابع هذا المشهد الممل أمامنا.


      " أنا عطشان".


      ها قد كسر رتابة مللنا أخيرا. لكن ما الذي يجعله يشعر بالعطش وهو لم يساعد أباه؟ كان جالسا على جذع يابس بدلا من أن يحتطبه. إننا نفاجأ بمثل هذه العبارات. فقد كان من الأولى أن يقولها الأب المتعرق من شدة العمل لا هذا الابن الكسول.
      "هناك بئر قريبة بجوارها تينة".


      أجابه الأب ببسالة من يهش ذبابة عن وجهه. لكن ما الذي عساه يقصده أن البئر بجوارها تينة؟ هل هشاشة أغصانها تماثل هشاشة ابنه؟ على أية حال لقد قصد الحطاب أن يستحث هذا الكسول.
      عدنا إلى التينة التي بجوار البئر مجددا. لكن الابن لن يعود إلى أبيه لأن البئر كانت جافة فتسلق التينة ليأكل من ثمارها ولم يعد إلى أبيه.


      "إذن فقد سحرته الجنية". وعاد الحطاب إلى البيت حاملا معه وقر الحطب. لم يذرف دمعة ولم يصل على ابنه صلاة الغائب. لا بد أنه خاف على نفسه من أن تمسك الجنية به كذلك.


      حين عاد الحطاب إلى السيح مجدداً كان ابنه الأوسط معه هذه المرة. ولسبب غير مقنع لكن لا بد من سرده في الحكايات بقي الابن الأصغر في البيت. بالتأكيد أنتم لم تفكروا بما كان يفكر فيه الحطاب. فهو على الأرجح كان يختبر أبناءه لكن بطريقة ذكية. فقد كان بإمكانه مثلا أن يجمع حزمة أعواد مما احتطبه ليختبر قوة أبنائه واتحادهم. لكن ذلك سيحيلنا إلى قصة أخرى مل الحكّاؤون من سردها. وهكذا سنبتعد عما كان يدور في ذهن الحطاب. إنه كما قلنا يختبر أبناءهم ولكن بطريقة مختلفة. ولولا ذلك لما سردت لكم هذه الحكاية.


      إذن رافق الابن الأوسط أباه إلى السيح. لكنه لم يفعل شيئا ذا أهمية. كان كأخيه الغائب شاردا وكسولا. لا يعنيه مما كان يفعله أبوه شيئا. وهكذا لم يول الأب أهمية بابنه الآخر إذ مضى في الاحتطاب بل إنه لم يحذره من الجنية التي تحرس التينة بجوار البئر حين أشار الابن بأنه عطشان.
      إنه لأمر محزن أن يعود الحطاب إلى بيته دون ابنيه. وهذا ما رأيناه في عيني الحطاب الذاويتين. لقد بقي لديه ابن واحد. لن يسمح له بمرافقته إلى ذلك السيح الملعون. وسيهدده بالجنية التي تسحر كل من يذهب إلى البئر ويأكل من التينة. لكن الابن أصر على مرافقة أباه.
      "سأخلصهم من تلك الساحرة".


      يقول كلاما كبيرا هذا الصغير. صحيح أننا لا نعلم مدى صغر سنه ولا سن أخويه. لكن يبدو أنه يخبئ ثأراً قديماً جديراً بالتشويق لمتابعة هذه الحكاية المملة. ما الذي سيفعله حقاً؟ ها هو يعطش كما عطش أخواه من قبل. ويمضي إلى البئر بثقة تامة. يتناول بكرة البئر وينزع عنها حبلها. هل سيشنق نفسه؟ إنه يلف الحبل في غصن التينة لكن لا يبدو أنها مشنقة بل أرجوحة. يركبها ويحاول أن يدفع نفسه. من هذه الفتاة الجميلة التي نزلت عن التينة؟ هل هي الجنية التي حذرها منه أبوه؟ تدفعه بمهارة كأنها معتادة على ذلك. يبدوان سعيدين باللعب في غصن هذه التينة التي كانت تهتز بشدة دون أن يسقط منها تين ولا مسحورين. فقد كانت جافة كالبئر التي بجوارها. لن يظهر الأخوان مجدداً كونهما عرفا طريقهما أخيرا. ولا أخوهما الأصغر الذي كان مستمتعا بما يفعله مع الفتاة. وسيعود الحطاب إلى بيته سعيداً لأنه سيتزوج أخيراً امرأة اشترطت أن يكون وحيدا بلا أولاد للزواج منه.


      وليد النبهاني




      المصدر : مدونة وليد النبهاني