في الأيام الأولى سألني زميلي عما إذا كنت أرغب في كوب من الشاي، ونظراًً لقدر الجوع الذي أشعر به في ذلك المكتب الكئيب جداً والذي يشبه السجن إلى حد كبير وافقته بإمتنان كبير، فتح خزانة يحتفظون فيها بقواطي حليب أبو قوس وأكياس الشاي، ويقول لي أنه لم يجد شيئاً وأنه يجب أن يشحت من المكاتب المجاورة، ظننت أن الرجل يمزح معي، قلت له بصفتي موظف جديد لا بأس أن آتي معك وأتعرف على الموظفين في الأقسام الأخرى.
دخلنا لأكبر المكاتب هناك، وأستأذن أحدهم أن يأخذ كيس شاي وما تبقى من الحليب في قوطي وضع على جنب، أذن له على بعض مضض، وأعطاني كيس شاي ليبتون صغير جداً طالباً مني إخفاءه، وأنا مازلت أتمتع بسذاجة الموظف الجديد، ثم نبهني مرة أخرى أن أخفيه وألا يراه أحد، تسائلت حينها عن ماهية المشكلة .. وأنا في حيرة كبيرة، بعدها ببضعة أيام تحدث معركة كبيرة بين مديري قسمين بسبب كيس شاي ليبتون صغير أخذه موظف من قسم آخر، حينها إتضحت لدي الصورة والمكان الذي وافق الكثير من حساباتي ولكني هنا بالذات أدركت هنا أني في عصور ما قبل التاريخ وأعيش بين ديناصورات ..
عندما تكون مؤسسة كبيرة قائمة على أكتاف البيروقراطية فهي مؤسسة لا تثق بموظفيها، وتمارس هدماً ممنهجاً بلا وعي لتدمير ذاتها وبمعاولها وبأيديها، وتكرس واقع الموظف المتسيب المتهرب من عمله الفاشل الذي لا يستجيب إلا بالزجر والتأنيب، وتحول منه ديناصوراً مهدم الفكر فاقد القدرة على الإنتاجية يحمل بذاته بذور الفساد الوظيفي .. هنا لم يستطيعوا الثقة بأحد لإدارة بضعة أكياس لبتون وقوطي حليب بوقوس (قهقة بحجم السماء هنا) !
كيف تقيس هذه المؤسسة الإنتاجية؟ إنها تفعل ذلك بطريقة ديناصورية قديمة للغاية، وضعوا جهازا على الباب يجب أن تبصم وتدخل رقماً ليسجل وقت دخولك لمكان العمل، ثم تفعل الشيء ذاته عندما تغادر، وإنتاجيتك تقاس بوقت حضورك ثم إنصرافك، إمعاناً في التخلف والرجعية ..
يقوم الموظف المتسيب بإساءة إستخدام نظام العمل لتحقيق مصلحة ما، تقوم مؤسسة الديناصورات بإستحداث قانون جديد للحد من الضرر ولكنها تحدث ضرراً أكبر وتصبح عائقاً أكبر في سبيل الإنتاجية وتصبح في حد ذاتها عنق زجاجة لكل النوايا الطيبة، وتبرز النوايا السيئة وتعزز بكل قوة ويتم محاسبتك عليها حتى قبل أن تبدر منك لتموت الإنتاجية والولاء للعمل ..
أنا أعتقد أن الفني الذي قضى جل حياته المهنية يستخدم يديه أكثر من عقله ويحل مشاكل فنية غاية في الصغر والدقة لن يمكنه النظر للحلول الجذرية في باقي حياته، لذلك لا يمكن له أن يدير مؤسسة، عقله وقدراته قاصرة حتى لو رفعت من تأهيله، سيظل دائما يحل المشاكل بحلول مؤقته تخلق بحد ذاتها واقعاً أسوأ .. وتصبح المشكلة أعمق بكثير عندما يكون هذا الفني قد تجاوز مرحلة خلق الخبرة والنظرة الواسعة، وتستمر سفينة الديناصورات في خوض عباب التاريخ حتى تغرق في يوم بائد أسود.
من الرائع جداً عندما تنتقل من بيئة لبيئة أخرى أن ترى أموراً لم تكن لتراها دون أن تجازف وتعيش التجربة، وثق تماما أن كل الحسابات غالباً ما تكون قاصرة مهما بلغت من دقتها ..
في هذه التدوينة أعرض عليكم لمحة من إداريات فشكولية .. آملاً أن تكون لكم عوناً في إدارة أعمالكم وبالذات الخاصة منها وسأكون سعيداً لأناقش معكم ما تشاؤون ..
وصافي صافي ..
المصدر : فشكول