تُشكِّل تجربة الأديب العماني الرّاحل عبدالله الطائي ( 1924_1973م) إحدى التّجارب العمانيّة المعاصرة الرائدة في مضمار الثّقافةِ والمعرفةِ والفِكر، إذ كانت مسيرة حياته حافِلة بالعطاءِ والمثابرة الدؤوبة لإثراء المشهد الإنساني، وذلك من نِتاجهُ وإسهامه في المجال الإعلامي والثّقافي والتّربوي في عُمان والبحرين والكويت والإمارات، وقد جاء كتاب (طائِر الشّعر والرّحيل: عبدالله الطّائي إنسانًا ومبدعًا) حصادًا لندوةٍ ثقافيّة كان النّادي الثّقافي قد خصّصها لعبدالله الطّائي ضمن برنامج " من أعلامنا" والتي أُقيمت خلال الفترة 29_30 مايو2011. تناول كتاب (طائِر الشّعر والرّحيل: عبدالله الطّائي إنسانًا ومبدعًا) بعد كلمة النّادي الثّقافي، وكلمة عائِلة الطّائي ثمان أوراقٍ، حملت محاور متنوِّعة، حيثُ تناول في البِدء أحمد الفلاحي (عبدالله الطّائي: وقفات سريعة في محطّات من سيرته الخصبة) تحدّث فيها عن سيرة الطّائي الزّاخرة متقصِّيًا أداور حياته ومنعطفاتها المفصليّة متناولا فيها الطّائي إنسانًا بكلِّ تعالقاتِ حياته السياسيّة والثّقافيّة بإيجازٍ وتكثيف. فيما تطرّق الدكتور غالب المطّلبي لـ (وعي السّرد عند عبدالله الطّائي: محاولة في فهم خطوة الرِّيادة في قصّة المغلغل) متناولا نِتاج الطّائي في مجال السّرد مركّزًا على قصّة المغلغل بتحليلِ وإضاءةِ ادواته في العمليّة السّردية، المتمثِّلة في: الشّخصيّة المحورية، والبيئة المحيطة، والحوارِ، والسّارد. مُشيرًا بعد تحليل القصّةِ وتفنيدِ عناصرها إلى أنّ قصّة "المغلغل" قصّةٌ رائِدة تستحق الاحتفاء الحقيقي بها بوصفها خطوة تُحسب لصاحبها بقصد فتح نافذة على أُفقٍ جديد تحتاج إليه رئة الأدب العماني المعاصر، إذ كان الكاتب فيها على وعيٍ متقدِّم بالسّرد ووظائِفه. (عبدالله الطّائي روائيًّا)هي الورقة الثالِثة في الكتاب للدكتور كامل العتوم والدكتور سعيد العيسائي، تناولت هذه الورقة جهود عبدالله الطائي الروائيّة المتمثِّلة في روايتيه: (ملائكة الجبل الأخضر، والشّراع الكبير)، واللتان حسب تقديم الباحثين لها تحملان تشابهًا كبيرًا من حيث المنحى الفكري والبناء الفنِّي، كما أنّ كليهما تقع ضمن الروايات ذات الاتِّجاه القومي من حيث الموضوع، والتاريخي من حيث البناء، عكست الروايتان إيمان الطّائي بالنِّضال من أجل تحقيق الحريّة والوحدة. تناول الباحثان في ورقتهما روايتي الطّائي بالتحليل والنّقد، مؤكّدان أنّ عبدالله الطّائي يُعدُّ من كتّاب الرواية الرّوّاد في الخليج العربي، إذ تعدُّ جهوده من الجهود التي تكشف عن مراحل تطوّر الرواية التاريخيّة العربيّة ذات الطّابع القومي، متعجّبانِ من تجاهل بعض الدراسات لدور الطّائي في نشأة الرّواية العربية. و(تاريخ عمان السّياسي لعبدالله الطائي) التي قدّمها سماء عيسى هي الورقة الرابعة، وقد انطلق سماء عيسى في ورقته هذه من قراءة لإصدار عبدالله الطائي " تاريخ عمان السياسي"، هادِفا إلى تبيان توجّه المؤلف إلى تأكيد الانتماء العربي لعمان، معارِضًا بذلك أيّة دراسات أخرى قدمت الوجود العربي كوجود لاحق لجناس وأعراق سبقت العرب في استيطانها وحكمها؛ وذلك من خلال حادثة انتصار العمانيين على البرتغاليين في المعركة التي تم فيها الاستيلاء على حصني الجلالي والميراني في مستهل عام 1649م، وحادثة انتقام الإمام أحمد بن سعيد البوسعيدي من الفُرس. يُضيئ سماء عيسى في ورقته جوانب من كتاب الطّائي، ومنهجه في تناول الحوادث وتشذيبها من الأسطوري منها والبعيد عن الحدوث، فيعمد سماء عيسى إلى تبيان الآلية التي اتّبعها الطائي في كتابه حيث كان وعيه بتسلل الذاكرة الأسطورية إلى الذاكرة التاريخيّة عبر الأساطير المتراكمة وارِدًا، تلك الأسطوريّة التي تدحل في سياق الحدث التاريخي دونما مساءلةٍ واستجواب. وتحدّث حسين بن راشد الصّباغ في ورقته (عبدالله الطائي من أعلام الأدب والفكر العماني مع إطلالة تاريخيّة وحضاريّة لعمان) عن التّاريخ العُماني في البدء؛ خصوصًا تاريخ دولة اليعارِبة وتوغّلها في شرقِ إفريقيا، مادًّا جسور حديثه إلى ضِفةِ الطّائي وعلاقته بِه في البحرينِ والكويت، متحدِّثًا عن وشائِج التواصلِ والوصالِ بينهما، وتأثيرِ الطائي عليه وتعريفه على العوالم الثقافيّة، إذ يؤكِّد في سطوره أنّ الطائي في مختلف ميادين نشاطه كان لسان بلاده حاضِرًا، فقد كان يسعى للتعريف ببلاده أدبًا وثقافةً وفكرًا وتاريخًا. كما كان نافذةً مفتوحة على جميع الأفكار في مختلف مراحل حياته، وشخصيّةً تتمتّع بوجهٍ مشرقٍ وضّاء ذو ابتسامةٍ عريضة وقلب حي نابِض بالحياةِ الخلّاقة، شخصيّة متواصلة مع الجميع ثقافيًّا وأدبيًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا. ورقة الصّباغ تناولت الطّائي الإنسان مضيئةً جوانب علاقته الشّخصيّة والأدبيّة به. فيما أضاء سالم بن محمّد الغيلاني (دور عبدالله الطائي في مجال التّعليم)، إذ يذكُر الغيلاني في ورقته بدءًا (عبدالله الطائي أحد روّاد النهضة الثقافيّة) مؤكِّدًا أنّ اهتمامات الطائي المتعدِّدة جعلت منهُ أحد الرّموز التي أفنت الكثير من عمرها في خدمةِ النّهضة الثّقافيّة والتّربويّة ليس في عُمان وحسب بل على مستوى الخليج، فالطّائي لم يحصر نتاجه الثّقافي والفكري والتّربوي على عُمان؛ بل مارس خبراته في الكويت والبحرين وأبو ظبي، عارِجًا على المناصب التي تقلّدها الطّائي في دول الخليج، وعلى جوره الفكري في النّهضةِ الخليجيّة. وركّز فيما بعد الغيلاني على دور الطّائي في النهضة التعليمية والثقافيّة، حيثُ قسّم دوره إلى مرحلتين الأولى مرحلة عمله داخل عُمان والتي ابتدأت منذ 1970م، حيث عمل في البدء معلِّمًا في ( المدرسة السّعيديّة)، والثّانية مرحلة عمله خارج عُمان، والتي أسهمت بشكل كبير ولو عن بُعد في تأصيل الكثير من القيم والمُثل والأفكار التي ساهمت في إيقاظ الوعي الفكري والثقافي في عُمان، كما أنّ كتاباته في الصّحف الخليجيّة أثناء تغرّبه كانت تحمل في فحواها استنهاضًا لهمم العُمانيين وبثِّ روح الوطنيّة في نفوسهم، كما أسهد الطّائي في تقديم الأعلام العمانية في الصّحف والإذاعات الخارجية من خلال المقالات والدراسات التي كتبها، سواء في إذاعات الكويت والبحرين والإمارات أو في صحفها ومجلاتها أمثال: الشّاعر الكندي، وأبو مسلم البهلاني، وهلال بن بدر، والمؤرّخ ابن رزيق ومحمّد بن شيخان والشّيخ السالمي، وبعض الإصدارات والمؤلّفات العمانيّة، كما أنّ نتاجه الشّعري كان يؤكِّد حضور عُمان في الخارِج. ويؤكِّد الغيلاني في ورقته من خلال بعض الأمثلة إلى دور عبدالله الطائي كمفكِّرًا عمانيّا أصيلًا كان له دور بارز في النّهضة التعليميّة والثقافية والفكرية في عُمان، سواء داخل عُمان أو في الدّول الشقيقة خاصّة قبل 1970. وخصّص الغيلاني محور ورقته الأخير عن (رسالة الطّائي نحو العُمانيين) والتي عزّزها باستشهادٍ لرسالة أرسلها الطائي كان الدكتور محسن الكندي قد أدرجها في مرجعه الكبير عن عبدالله الطائي والتي بعث بها لمدير البعثات بوزارة التربية والتعليم العراقية يطلب فيها تخصيص خمسين منحة دراسية لأبناء عمان للدراسة في معاهد العراق، هكذا كان الطائي يسعى لأبناء عُمان. (شاعريّة الطّائي من الهمِّ إلى النّفق) للدكتور محمّد بن مسلّم المهري هي الورقة السّابعة في الكتاب، وقد تناول المهري في ورقته شاعريّة الطائي معتمدًا على كثافة النصوص التي أبدعها الشّاعر في جانبٍ دون آخر، ثمّ تاريخ النصوص التي قيلت في الجانبين، قسّم الورقة إلى الهمِّ والنّفق استنادًا لذلك، كما أنّه في تناوله لـ الهمِّ قسّم المحور إلى: الهمِّ العامِّ والهمِّ الخاص، وفي الهمِّ العامّ تناول المهري التوجّه العام للشاعر توازيًا مع التّوجه القومي الذي ساد في تلك الفترة (فترة الخمسينيّات والستينيّات من القرن المنصرم) نظرَا للطروف التي مرّات بها الأمّة خصوصًا ظرف الاستعمار، ووضع فلسطين على وجه التّحديد، مستشهدًا بأبياتٍ للطائي شارحًا لها. أمّا الهمُّ الخاص فخصّصه المهري لكلّ ما يتعلّق بشخص الشّاعر سواء أكان الوطن أو الأهل أو ذات الشّاعر وأحاسيسه الوجدانيّة. أمّا شاعريّة الطائي في جزء (النّفق) فقد تناولها المهري استقراءً لإنتاج الطّائي، وعن فكرة النّفق يذكُر المهري: إذا كان النّفق سرب في الأرض مشتقٌّ إلى موضع آخر، فإنّ شاعرنا اختاره لسكناه في الأيام الأخيرة من عمره رغم قساوة الأمر اخذا بالمقولةِ " بطن ألأرض خير له من ظهرها"؛ لما يراه من عجائب الأمور وتبدّل الأحوال أو لعله رأي الأجل الذي اقترب ولم ينجز مهمته التي ندب لها نفسه منذ عشرات السّنين، وهو لمّا يضع بعد كمسؤول خطته الكاملة لرقي ( عمان) التي عاش من أجلها وقضى سبيلها. وجاءت الورقة الأخيرة بعنوان (صور المرأة في أدب عبدالله الطّائي) للدكتورة سعيدة بنت خاطر الفارسيّة، ومن خلال محاور عدّة تحرّت الدكتورة سعيدة في ورقتها الصّورة المتشكِّلة وفقًا للرؤى الذّهنيّة والفكرية للطّائي وليست الصّور البيانيّة من استعاراتٍ وتسبيه وكنايات، تؤكِّد الورقة أنّ الطائي لم يهدف في شعره إلى رسم شكل حسِّي للمرأة، بل إلى تناول واقع المرأة وتفاعلها مع حركة المجتمع ودورها في هذه الحركة سواءً أكان سلبًا او إيجابًا، وبناءً عليها حاولت الدكتورة استخلاص صور المرأة في شعره، فتناولت صورة المرأة في أدبه من خلال سماتٍ عدّة ومواضيع متنوِّعة تناول فيها الطائي المرأة أبرزها: التناغم والانسجام والتّوحد، والإيجابيّة والمثاليّة، وشرعيّة الحب للمرأة، والمرأة بطلة للنّص وإن تضاءل دورها في الحدث، والتّعليم والإبداع، كما ساقت أبرز نماذج صور المرأة لدى الطّائي كصورة الأم، وصورة الزّوجة وصورة الحبيبة. وتلخِّص الدكتورة ورقتها بقولها: صورة المرأة في أدب الطائي صورة إيجابيّة إنسانيّة تحرّريّة، تحمل صفة اجتماعيّة-واقعيّة، مؤديةً دورها في عملية الإنتاج الاجتماعي. المصدر : مدونة بدرية العامري