«درج الطابونة» لسمير الجندي: رواية يسكن قصصها القصيرة جدل ولعل فيها سيرة في القدس! - omandaily

    • «درج الطابونة» لسمير الجندي: رواية يسكن قصصها القصيرة جدل ولعل فيها سيرة في القدس! - omandaily

      تحسين يقين -
      صحيح أن القصص القصيرة جدا هي قصص المشهد-اللحظة، لكن تأمل قصص الكاتب المقدسي سمير الجندي المجموعة في “درج الطابونة” قادتني إلى شيء آخر، ربما يوحي عنوان المقال به.
      على مدار 175 صفحة توزعت قصص-نصوص سمير الجندي البالغة 128 نصا، مما يعني أنها فعلا قصص قصيرة جدا ونصوص قصيرة جدا..
      أتأمل صورة الغلاف، صورة درج في سياق معماري قديم لعله من القدس في العصر الوسيط، يوحي لي البناء بالتاريخ، كذلك يوحي لي بالحياة اليومية للمقدسيين هنا، الذين واللواتي ما زالوا يحيون في المكان نفسه، يواصلون رحلة الأزمنة في القدس العتيقة.
      أصعد “درج الطابونة” فأجد جدران هذه البيوت المتلاصقة، ثمة طابقان، نوافذ قديمة، إضافات حديثة، لكن الدرج يدل على من صعدوا عليه وما زالوا يصعدون. هنا سكان القدس، سكان حيّ من أحياء القدس العتيقة، البلدة القديمة، لكن هذه البلدة كمركز تاريخي، ما زالت معاصرة وحية بسكانها. سكانها المتآلفين مع مكانهم الخاص في فضاء التاريخ والزمن، وفي فضاء اليوم العادي، والذي هو -بحكم حالة القدس-صار يوما غير عاديّ.
      يحيا المقدسيون في حالة العادي- وغير العادي، ضمن سياق التاريخ الممتد من القدم حتى الآن، فالمكان يحيلهم إلى الزمان.
      المكان يحيلهم إلى الزمان.. والزمان الآن يبدو بسبب حالة الصراع-الاحتلال- متداخلا مع الأزمنة، فيصير الزمان الحالي زمانا قديما، وحاليا..فكل ما في المكان يأخذنا نحو الزمان، وفي الوقت نفسه، فإن الزمان الآن مستلبا!.في هذه الأجواء، وضمن هذه السياقات الحياتية في مراكز المدن التاريخية، يحيا الكاتب، وينتج نصوصه، التي تحاول الفكاك من أسر الأزمنة، فلا تقدر، والتي تحاول الفكاك من أسر (الأسر والحصار) فلا تقدر، فتعيش هذه الحالة الملتبسة.
      نصوص سمير الجندي الكاتب ابن القدس الآن وأمس وغدا، نصوص مكانية خاصة جدا، إنها ميزة المكان وأثره، فالمكان هنا هو الأولوية وله دور البطولة، أما الأشخاص الزمنيون الآن، فلا يمكن الفصل بينهم وبين المكان.
      إنها نصوص تجوال وتعايش، تجوال في المكان عبر الأزمنة المطلة من الأسماء والحارات والطقوس والمناسك والعبادات والمباني والروائح والملامس وتفاصيل البيوت.
      وهي نصوص تربط الكاتب بالأمكنة، فتظهر تداعيات فكره وشعوره وأفكاره، هواجسه القلقة، حزنه وغضبه، الهوية والانتماء، التاريخ الوطن، الماضي والحاضر والمستقبل..
      وبالاعتماد على ما سبق، يمكننا الوقوف عند عدد من النصوص التي تتعانق معا لإنشاء نص مواز آخر طوال فترة قراءة المجموعة القصصية.
      ويمكن للكاتب سمير الجندي والقراء/القارئات ملاحظة النصوص التي تحمل العناوين التالية بشكل خاص:
      ذكريات وغني والبيك وعند باب الخليل وإبعاد وعد إلى أثيوبيا وباختصار واللقلق وباب خان الزيت وخيانة، درج الطابونة وجولة مقدسية وجدتي وهل تعرفين أمي، درس…
      ويمكن النظر إلى النصوص التي تحمل العناوين التالية بشكل عام:
      يافا وطيفها، جدال امرأة، ملل، نقاء، كآبة، ثماني وردات، المصير المحتوم، الغريبة، خورفكان، في الصين..
      ما الذي يمكن ملاحظته على مستوى المضمون؟
      يمكن ملاحظة أن النصوص الأولى تتناول مضامين اجتماعية ونفسية إنسانية لها علاقة مباشرة بالمكان من جهة (البلدة القديمة والقدس بشكل عام) ومع الكاتب من جهة أخرى، كونها تحكي سيرة ذاتية له، أو سيرة ذاتية للمدينة التي شاهدها وكان وما زال شاهدا عليها، وهي جميعا بمجملها، بما تحتوي من وصف وانطباع، ترفع النصوص إلى أعلى مستويات السرد، لتصبح إما سيرة ذاتية للكاتب، أو رواية، حيث أن المشاهد اللحظية تتشابك معا في الزمان والمكان والأشخاص لتحكي سردية خاصة بل حميمية جدا وعزيزة على الكاتب وعلى المقدسيين والفلسطينيين وعلينا.
      بمعنى لو أنه قام بإعادة تشكيلها معا من منظور الشكل الروائي الأدبي، لكنا بإزاء مشروع روائي مميز.
      أما بالنظر إلى النصوص من الفئة الثانية، غير المرتبطة مباشرة بالمكان، قدر ارتباطها بشعور الكاتب وانطباعاته النقدية، فإنها يمكن أن تضيف حيوية على الجزء الأول من حديثنا، أي إضافة البعد الإنساني السياسي النقدي العام، لما هو خاص في الفئة الأولى، مما يمنح النص المفترض(الرواية-السيرة) حيوية وعمقا إنسانيا وأدبيا.
      إنها رواية أو سيرة في النصوص والقصص التي اجتهدت هي بكونها روافع لنص روائي سردي، أو سيرة ذاتية، أو سيرة مدينة.
      على مستوى اللغة، كانت لغة النصوص-القصص، لغة أدبية مكثفة، ترتقي إلى لغة الشعر والحكمة أحيانا، وتندمج في لغة السرد الجيد. وهي لغة من جنس المكان ومنتمية له، ومنبثقة من بيئته العامة والخاصة.
      25 نصا بنت نصا روائيا بالنسبة لي كقارئ، أما باقي النصوص وعددها 103 فهي تتراوح شكليا ما بين الخطرة والقصة والحكمة والبوح، مثال القصة “في المطار، جواز سفر”، وهما نصان نقديان سياسيا، في حين شكلت نصوص كثيرة مساحات بوح وشعور مثل “لوز، برّ…”. حتى إن هناك نصوصا كانت عبارة عن سطر واحد أو سطرين أو فقرة، لكنها كانت عميقة جدا، ولا ينزل من رقيها ادبي أنها من خارج شكل القصة القصيرة جدا..
      إن الكاتب حساس جدا للمكان..
      وحساس للأزمنة..
      ومنتم دون ادعاء ودون مباشرة..والكاتب متوجع من كل ذلك، وهذا هو همه واهتمامه، والتزامه أيضا.
      لقد كان ذكيا حين صور فوتوجرافيا “درج الطابونة” ووضعه على الغلافين الأول والأخير، حين دفعنا لنتأمل المكان:
      رحوف عيليت راجو تل (باللغة العبرية).
      درج الطابونة
      PLUG AT HAKOTEL
      وللقارئ أن يقرأ في اللوحة-الآرمة حال القدس التي تتهود يوميا..
      وهذا وجع الكاتب..
      وأخيرا أزعم أن القصص القصيرة تدل على نفس روائي جذاب، كونه ينطلق من المصداقية في الشعور، والوصف؛ فهو (ابن مكانه هنا)..إضافة إلى كون القدس بما تحمل من مضامين الزمان الذي يحيلنا دائما إلى تاريخ القدس وسردياتها.