نهضة من تحت الرُّكام - omandaily

    • نهضة من تحت الرُّكام - omandaily

      عبدالعزيز بن محمد الروشدي -
      لم يكن يوما عاديا ذلك الذي استقبلته اليابان في السادس من أغسطس عام 1945 إبان الحرب العالمية الثانية، عندما ملأت رائحة الموت ضواحي مدينة هيروشيما إثر إلقاء الولايات المتحدة الأمريكية أول قنبلة ذرية في التاريخ، وعلى الرغم من ذلك لم تستيقظ اليابان من هذا الكابوس الفظيع إلا في اليوم التاسع من الشهر نفسه عندما دُكّت مدينة ناغازاكي بالقنبلة الذرية الثانية، حينها لوّحت اليابان بمنديلها الأبيض عاليا بعد أن راح أكثر من 250 ألف مواطنٍ ياباني كضحايا.
      بعد ذلك انصرفت اليابان إلى بناء دولتها العصرية ودراسة الحضارة الغربية وعلومها، وتغيرت العقلية اليابانية وأصبحت بعدها دولة صناعية مسالمة، وتحولت من عقلية الحرب والدمار إلى عقلية التنمية والإعمار، وأصبحت تغزو العالم بمنتجاتها وسلعها وليس بطائراتها الحربية وبوارجها وجيوشها.
      اليابان هي عبارة عن جزيرة مكتظة بالسكان، وتستورد العديد من المواد الخام، وذلك بسبب ندرة مواردها الطبيعية، فعلى سبيل المثال تستورد ما يقارب 100% من الألمنيوم، و98% من النفط، و66% من الخشب، بالإضافة إلى 5% من الحديد وغيرها.
      والسؤال الحاسم هنا: كيف استطاعت اليابان التفوق والتقدم بعد كل هذه الحروب التي خاضتها والدمار الذي حلّ بها، بالإضافة إلى ندرة مواردها الطبيعية؟ والجواب ببساطة أنها اتجهت إلى الاستثمار في ثروتها البشرية التي تزيد عن 125 مليون نسمة، وبذلك وضعت حجر الأساس لنهضة تنموية شاملة.
      يقول ياماشيما من جامعة كيوتو وهو أحد أشهر الأخصائيين اليابانيين في الإدارة عندما سُئل عن سر نجاح وتفوق التجربة اليابانية: “إن الاعتقاد السائد هو أن اليابانيين يعملون أكثر، ولكنهم في الحقيقة يعملون أفضل، إنهم كغيرهم يعملون 43 ساعة في الأسبوع، أي 2000 ساعة في العام، بينما يعمل الكوريون 3000 ساعة في العام أي بزيادة الثلث، ليست هناك معجزات وخوارق، إن العامل في اليابان يتفوق في تأهيله الثقافي والمهني على زميله في أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، إن الجامعة والمدرسة هما قوتنا الضاربة وأما الذخيرة فهي الانضباط الذاتي، لذا فلا حاجة لنا لتعيين جيش من المراقبين والمفتشين يقضي نصفهم في حراسة ومراقبة النصف الآخر”.
      كذلك فإن الابتعاث العلمي إلى الجامعات الغربية لعب دوراً جوهرياً في هذه الطفرة العلمية والصناعية، وأسهم بشكل كبير في نقل العديد من المعارف والعلوم الأجنبية إلى اليابان وتطبيقها بشكل عملي، بل الإبداع فيها وتطويرها إلى الأحسن، كما أن هذا التقدم الاقتصادي تزامن مع التفوق الأخلاقي والمهني على جميع الأصعدة.
      يقول الطالب الياباني أوساهير الذي بعثته حكومته للدراسة في ألمانيا في بداية نهضتها: ” لو أنني اتبعت نصائح معلمي الألماني في جامعة هامبورغ لما وصلت إلى شيء، فقد كنت مُبتعثا لأدرس أصول الميكانيكا العلمية، وقد كان حلمي أن أتعلم كيف أصنع محركا صغيرا”.
      كان أوساهير يدرك أن لكل صناعة وحدة أساسية أو ما يسمى “Model” وهو الأساس للصناعات كلها، فإذا عرفت كيف تصنعه فقد وضعت يدك على سر الصناعة كلها، وبدلاً من أن يأخذه أساتذته الألمان إلى ورشة عملية أو مركز تدريب عملي، أخذوا يعطوه كتبًا حول الميكانيكا، فقرأها وفهم كل النظريات المتعلقة بهذا العلم، وعلى الرغم من ذلك فقد ظل المحرك أمامه سرا ولغزا لا يُحل، فالتطبيق العملي يختلف كلياً عن الممارسة النظرية. وفي ذات يوم سمع أوساهير بمعرض محركات إيطالية الصنع، فسارع لاشتراء محركا بقوة حصانين، وقد كلّفه ذلك مرتبه الشهري كله، ثم أخذه إلى غرفته وبدأ يحدق فيه ويتأمله ويقول في نفسه هذا هو سر قوة أوروبا، لو استطعت أن أصنع محركا مثله لنهضتُ باليابان وغيرتُ تاريخها، وفعلا بدأ بتفكيك المحرك ورسم كل قطعة منه على الورق، ثم أعاد تركيبه من جديد، ثم شغّله فاشتغل، فكانت هذه اللحظة هي بداية انتصار بالنسبة له، فقد استغرقت هذه العملية ثلاثة أيام متتالية.
      بعدها سارع أوساهير بزفّ هذا النبأ السعيد لرئيس بعثته، وما إن أخبره حتى قال له حسناً سأختبرك الآن، فجاء بمحرك متعطل وطلب من أوساهير إصلاحه ومعرفة العطل فيه، وفعلاً فقد قام بإصلاحه واستبدل بعض القطع البالية فيه بأخرى صنعها بيده بالمطرقة والمبرد بعد أن التحق بمصانع صهر الحديد والألمنيوم والنحاس.
      نعم هذا ما أراد أوساهير ورئيس بعثته بل هذا ما أرادته اليابان، بدلاً من إعداد رسالة الدكتوراه كما أراد أساتذته الألمان، تحوّل إلى عامل يرتدي بدلة زرقاء يقف بجانب عامل صهر المعادن صاغرا، فقد كان يطيع أوامره وبداخله حلم كبير، فقد كان يخدم اليابان وفي سبيلها كل شيء يهون.
      وعلى هذا الحال قضى أوساهير سنواته الثمان بين الدراسة والتدريبات العملية، فقد كان يعمل بين عشر وخمس عشرة ساعة في اليوم، وحينما عاد إلى بلده سمع الحاكم الياباني عنه وطلب مقابلته، لكنه قال لا أستحق مقابلة الحاكم إلا بعد أن أُنشئ مصنع محركات كاملاً، وقد استغرق منه ذلك تسع سنوات، بعدها حمل مع مساعده عشرة محركات وقد كُتب عليها “صُنع في اليابان”، ودخل بها إلى الحاكم، فابتسم الحاكم وقال: “هذه أعذب موسيقى أسمعها في حياتي، إنها صوت محركات يابانية خالصة، هكذا ملكنا الموديل “Model” وهو سر قوة الغرب، نقلناه إلى اليابان، نقلنا قوة أوروبا إلى اليابان ونقلنا اليابان إلى الغرب.
      نعم هكذا رجعت البعثات العلمية اليابانية لتصنع مجداً جديداً لليابان، فهذا الساموراي ليس إلا أنموذجا من نماذج عديدة، وسرا من أسرار تفوق الاقتصاد الياباني الذي يتربّع حاليا على قائمة الدول الخمس الأولى عالمياً في الصناعة والإنتاج، وباختصار شديد إنه الاستثمار الأمثل للموارد البشرية.