ترجمات .. انتصار برنانكه وهزيمته - omandaily

    • ترجمات .. انتصار برنانكه وهزيمته - omandaily

      روبرت سامويلسون -
      ترجمة قاسم مكي -
      واشنطن بوست -
      على رئيس بنك الاحتياط الفدرالي الأمريكي المغادر بن برنانكه، أن يعلم بأنه ضحية لقانون الغلة المتناقصة (مفهوم اقتصادي يرى أنه إذا زيد حجم عامل واحد من عوامل الإنتاج مع ثبات أحجام العوامل الأخرى فإن حجم إنتاج كل وحدة من وحدات هذا العامل المتغير سيتقلص في النهاية- المترجم). ففي الأيام الأولى للأزمة المالية في عامي 2008-2009 أعد برنانكه البنك المركزي الأمريكي للقيام بدور مقرض الملاذ الأخير. وساعد ذلك في القضاء على الذعر المالي المتصاعد حينها. كما يمكن القول بأنه أعان على تجنب حدوث كساد عظيم ثان (الأول حدث في الثلاثينات). وقد حظي الدور الذي لعبه برنانكه بتقريظ كثير. وهو يستحق أن ينال امتنان الولايات المتحدة. ومن المشكوك فيه أن يفعل أي أحد آخر أفضل مما فعل. ولكن طموح برنانكه امتد إلى ما وراء منع وقوع كارثة. لقد سعى إلى تحريك الاقتصاد بالإبقاء على معدل متدن لسعر الفائدة قصيرة الأجل (صفر % من الناحية العملية منذ أواخر 2008) من خلال عمليات شراء ضخمة للسندات ( تحت مسمى التيسير الكمي). وكانت استراتيجيته هي خفض معدلات الفائدة طويلة الأجل وتعزيز انتعاش قطاع المساكن وتقوية أسعار الأسهم وإنعاش استثمار الشركات في المصانع والمعدات. وهنا كان نجاحه ضئيلا. فمنذ منتصف 2009 نما الاقتصاد بمعدل طفيف لم يزد عن 2.4%. ولا تزال الوظائف المدرجة على كشوفات الرواتب أقل بحوالي 1.2 مليون وظيفة عن ذروتها في عام 2007. كما خرج 7 ملايين أمريكي عن قوة العمل ( المعروضة في السوق) حيث تقاعد بعضهم. ولكن ربما أن نصفهم، حسب بعض التقديرات، يخلو عن البحث عن عمل لأنهم يئسوا من الحصول عليه. وما كان يجب علينا إدراكه هو أن بنك الاحتياط يفتقر إلى ذلك النوع من السيطرة الاقتصادية التي اعتبرت تحصيل حاصل بعد فترة تولي ألان جرينسبان رئاسة بنك الاحتياط الفدرالي (1987-2006). وأصبح ينظر إلى البنك حينها باعتباره كلِّي القدرة تقريبا. فبتغييرات طفيفة في معدلات الفائدة قصيرة الأجل كان يمكنه الحفاظ على أحوال التوسع الاقتصادي وامتصاص الأوضاع الانكماشية؟ أو كما بدا أنه كذلك. ويقول بعض نقاد برنانكه أنه كان ينبغي عليه أن يفعل المزيد. ولكن ماهو ذلك المزيد بالضبط؟ فمنذ عام 2008 اشترى البنك ما يقرب من ثلاثة تريليونات دولار من سندات الخزانة والرهن العقاري. هل كان يمكن لخمسة تريليونات دولار أن تنقذ العالم؟ وما حدث أن معدلات الفائدة هبط إلى أقل من 2% على سندات الخزانة لمدة عشرة أعوام وإلى أقل من 4% على الرهون العقارية لمدة 30 عاما. واستعادت سوق الأسهم عافيتها حيث أوشكت أن تتضاعف ثلاث مرات منذ تدنيها في مارس 2009. ولكن الروابط بين هذه الأحداث المالية واقتصاد الإنفاق والإنتاج والوظائف “الحقيقي” أثبتت ضعفها إلى حد يثير الإحباط. فارتفاع أسعار الأسهم يجب أن يدفع بالمستثمرين إلى المزيد من الإنفاق. ولكن ذكريات الانكماش العظيم قد تضع حدودا “لأثر الثروة” هذا. وعانى إقراض الرهون العقارية من معايير ائتمان أقسى فُرِضَت جزئيا بواسطة ضوابط حكومية أكثر صرامة. وفي هذه الأثناء وخلال مسح أجري في عام 2012 لحوالي 517 مسؤولا ماليا كبيرا ذكر 68 منهم أن انخفاض معدلات الفائدة لن يزيد من إنفاقهم الرأسمالي. وقال بعضهم: إنهم قاموا بتمويل الاستثمارات من أموال داخلية وليس عن طريق الاقتراض فيما ذكر آخرون أن الاستثمارات أكثر ارتباطا بالطلب منها بمعدلات الفائدة. لذلك فإن أسلحة برنانكه كانت أقل نجاعة مما كان يفترض أو يؤمَّل. وما أفسد فعاليتها كان التحول في السيكولوجيا العامة. فالأزمة المالية والانكماش العظيم أحدثا تغييرا في الطريقة التي كان يفكر ويتصرف بها المستهلكون والصيارفة والمديرون والجهات المنظمة. فقبل ذلك شجع اعتقاد عام في مرونة الاقتصاد على الإنفاق والاقتراض والاقراض. فالناس افترضوا دون وعي وجود الاستقرار الاقتصادي الأساسي. وبعد ذلك كانت هنالك بقايا من الخوف والحذر. لقد انتهى الإيمان بالاستقرار التلقائي. وما حدث أن التركيبة الذهنية الأولى ساعدت بنك الاتحاد الفدرالي في عهد جرينسبان والثانية في عهد برنانكه. وهذا يفسر لماذا الجهود الضخمة التي بذلها برنانكه لتحسين الانتعاش حققت حتى الآن مردودا بسيطا جدا؟
      إن السياسة المالية ( أي التأثير على معدلات الفائدة وشروط الائتمان وعرض النقود) أداة قوية ولكنها ليست دواء عجائبيا من شأنه إذا تم تناوله بجرعات صحيحة أن يهدئ بطريقة سحرية من دورة الأعمال ويستعيد تلقائيا التوظف الكامل. إننا رهائن لقوى اقتصادية ونفسية وجيوسياسية لا يمكن السيطرة عليها تماما أو بسهولة. ومن المبكر أن نحكم على إرث أو أداء برنانكه. وستكون لسياساته نتائج مستمرة ستشكِّل السمعة التي سيخلفها وراءه، سواء له أو عليه. لقد كانت إحدى العوائق التي وقفت أمامه تلك التوقعات الكبيرة التي تشكلت خلال سنوات جرينسبان(في البنك). فمع ضعف الاقتصاد ضعفت كذلك ثقة الجمهور. ففي عام 2007 عبر نصف الأمريكيين عن ثقتهم في بنك الاحتياط الفدرالي. وبحلول عام 2012 تقلصت نسبتهم الى 39%. وصارع برنانكه دفاعا عن فكرة لا تحظى بالقبول الشعبي( وهي صحيحة) فحواها أن جهود البنك لدعم النظامين المصرفي والمالي (المعروفين أيضا باسم وول ستريت) قدَّمت الحماية لغمار الأمريكيين ( الذين يطلق عليهم أيضا اسم مين ستريت) من ضرر أكبر. ومن غير المؤكد أيضا المصير الذي ستؤول إليه سياسات برنانكه التي تسهِّل الحصول على الائتمان (سياسات المال السهل). فمن خلال شراء السندات والإبلاغ المسبق عن سياسته النقدية المستقبلية* (وهو التزام فضفاض بالحفاظ على معدل سعر الفائدة قصيرة الأجل قريبا من الصفر حتى يتعزز سوق الوظائف بطريقة مقنعة) حاول برنانكه زرع الثقة. وربما أن الآثار اللاحقة لهذه السياسات ستعزز النمو عما قريب. كما جادل أيضا بأن هذه السياسات يمكن سحبها بدون تشويش. وكتمرين أكاديمي فإنه يبدو هذا صحيحا. إلا أن السؤال الحقيقي هو ما الذي يحدث إذا كان هنالك المزيد من المفاجآت مثل حدوث تضخم غير متوقع أو وقوع أزمة مالية أخرى؟ (مؤخرا جدا هوت أسعار الأسهم حول العالم). لقد أخطأ بنك الاحتياط الفدرالي وبنوك أخرى مرارا وتكرارا في توقعاتهم الاقتصادية. ورغما عن ذلك فإن سجلَ برنانكه يوحي بحكم مؤقت. ففي مواجهة القلاقل والخطر أعان على استقرار الاقتصاد وطمأنة الجمهور. إن صفاته المميزة هي الكفاءة والصراحة والأمانة والوقار. لقد كان برنانكه الرجلَ المناسب في منعطفٍ مصيري.